شرح " مقدمة صحيح مسلم " (9) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع من شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم، ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في مجمع أبي داود بمدينة زفتى. ويتناول المجلس مسألة من أدق مسائل علوم الحديث وأخطرها، وهي حكم الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا ثبتت المعاصرة بين الراوي وشيخه ولم يثبت اللقاء، وكان الراوي ثقة غير موصوف بالتدليس.
تكمن أهمية هذه المسألة في أن الحكم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا وتعليلًا يُبنى عليها. فقد ذهب الإمام مسلم إلى قبول هذه الرواية وحملها على الاتصال، وشنّع على من خالفه. وذهب علي بن المديني والإمام البخاري إلى حملها على الانقطاع حتى يثبت السماع ولو مرة واحدة. وقد شغلت هذه القضية أهل الحديث بعد الشيخين، فمنهم من انتصر لمسلم ومنهم من انتقده.
ويهدف هذا الدرس إلى تحرير محل النزاع تحريرًا دقيقًا، وفهم سبب شدة عبارة الإمام مسلم في هذا الفصل. كما يبيّن منهج السلف في الإعراض عن الأقوال الشاذة ومتى يجب الرد عليها، ويقف عند دعوى الإجماع التي ذكرها مسلم. ويتخلل ذلك كله دروس تربوية في أدب طالب العلم مع العلماء.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تحرير محل النزاع في الحديث المعنعن
حرّر الشيخ صورة المسألة المختلف فيها. هي راوٍ ثقة لم يُوصم بالتدليس، روى بالعنعنة عن شيخ عاصره، وليس عندنا دليل على أنه سمع منه، ولا دليل على أنه لم يسمع منه. فاللقاء محتمل، والسماع غير ثابت ولا منفي.
في هذه الصورة يحمل الإمام مسلم الرواية على الاتصال ويقبلها. أما علي بن المديني وتلميذه البخاري فيحملانها على الانقطاع حتى يقوم الدليل على السماع ولو مرة واحدة، ولو في حديث واحد. فإذا ثبت السماع مرة حُملت سائر رواياته عنه على الاتصال.
وبيّن الشيخ أن البخاري اعتنى بهذه القضية عناية بالغة في كتابه "التاريخ الكبير". فمن تأمل الكتاب وجد ألفاظ الجرح والتعديل فيه قليلة إذا قورنت باهتمامه بإثبات سماع الراوي من شيخه أو نفيه. وهذا يدل على مكانة هذا الشرط عنده.
ونبّه الشيخ على أن قول مسلم في الكتاب "كان الخبر عنده موقوفًا" لا يُراد به الموقوف بالمعنى الاصطلاحي، أي ما أُضيف إلى الصحابي. بل المراد التوقف في الحكم بصحته حتى يثبت السماع.
المحور الثاني: شدة عبارة الإمام مسلم واختلاف طبائع العلماء
عرض الشيخ الخلاف في المقصود بقول مسلم: "وقد تكلّم بعضُ مُنتحلي الحديث من أهل عصرنا". فقيل إنه أراد علي بن المديني، وهو الذي قال فيه البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني. وقيل إنه أراد البخاري. وقيل بل أراد بعض أهل العلم في زمانه ممن تبنّى رأيهما. ورأى بعض أهل العلم أن هذه العبارة لا تليق بمنزلة مسلم إن كان المقصود شيخه وشيخ شيخه.
واعتذر الشيخ للإمام مسلم بأن العالم إذا تشبّع بقول ورآه حقًا، قد يشتد على مخالفه. وضرب لذلك أمثلة. منها قول العلامة الألباني رحمه الله ببدعية وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع، مع أن الإمام ابن باز رحمه الله كان يراه سنة ويعمل به. ولم يكن الألباني يقصد تبديع ابن باز، وقد صرّح بذلك. ومنها انتصار ابن القيم رحمه الله لاختيار شيخه ابن تيمية في مسألة طلاق الحائض.
ونبّه الشيخ طالب العلم إلى أن طبائع العلماء تختلف. فمن الصحابة من عُرف باللين كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومن عُرف بالشدة في الحق كعمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومن العلماء المعاصرين من غلبت عليه العزة والحدة كالشيخ أحمد شاكر، ومن غلب عليه اللين والرحمة كالشيخ ابن باز والشيخ ابن جبرين. ومنهم صاحب الحجة القوية في المناظرة كالشيخ الألباني. ولا يعيب العالمَ شيءٌ من ذلك، فهي جِبِلّة تهذّبها التقوى والعلم.
وذكر الشيخ أن الإمام مسلمًا كان حاد الطبع. ومن أمثلة ذلك قصة وفاته المشهورة: بحث عن حديث أشكل عليه طوال الليل، وبين يديه سلة تمر يأكل منها وهو منشغل بالبحث. فلم يجد الحديث إلا قرب الفجر وقد فنيت السلة، فكان ذلك سبب وفاته رحمه الله. فالعبارة الشديدة في هذا الفصل خرجت مخرج الحدة والغيرة على العلم.
المحور الثالث: الإعراض عن القول الشاذ ومتى يجب الرد
شرح الشيخ قول الإمام مسلم إنه لو ضرب عن حكاية ذلك القول وذكر فساده صفحًا لكان رأيًا متينًا ومذهبًا صحيحًا. وعلّل مسلم ذلك بقوله: "إذ الإعراض عن القول المُطَّرَح أحرى لإماتته وإخمال ذكر قائله، وأجدر ألا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه".
وبيّن الشيخ أن هذا من منهج السلف: القول الخامل الذي لا يتبعه أحد يُترك حتى يموت بموت صاحبه. فليس كل قول شاذ يستحق الرد، لأن الرد قد يشهره ويفتح باب الشبهة على المبتدئين والعوام.
أما إذا انتشر القول وصار له أتباع يدعون إليه، فيجب على أهل العلم بيان عواره والرد عليه. ويكون الرد شديدًا إن كان القول بدعة، ويكون تصويبًا إن كان مجرد خطأ. وهذا ما فعله مسلم حين قال إنه خشي من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور. وحذّر الشيخ من أن ترك المبتدعة دون رد في بداياتهم يمكّن لهم، فيكثر أتباعهم ويصير قولهم يُعرض على الناس كأنه خلاف معتبر بين العلماء.
وضرب الشيخ مثلًا بالأذكار المحدثة التي يستحسنها العوام ويتركون الأذكار الثابتة في الكتاب والسنة. فالشيطان يزيّن الباطل في النفوس الضعيفة إيمانًا وعلمًا.
المحور الرابع: دعوى الإجماع والتعقيب عليها
وصف الإمام مسلم القول المخالف بأنه "قول مخترع مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه". وتعقّبه الشيخ بأن في دعوى الإجماع هنا نظرًا كبيرًا. فهذا القول هو المعروف عن علي بن المديني والبخاري، فكيف ينعقد إجماع يخرج منه هذان الإمامان؟
وقارن الشيخ ذلك، مع الفارق الكبير، بدعوى بعض الأصوليين كالجويني في "البرهان" والغزالي في "المستصفى" أن الأمة تلقت حديث معاذ رضي الله عنه في الاجتهاد بالقبول. مع أنه ضعّفه أئمة كبار، منهم البخاري والترمذي والعقيلي وابن الجوزي، وغيرهم إلى المعاصرين كالألباني. فلو لم يخالف إلا البخاري والترمذي لكفى ذلك في نقض دعوى الإجماع.
والعبرة من ذلك أن العالم إذا تشبّع بقول قد يغفل عن الخلاف فيه، فيدّعي الإجماع أو ينسب القول إلى أئمة المذاهب جميعًا دون تحقيق. ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتثبت في نقل الإجماع.
النقاط الرئيسية
- محل النزاع هو رواية الثقة غير المدلس عمّن عاصره، دون دليل على السماع أو نفيه.
- الإمام مسلم يحمل هذه الرواية على الاتصال، وعلي بن المديني والبخاري يحملانها على الانقطاع حتى يثبت السماع ولو مرة.
- اعتنى البخاري في "التاريخ الكبير" بإثبات السماع أكثر من عنايته بألفاظ الجرح والتعديل.
- عبارة مسلم الشديدة في هذا الفصل خرجت مخرج الحدة والغيرة على العلم، وهي من طبعه.
- منهج السلف الإعراض عن القول الخامل حتى يموت، والرد على القول إذا انتشر وصار له أتباع.
- دعوى مسلم الإجماع في هذه المسألة فيها نظر، لمخالفة ابن المديني والبخاري.
- العالم إذا تشبّع بقول قد يغفل عن الخلاف فيه ويشتد على مخالفه.
الفوائد والعبر
- تحرير محل النزاع قبل الخوض في أي مسألة خلافية، فهو مفتاح الفهم الصحيح.
- التماس الأعذار للعلماء، ومعرفة طبائعهم المختلفة من شدة ولين، دون أن يكون ذلك سببًا للطعن فيهم.
- الحكمة في التعامل مع الأقوال الشاذة: لا يُنشر الباطل بكثرة الرد عليه إن كان خاملًا، ويُرد عليه إن انتشر حماية للعوام والمبتدئين.
- التثبت في نقل الإجماع، وعدم الاغترار بدعواه حتى مع جلالة قائله.
- لزوم الأذكار والعبادات الثابتة في الكتاب والسنة، والحذر من المحدثات التي يزيّنها الشيطان للنفوس الضعيفة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات