شرح " مقدمة صحيح مسلم " ( 11 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,621 مشاهدة
484 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الحادي عشر من شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وموضوعه مسألة «الإسناد المعنعن»، وهي من أدقّ مسائل علوم الحديث وأشدّها حساسية، وما زال أهل العلم يختلفون فيها إلى اليوم. فعليها يتوقف الحكم باتصال آلاف الأسانيد أو انقطاعها، ثم قبولها أو ردّها.

يبدأ الشيخ بتلخيص الأدلة الأربعة التي احتج بها الإمام مسلم لمذهبه، وهو أن الراوي الثقة إذا روى بالعنعنة عمّن عاصره، ولم يُعرف بالتدليس، حُمل حديثه على الاتصال وإن لم يثبت لقاؤه بشيخه. ثم ينتقل إلى قراءة كتاب الإمام ابن رُشيد الفهري رحمه الله (ت 721هـ) «السَّنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن»، فيعرض ما فيه من مذاهب العلماء في المسألة، ويبيّن أن الإجماع الذي ادّعاه مسلم منقوض بوجود الخلاف.

ويسعى الدرس إلى أن يضبط الطالب أدلة الإمام مسلم ويحفظها، وأن يعرف الصيغ التي تدل على الاتصال بلا خلاف، وأن يفهم معنى السند المعنعن، وأن يتعرّف على المذهب الأول من مذاهب المتقدمين، وهو مذهب أهل التشديد، فيعرف أصحابه ومأخذه وموقف جمهور المحدثين منه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الافتتاح بخطبة الحاجة

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة كما كان النبي ﷺ يفتتح خطبه ومجالسه، فحمد الله واستعانه واستغفره، وتلا الآيات الثلاث التي تأمر بالتقوى، ثم ذكر أن خير الهدي هدي محمد ﷺ وحذّر من البدع والمحدثات. ثم دعا للحاضرين بالعلم النافع والعمل الصالح وحسن الختام والسلامة من الفتن.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

وفي الخطبة: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: أدلة الإمام مسلم الأربعة في قبول السند المعنعن

يرى الإمام مسلم أن الراوي الثقة إذا عاصر من روى عنه، ولم يُعرف بالتدليس، ولم يُعلم هل سمع منه أم لا، فإن روايته تُحمل على الاتصال. واحتج لذلك بأربعة أدلة، وكرّرها الشيخ أكثر من مرة وطلب من الطلاب حفظها:

الدليل الأول، وهو أهمها: ادّعاء الإجماع على قبول السند المعنعن من غير اشتراط ثبوت السماع ولو مرة واحدة، مع السلامة من التدليس. وذلك قوله لمخالفه ما معناه: نحن وأنتم متفقون على قبول رواية الثقة غير المدلس، وأنتم زدتم شرطًا هو ثبوت السماع. ونبّه الشيخ إلى أن قولنا «ادّعى» لا يعني اتهامه بالكذب، وإنما يعني أنه نقل إجماعًا في موضع وقع فيه الخلاف.

الدليل الثاني، وهو من باب الإلزام: إن كانت علة الرد عند المخالف احتمال الإرسال، فهذا الاحتمال قائم حتى فيمن ثبت سماعه من شيخه، لأنه قد يروي عنه أحيانًا بواسطة ثم يسقطها. فيلزم المخالف ألا يصحّح إسنادًا معنعنًا حتى يرى التصريح بالسماع فيه من أوله إلى آخره. وأشار الشيخ إلى الأمثلة التي ساقها مسلم لرواة سمعوا من شيوخهم ثم رووا عنهم بواسطة، كهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها.

الدليل الثالث: ادّعاء الإجماع على قبول رواية الصحابة بعضهم عن بعض بمجرد المعاصرة، دون بحث عن لقاء أو سماع. والدليل الرابع مثله في التابعين، كأبي عمرو الشيباني وأبي عثمان النهدي، فقد قُبلت أحاديثهم المعنعنة عن الصحابة الذين عاصروهم لسلامتهم من التدليس، وإن لم يُعلم لقاء ولا سماع.

المحور الثالث: كتاب ابن رُشيد وبيان الصيغ المتصلة ومعنى السند المعنعن

ذكر الشيخ سبب تأليف ابن رشيد لكتابه: فقد ناقش بعض أهل الفضل في عصره، وكان مقتنعًا بمذهب مسلم، غير أن أمورًا بقيت تتردد في صدره، حتى تبيّن له خطأ الإمام مسلم في المسألة فكتب كتابه. ورتّبه على مقدمة في الحديث المتصل الذي لا خلاف في اتصاله ليُبنى عليه ما بعده، ثم باب أول في المذاهب في الإسناد المعنعن وبيان الراجح منها، ثم باب ثانٍ في أدلة مسلم والتنبيه على ما أخطأ فيه.

ومن الصيغ التي لا إشكال في اتصالها لغةً وعرفًا: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وقرأ علينا، وقرأنا عليه، وقال لنا، وذكر لنا، وشافهنا، وعرض علينا، وناولنا، وكتب إلينا. وهي متفاوتة في الرتبة، لكنها كلها دالة على الاتصال. ورجّح ابن رشيد صحة الاعتماد على الكتابة إذا عُرف خط الكاتب أو كان حامل الكتاب ثقة، وضرب الشيخ لذلك مثلًا بالرسائل التي يتبادلها الناس ويثقون بها.

ثم نبّه إلى أن التفريق بين هذه الصيغ جاء متأخرًا عن الصدر الأول، كقولهم إن «حدثني» لما سمعه الراوي وحده من لفظ الشيخ، و«حدثنا» لما سمعه مع غيره، و«أخبرني» و«أخبرنا» للقراءة على الشيخ. وكذلك ظهرت الإجازة، واستعمل فيها بعضهم «أخبرنا» بل «حدثنا»، كما عُرف عن أبي نعيم الأصبهاني. أما السند المعنعن فهو ما قيل فيه: فلان عن فلان، مثل: مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ، أو: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.

المحور الرابع: المذهب الأول من مذاهب المتقدمين، مذهب أهل التشديد

نقل ابن رشيد أن للمتقدمين في المسألة أربعة مذاهب، وأن المتأخرين أحدثوا مذهبًا خامسًا. وقصد بالمتقدمين من كانوا قبل مسلم، وبالمتأخرين من جاؤوا بعده. ومجرد وجود هذا الخلاف قبل مسلم ينقض دليله الأول، وهو ادّعاء الإجماع.

والمذهب الأول هو مذهب أهل التشديد: لا يُعدّ الحديث متصلًا حتى يُصرَّح فيه بالسماع، أو يُعلم السماع من طريق آخر أو بقرينة. فإن لم يكن ذلك، فالمعنعن عندهم من قبيل المرسل أو المنقطع حتى يتبين اتصاله. وقد حكى هذا المذهب ابن الصلاح دون أن يسمّي قائله، وهو بعينه المذهب الذي ألزم به مسلم مخالفه في دليله الثاني.

ووصفه ابن رشيد بأنه أحوط المذاهب لحديث رسول الله ﷺ وإن قلّ القائلون به، لأن «عن» لا تدل على الاتصال لا لغةً ولا عرفًا. ولو كانت تدل عليه عرفًا لما وقع كل هذا الخلاف، ولما استُعملت في مواضع الإرسال والانقطاع. فإذا أشكل الأمر حُمل على أدنى الاحتمالين وهو الإرسال. ومع ذلك رأى ابن رشيد أن الأولى بأصحاب هذا المذهب أن يقولوا بالتوقف حتى يتبين الاتصال، بدل الحكم بالإرسال. ثم ختم الشيخ بأن جمهور المحدثين ردّوا هذا المذهب، فأئمة مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك وشعبة لم يكونوا يشترطون التصريح بالسماع في كل طبقات السند ولا يفتشون عنه.

النقاط الرئيسية

  • يكتفي الإمام مسلم في قبول السند المعنعن بثلاثة شروط: ثقة الراوي، وسلامته من التدليس، ومعاصرته لمن روى عنه، ولا يشترط ثبوت اللقاء.
  • أدلة مسلم أربعة: ادّعاء الإجماع، وإلزام المخالف بردّ كل معنعن لاحتمال الإرسال، والإجماع على قبول معنعن الصحابة، والإجماع على قبول معنعن التابعين غير المدلسين.
  • ادّعاء الإجماع أهم أدلة مسلم، وهو منقوض بثبوت الخلاف في المسألة قبله.
  • ألّف ابن رُشيد الفهري (ت 721هـ) «السَّنن الأبين» محاكمةً بين الإمامين في هذه المسألة، وبيّن فيه ما أخطأ فيه مسلم.
  • الصيغ الصريحة مثل سمعت وحدثنا وأخبرنا وكتب إلينا تدل على الاتصال بلا إشكال، وإنما يقع الخلاف في «عن».
  • للمتقدمين في المعنعن أربعة مذاهب، وللمتأخرين مذهب خامس.
  • مذهب أهل التشديد يشترط التصريح بالسماع أو العلم به، وهو أحوط المذاهب، لكن جمهور المحدثين ردّوه.

الفوائد والعبر

  • من الأدب مع الأئمة أن يُعبَّر عن خطئهم بعبارات منصفة مثل «ادّعى»، دون طعن في دينهم أو صدقهم، فالعالم الكبير قد يخطئ في مسألة.
  • ينبغي للطالب أن يدرس المسائل الدقيقة خطوة خطوة، وأن يحفظ أدلة كل قول قبل أن ينتقل إلى مناقشة الأمثلة.
  • الاحتياط لسنة النبي ﷺ أصل عظيم، فلا يُنسب إليه ﷺ إلا ما ثبت اتصاله وصحّ سنده.
  • يحسن التوقف فيما احتمل أمرين إلى أن يتبين الصواب، فهو أولى من الجزم بأحدهما بلا دليل.
  • قصة ابن رشيد مثال على صدق طالب الحق، فقد كان مقتنعًا بقول مسلم ثم رجع عنه لما ظهر له الدليل.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات