شرح " مقدمة صحيح مسلم " ( 14 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,718 مشاهدة
123 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الرابع عشر من شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتابع فيه الشيخ عرض كلام الحافظ ابن رُشَيد السبتي رحمه الله في مسألة الإسناد المعنعن واشتراط ثبوت السماع بين الراوي وشيخه، وهي من أدقّ مسائل علم الحديث وأشهرها في مقدمة الإمام مسلم.

ويقف الدرس عند مثالين تطبيقيين يتناولهما ابن رشيد بالنقد والتحرير. الأول حديث تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم، والثاني حديث أكل لحوم الخيل. ويبيّن الشيخ فيهما طرق الترجيح بين الروايات عند الاختلاف، فقد يُرجَّح بالحفظ والإتقان، وقد يُرجَّح بكثرة العدد، وقد يُرجَّح بالتصريح بالسماع. ويشرح كذلك قاعدة «المزيد في متصل الأسانيد».

ويهدف الدرس إلى تدريب طالب العلم على النظر في العلل، وعلى الموازنة بين أقوال أئمة الجرح والتعديل في الرواة. ويبيّن متى يصلح المثال دليلاً في مسألة خلافية ومتى لا يصلح، وينتهي إلى قراءة نصّ الإمام مسلم الذي يقرر فيه أن الأئمة كانوا يرسلون الحديث أحياناً ويسندونه أحياناً أخرى.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حديث القُبلة للصائم والاختلاف في إسناده

يبدأ الشيخ بتذكير موجز بما سبق في رواية هشام بن عروة، إذ رواها مرة عن أبيه ومرة عن أخيه عثمان. وقد يكون ذلك لأنه سمعها منهما جميعاً ثم نزل في الإسناد طلباً للمعالي لا للعوالي. ثم ينتقل إلى الحديث الذي رواه الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها:

«كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ»

وخالفهما يحيى بن أبي كثير، فرواه عن أبي سلمة عن عمر بن عبد العزيز عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، وصرّح بالإخبار في كل طبقة. فزاد في الإسناد رجلين ونصّ على السماع، فاحتُجّ بذلك على أن رواية أبي سلمة عن عائشة مباشرة مرسلة.

وقد نبّه العلائي في «جامع التحصيل» على أن ظاهر هذا الكلام ترجيحُ الحكم بالإرسال على الرواية الناقصة. أما ابن رشيد فلم يسلّم بذلك لأسباب، منها أن سماع أبي سلمة من عائشة معلوم مشهور، ومنها أن الزهري إمام كبير لا يُحكم عليه بالوهم إلا بدليل يقيني، ومنها أنه توبع على روايته بصالح بن أبي حسان.

المحور الثاني: الكلام في صالح بن أبي حسان ومنزلته

يعرض الشيخ أقوال الأئمة في صالح بن أبي حسان. فقد ضعّفه أبو حاتم الرازي، وجهّله النسائي، ووثّقه أبو علي الجياني، ونقل الترمذي عن البخاري توثيقه. وقد ذكر البخاري في «التاريخ الكبير» سماعه من سعيد بن المسيب ومن أبي سلمة، وروى عنه ابن أبي ذئب وبكير بن الأشج ويزيد بن أبي حبيب.

ومن أهم الفوائد هنا التفريق بين «صالح بن حسان» وهو منكر الحديث، و«صالح بن أبي حسان» الذي روى عنه ابن أبي ذئب. ويقرر الشيخ أن الراجح ما قاله الحافظ ابن حجر في «التقريب» أنه صدوق، فحديثه حسن ويصلح في المتابعات والشواهد. ويبيّن أن توثيق البخاري له قد يكون على سبيل المقارنة بصالح بن حسان، وهذا معروف من طرائق الأئمة في التوثيق النسبي.

ويقرر الشيخ كذلك قاعدة جليلة: من عَرَف حجةٌ على من لم يعرف. فجهالة الراوي عند إمام لا تضرّه إذا عرفه غيره ووثّقه، وهكذا دأب العلماء يعرف أحدهم ما لا يعرفه الآخر.

المحور الثالث: قاعدة «المزيد في متصل الأسانيد» وتعارض وجوه الترجيح

يبيّن الشيخ أن وجوه الترجيح في حديث القبلة متقابلة. فإن رُجّح بالتصريح بالسماع قُدّمت رواية يحيى بن أبي كثير، وإن رُجّح بالعدد والإمامة قُدّمت رواية الزهري ومتابعه صالح بن أبي حسان. والأقرب أن الحديث كان عند أبي سلمة على الوجهين، سمعه من عائشة مباشرة، وسمعه أيضاً من عمر بن عبد العزيز عن عروة عنها.

وينقل الشيخ قول ابن حبان في صحيحه إن أبا سلمة سمع هذا الخبر من الوجهين، ودليله رواية معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة في الفريضة والتطوع. وينقل كذلك قول العلامة المعلمي اليماني إن أبا سلمة رواه نازلاً توقيراً لعمر بن عبد العزيز وإظهاراً لفضله، وإن هذا أولى بلا ريب من اتهام أبي سلمة بالتدليس.

ثم يقرر الشيخ مع ابن رشيد أن هذا المثال «لا يصفو من كدر العلة»، فلا يصلح حجة لمسلم ولا حجة عليه. ولهذا لم يخرّجه البخاري، وإنما أخرج في باب القبلة للصائم حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها.

المحور الرابع: حديث لحوم الخيل ومنزلة ابن عيينة في عمرو بن دينار

المثال الثاني ما رواه سفيان بن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنه قال:

«أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ»

ورواه حماد بن زيد عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر، فزاد في الإسناد رجلاً. واعتُرض بأن حماداً لا يساوي ابن عيينة في عمرو بن دينار، لأن ابن عيينة أثبت الناس فيه بنص يحيى بن معين، الذي قدّمه على محمد بن مسلم وداود العطار وحماد بن زيد وسفيان الثوري وشعبة.

ويناقش الشيخ ما اشتهر من أن ابن عيينة جالس عمرو بن دينار اثنتين وعشرين سنة، وينقل تخطئة الخطيب البغدادي لذلك، وأن الصواب أنه سمع منه من سنّ ست عشرة إلى نحو اثنتين وعشرين. ويخلص إلى أن الترجيح إن أردناه فلرواية ابن عيينة، وإن جمعنا فهو من المزيد في متصل الأسانيد، وفي الحالين لا دليل فيه لمسلم في هذا الموضع.

ويعرّف الشيخ بمحمد بن علي، وهو أبو جعفر الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، تابعي ثقة فقيه. وينبّه على النسق الشريف لخمسة أئمة متتابعين: جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب.

المحور الخامس: نص الإمام مسلم في إرسال الأئمة وإسنادهم

يعود الشيخ بعد ذلك إلى نص الإمام مسلم: «وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده، وفيما ذكرنا منه كفاية لذوي الفهم». وفيه يلزم مسلمٌ مخالفَه بأن العلة التي جعلها سبباً لتوهين الحديث، وهي احتمال الإرسال، تقتضي ترك الاحتجاج برواية من عُلم سماعه من شيخه إلا في الخبر الذي صرّح فيه بالسماع.

ثم يقرر الإمام مسلم أن الأئمة الذين نقلوا الأخبار كانت لهم تارات يرسلون فيها الحديث إرسالاً ولا يذكرون من سمعوه منه، وتارات ينشطون فيه فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوه، فيخبرون بالنزول إن نزلوا وبالعلو إن علوا. وهذا أصل في فهم منهج المتقدمين في الرواية.

النقاط الرئيسية

  • يُرجَّح بين الروايات المختلفة بأوجه متعددة، منها الحفظ والإتقان، ومنها كثرة العدد، ومنها التصريح بالسماع، وقد تتقابل هذه الأوجه فيتعذر الترجيح.
  • الإمام الكبير كالزهري لا يُحكم عليه بالوهم بمجرد مخالفة غيره له، بل لا بد من دليل يقيني.
  • قاعدة «المزيد في متصل الأسانيد»: قد يكون الحديث عند الراوي عالياً ونازلاً، فيرويه على الوجهين.
  • يجب التفريق بين صالح بن حسان المنكر الحديث وصالح بن أبي حسان الصدوق.
  • من عَرَف حجة على من لم يعرف، فجهالة الراوي عند إمام لا تضره إذا وثّقه غيره.
  • سفيان بن عيينة أثبت الناس في عمرو بن دينار، وتُقدَّم روايته عند الاختلاف.
  • المثال الذي لا يصفو من كدر العلة لا يصلح حجة لأحد الطرفين في المسائل الخلافية.

الفوائد والعبر

  • الإنصاف في البحث العلمي: لا يُستدل لقول ما بدليل محتمل، ولا يُرد على المخالف بما لا يسلم من الاعتراض.
  • توقير العلماء وحسن الظن بهم: حمل صنيع أبي سلمة على توقير عمر بن عبد العزيز أولى من اتهامه بالتدليس.
  • طلب المعالي لا العوالي: قد ينزل الراوي في الإسناد ليروي عن الأفضل والأجلّ، وفي ذلك أدب في إجلال أهل الفضل.
  • التثبت والدقة في نقد الرواة، والجمع بين أقوال الأئمة قبل الحكم على الراوي، مع الانتباه إلى التوثيق النسبي.
  • تعظيم سلاسل الإسناد الشريفة كسلسلة آل البيت، ومعرفة فضل أئمة السلف في حفظ السنة النبوية ونقلها.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات