شرح " مقدمة صحيح مسلم " ( 15 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,435 مشاهدة
290 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الخامس عشر من سلسلة شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويواصل فيه الشيخ عرض المناقشة العلمية التي عقدها الإمام ابن رُشَيد رحمه الله لأدلة الإمام مسلم على مذهبه في الإسناد المُعَنْعَن. ومذهب مسلم أن الراوي الثقة إذا عاصر من روى عنه، ولم يُعرف بالتدليس، ولم يُعلم أنه سمع منه أو لم يسمع، فإن روايته تُحمل على السماع والاتصال.

وتأتي أهمية هذا الدرس من أنه يتناول مسألة من أدق مسائل علم الحديث، وهي شرط الاتصال في السند المعنعن. وقد اكتفى الإمام مسلم فيها بالمعاصرة، واشترط غيره ثبوت اللقاء ولو مرة. ويتوقف على هذه المسألة الحكم على كثير من الأحاديث بالاتصال أو الانقطاع.

ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم الدليل الثالث من أدلة الإمام مسلم، وهو دعوى الإجماع على قبول روايات الصحابة بعضهم عن بعض بمجرد المعاصرة. ويعرض المثالين اللذين ساقهما مسلم، ثم يبيّن كيف ناقشهما ابن رشيد وابن رجب والمعلمي اليماني، مع التنبيه على أدب الخلاف العلمي وأن العصمة لا تكون لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الدليل الثالث للإمام مسلم ودعوى الإجماع

ذكّر الشيخ أولًا بالدليلين اللذين سبق شرحهما. الأول دعوى الإجماع على قبول السند المعنعن من المعاصر غير المدلس. والثاني الإلزام، وهو أن من لم يقبل ذلك يلزمه ألا يقبل حديثًا معنعنًا أصلًا، ولو كان الطالب قد سمع من شيخه كثيرًا. ثم انتقل إلى الدليل الثالث، وهو كما قال ابن رشيد أخص من الأول، وكأنه من تتمة الثاني، لأن مسلمًا أورده في سياق التمثيل.

وخلاصة هذا الدليل أن مسلمًا يدّعي إجماع العلماء على قبول أحاديث الصحابة بعضهم عن بعض دون طلب أو بحث عن لقاء أو سماع، اكتفاءً بالمعاصرة. ومثّل لذلك بحديثين يرويهما عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه: أحدهما عن حذيفة بن اليمان، والآخر عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنهم.

وقرر مسلم أنه ليس في روايات عبد الله بن يزيد عنهما ذكر للسماع، وأنه لم يحفظ في شيء من الروايات أنه شافههما أو رآهما، وأنه لم يسمع أحدًا من أهل العلم ممن مضى أو أدركه طعن في هذين الخبرين. ثم جعل هذين المثالين علامة على ما وراءهما من أمثلة كثيرة.

المحور الثاني: مناقشة حديث حذيفة رضي الله عنه

بيّن ابن رشيد أن حديث عبد الله بن يزيد عن حذيفة أخرجه مسلم في كتاب الفتن، وهو قول حذيفة رضي الله عنه: «أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ». وسلّم ابن رشيد بأنه لا يعلم فيه ذكرًا للسماع. لكن الشيخ نبّه على أن مسلمًا انفرد بهذا الحديث، وأن البخاري لم يخرجه مع ثقة رواته، وعدول البخاري عنه يشير إلى علة فيه، وهي الانقطاع.

ونقل الشيخ اعتراض الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي، وهو اعتراض بطريق الإلزام. فإذا كانت المعاصرة كافية، لزم مسلمًا أن يحكم باتصال حديث كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، بل هذا أولى. ولزمه كذلك أن يحكم باتصال حديث كل من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم وأمكن لقاؤه له. وهذا خلاف إجماع أهل الحديث، فأمثال محمد بن أبي بكر لهم شرف الصحبة، لكنهم في الرواية تابعيون، وحديثهم مرسل. ولهذا يقول بعض علماء المصطلح: «مرسل صحابي لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة».

وأجاب العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني بطريق آخر. فمسلم أخرج حديث حذيفة مطولًا من طريق أبي إدريس الخولاني عائذ الله بن عبد الله، ومن طريق أبي وائل شقيق بن سلمة، ثم ثلّث برواية عبد الله بن يزيد. فهي إذن في المتابعات لا في الأصول، ويُتسامح في المتابعات بما لا يُتسامح به في الأصول ولو كانت منقطعة. والحديث مشهور عن حذيفة من غير طريقه، فلم يحتج أهل العلم إلى الكلام في هذا الانقطاع.

المحور الثالث: حديث أبي مسعود البدري وثبوت السماع عند البخاري

أما المثال الثاني فهو حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه في فضل النفقة على الأهل: «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ». وقد أخرجه مسلم معنعنًا في كتاب الزكاة، في باب النفقة على الأهل، دون ذكر للسماع.

لكن ابن رشيد أثبت أن البخاري أخرجه في كتاب المغازي، في الباب الذي يلي باب شهود الملائكة بدرًا، فقال: حدثنا مسلم، حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، أنه سمع أبا مسعود البدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فثبت بذلك التصريح بالسماع، وهو الأمر الذي غاب عن الإمام مسلم. وأخرجه البخاري أيضًا في كتاب الإيمان وفي كتاب النفقات دون ذكر للسماع، وثبوت التصريح بالسماع في موضع واحد يكفي في إثباته.

وأكد الشيخ أن هذا التصريح ليس مما يُحمل على أخطاء الطباعة أو النُّسّاخ المتأخرين. فصحيح البخاري تُلُقّي بالسماع والقراءة المتصلة إلى مؤلفه، وصرّح ابن رشيد بثبوت السماع في روايته، فلا يبقى بعد ذلك مجال للنقاش. وبهذا ينتقض المثال الذي ساقه مسلم دليلًا على دعواه.

المحور الرابع: لا عصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم

وقف الشيخ عند هذه المسألة وقفة تربوية. فالإنسان مهما بلغ من العلم والفضل والإمامة في الدين يجوز عليه السهو والخطأ والنسيان، بل ويجوز عليه الجهل ببعض المسائل. وفوق كل ذي علم عليم.

واستشهد على ذلك بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان أفضل أهل الأرض بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه. ومع ذلك خفي عليه حديث الاستئذان ثلاثًا، ونسي قصة التيمم التي ذكّره بها عمار بن ياسر رضي الله عنه. فليس من شرط كبار الأئمة ألا يخطئوا أو يجهلوا أو ينسوا، وما كتب الله العصمة لأحد من الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم.

المحور الخامس: الجواب العام عن الدليل الثالث وصحبة عبد الله بن يزيد

ذكر ابن رشيد أن عن هذا الدليل جوابين، أحدهما عام والآخر خاص. أما الجواب العام فهو أن الإجماع الذي ادّعاه مسلم صحيح في أصله، فرواية الصحابة بعضهم عن بعض مقبولة محمولة على السماع لأنهم عدول. لكن هذا الإجماع لا يتناول محل النزاع، وهو الاكتفاء بمجرد المعاصرة في غير الصحابة. فنحن نقول بموجبه، ولا يلزمنا منه شيء.

ثم بيّن أن عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي معدود في الصحابة عند مسلم نفسه، إذ ذكره في كتابه «الطبقات» في الكوفيين من الصحابة. وذكره كذلك البخاري في تاريخيه الكبير والأوسط، ونقل عن أبي إسحاق السبيعي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن عبد البر أنه شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة، فمن كان في هذه السن فكيف يُنكر سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟

وهو عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصن الخطمي الأوسي، جدّ عدي بن ثابت لأمه. وكان أميرًا على الكوفة، وشهد مع علي رضي الله عنه صفين والجمل والنهروان. ولا خلاف في أنه أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الخلاف في سنّه حينئذ، وهل تثبت له رؤية أو صحبة.

النقاط الرئيسية

  • الدليل الثالث لمسلم هو دعوى الإجماع على قبول روايات الصحابة بعضهم عن بعض بمجرد المعاصرة دون بحث عن لقاء أو سماع.
  • مثّل مسلم لذلك بحديثي عبد الله بن يزيد الأنصاري عن حذيفة وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنهم.
  • حديث حذيفة انفرد به مسلم وعدل عنه البخاري، وأجاب المعلمي بأن مسلمًا أخرجه في المتابعات لا في الأصول.
  • ألزم ابن رجب مسلمًا بقبول مراسيل كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو عاصره، وهذا مخالف لإجماع المحدثين.
  • ثبت سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود البدري في صحيح البخاري في كتاب المغازي، فانتقض المثال الثاني.
  • الإجماع على قبول رواية الصحابة صحيح في أصله، لكنه لا يتناول محل النزاع وهو الاكتفاء بالمعاصرة.
  • عبد الله بن يزيد معدود في الصحابة عند مسلم والبخاري، وذُكر أنه شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة.

الفوائد والعبر

  • الإنصاف في نقد أقوال الأئمة: تُعرض أدلتهم وتُناقش بالحجة والبرهان مع حفظ مكانتهم وقدرهم.
  • العصمة لا تكون لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والخطأ والنسيان يقعان من أكابر العلماء دون أن يُنقص ذلك من فضلهم.
  • صنيع الأئمة في كتبهم دليل علمي يُستفاد منه، كعدول البخاري عن حديث بعينه، والتفريق في التخريج بين الأصول والمتابعات.
  • العناية بالنسخ المسموعة المتصلة إلى المصنفين، فهي العمدة عند الاختلاف، لا المطبوعات التي قد يقع فيها الخطأ.
  • الحث على النفقة على الأهل واحتساب الأجر فيها، فهي صدقة كما في حديث أبي مسعود رضي الله عنه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات