شرح " مقدمة صحيح مسلم " ( 12 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثاني عشر من سلسلة شرح «مقدمة صحيح الإمام مسلم» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، وهو من دروس مجمع أبي داود بمدينة زفتى. يواصل فيه الشيخ مسألة من أدق مسائل علوم الحديث وأكثرها أثرًا في الحكم على الأسانيد، وهي مسألة الحديث المُعَنْعَن: هل يكفي لحمله على الاتصال ثبوتُ المعاصرة وإمكانُ اللقاء كما يرى الإمام مسلم رحمه الله، أم لا بد من ثبوت اللقاء والسماع ولو مرة واحدة؟
ويعرض الشيخ في هذا الدرس أدلة الإمام مسلم على مذهبه، ثم ينتقل إلى تحقيقات الإمام ابن رُشَيْد الفهري رحمه الله في هذه المسألة، فيذكر المذاهب الأربعة فيها، ويناقش أقوال أئمة الحديث كالحاكم والقابسي وأبي عمرو الداني وابن عبد البر، ويقف عند اختلاف نسخ كتاب «معرفة علوم الحديث» للحاكم في لفظة واحدة يتغير بها المعنى كله.
أهداف الدرس: تحرير محل النزاع في مسألة المعنعن، وفهم الفرق بين شرط المعاصرة وشرط اللقاء، والتعرف على أقوال الأئمة ومآخذهم، وإدراك أهمية التحقيق في ألفاظ العلماء ونسخ كتبهم، مع تعلم الأدب مع الأئمة الكبار عند حكاية الخلاف بينهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تحرير محل الخلاف وأدلة الإمام مسلم على مذهبه
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم حرّر محل النزاع: فالراوي الثقة الذي لم يُوصَف بالتدليس، إذا روى بصيغة «عن» عن شيخ عاصره ولم يُعلم سماعه منه ولا عدم سماعه، فإن الإمام مسلمًا يحمل روايته على الاتصال ويحكم بصحة حديثه، ما دام اللقاء ممكنًا ولم تقم دلالة بيّنة على عدمه.
وقد ذكر الشيخ أن الإمام مسلمًا استدل لمذهبه بأدلة، منها:
- الإجماع: أن أهل العلم قبلوا السند المعنعن من غير اشتراط ثبوت السماع، ولم يقل أحد من المتقدمين باشتراطه.
- الإلزام: أن من ردّ المعنعن لاحتمال الإرسال يلزمه ألا يقبل أي سند معنعن حتى يُصرَّح فيه بالتحديث في كل حديث، وهذا لم يقل به إلا المتشددون، وقد وقع الإجماع على خلافه.
- قبول روايات الصحابة بعضهم عن بعض بمجرد المعاصرة دون بحث عن اللقاء والسماع.
- قبول روايات التابعين بعضهم عن بعض وعن الصحابة كذلك بمجرد المعاصرة.
ونقل الشيخ عبارة الإمام مسلم الجامعة لمذهبه: «وذلك أنَّ القولَ الشائعَ المتفقَ عليه بين أهلِ العلمِ بالأخبارِ والرواياتِ قديمًا وحديثًا: أنَّ كلَّ رجلٍ ثقةٍ روى عن مثلِه حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤه والسماعُ منه، لكونهما جميعًا كانا في عصرٍ واحد، وإن لم يأتِ في خبرٍ قطُّ أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالروايةُ ثابتة، والحجةُ بها لازمة، إلا أن يكونَ هناك دلالةٌ بيّنةٌ أنَّ هذا الراويَ لم يلقَ مَن روى عنه، أو لم يسمعْ منه شيئًا».
من آيات خطبة الحاجة التي افتتح بها الدرس:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
«فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
المحور الثاني: المذاهب الأربعة في المعنعن عند ابن رُشَيْد وموقف مسلم من البخاري
عرض الشيخ ما ذكره الإمام ابن رُشَيْد رحمه الله من مذاهب أربعة في هذه المسألة:
- المذهب الأول (مذهب المتشددين): اشتراط التصريح بالسماع في كل حديث، فلا يُقبل حديث معنعن أصلًا، وقد وقع الإجماع على خلافه.
- المذهب الثاني (مذهب أبي المظفر السمعاني): يُقبل المعنعن إذا كان الراوي طويل الصحبة لمن روى عنه.
- المذهب الثالث: اشتراط ثبوت السماع ولو مرة واحدة، وهو المنسوب إلى البخاري وعلي بن المديني.
- المذهب الرابع (مذهب الإمام مسلم): الاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان اللقاء والسلامة من التدليس.
ونقل الشيخ قول ابن رشيد إنه ينبغي أن يُحمل قول البخاري وابن المديني على أنهما يريدان باللقاء السماع، إذ اللقاء المحقق يُبنى عليه السماع في الغالب؛ لأن حال السلف كانت التذاكر بحديث رسول الله ﷺ عند اللقاء، فيكون مرادهما باللقاء والسماع معنى واحدًا.
ثم رجّح الشيخ أن الإمام مسلمًا لم يقصد بردّه الشديد شيخَيه الكريمين البخاري وابن المديني، وإنما قصد القول المتشدد جدًّا؛ وذلك أقرب لمنصب مسلم ولتقديره لإمام أهل الصنعة في عصره أبي عبد الله البخاري، فإن حسن أخلاقهم وحسن دينهم يمنع أن يُظن به التقوّل في شيخه، وإن كانت المسألة محتملة.
المحور الثالث: أقوال الحاكم والقابسي والداني وأثر اختلاف النسخ
نقل ابن رشيد قول الحاكم في «معرفة علوم الحديث»: إن المعنعن الخالي من التدليس متصل بإجماع أهل النقل، وعلّق الشيخ بأن نقل الإجماع هنا فيه نظر، ولعل الحاكم قلّد فيه الإمام مسلمًا. كما نقل قول أبي الحسن القابسي في مختصر الموطأ: إن المعنعن من المتصل «إذا عُرف أن ناقله أدرك المنقول عنه إدراكًا بيّنًا»، ورجّح الشيخ أن «الإدراك البيّن» يفيد اللقاء أو ما يغلب على الظن معه، وأن عبارة القابسي أدق من عبارة الحاكم. وذكر أن أبا عمرو الداني تبنّى قول القابسي مع قول الحاكم، وأن ابن رشيد رأى أن في قولهما إجمالًا يحتاج إلى بيان.
ثم وقف الشيخ عند مسألة دقيقة: ففي تعريف الحاكم للمسند وقع اضطراب بين النسخ، فرُوي: «يظهر سماعه منه بسنٍّ يحتمله»، ورُوي: «يظهر سماعه منه ليس يحتمله». فعلى الأولى يكون مذهب الحاكم كمذهب مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة، وعلى الثانية يكون السماع ظاهرًا مؤكدًا لا يحتمل غيره، فيخالف مذهبَ مسلم. فكلمة واحدة غيّرت المعنى بالكلية.
ورجّح ابن رشيد رواية «ليس يحتمله» بقرينة المطابقة في السياق، وبالمثال الذي ساقه الحاكم نفسه، إذ ساق إسنادًا إلى الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ، فخرج حتى كشف سِجْف حجرته فقال:
«يَا كَعْبُ، ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا» وَأَشَارَ إِلَيْهِ: أَيِ الشَّطْرَ، فقال كعب: نعم، فقضاه.
ثم بيّن الحاكم أن كل راوٍ في هذا الإسناد ظاهر السماع ممن فوقه ومعروف بالرواية عنه، حتى كعب بن مالك وصحبته لرسول الله ﷺ؛ فدلّ المثال على أنه يريد السماع الظاهر لا مجرد احتمال السن. كما نقل ابن رشيد حكاية ابن عبد البر أن جمهور أهل العلم لا اعتبار عندهم بالحروف والألفاظ، وإنما الاعتبار باللقاء والمجالسة والمشاهدة.
المحور الرابع: المعاصرة لا تكفي إذا استحال اللقاء
وضّح الشيخ أن مذهب مسلم ليس اكتفاءً بمجرد المعاصرة الزمنية، بل لا بد أن يكون اللقاء ممكنًا. فإذا قامت الدلالة على استحالة اللقاء حُكم بالانقطاع وإن ثبتت المعاصرة.
وضرب لذلك مثالًا: راوٍ وُلد في خراسان ولم يخرج منها إلا بعد العشرين من عمره، يروي عن عالم مصري لم يحج في السنوات العشر الأخيرة من حياته ومات وعمر الخراساني دون ذلك؛ فهذا منقطع بلا شك مع قيام المعاصرة، لأن اللقاء غير ممكن أصلًا.
المحور الخامس: النظر العقلي في قبول المعنعن ومراسيل الصحابة
انتقل الشيخ إلى ما ذكره ابن رشيد من جهة النظر، فبيّن أن الأصل كان يقتضي ألا يُقبل إلا ما صُرّح فيه بالسماع حديثًا حديثًا، حفاظًا على حديث رسول الله ﷺ، إلا أن علماء الحديث رأوا أن تتبّع اللفظ الصريح في الاتصال يعزّ وجوده ويشق جدًّا، وأن اللقاء إذا ثبت فالغالب معه السماع، وأن الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم استغنوا كثيرًا بلفظ «عن» عن «سمعت» و«حدثنا» اختصارًا، وأنه لا يضع «عن» في موضع الانقطاع مع ثبوت السماع منه في غير ذلك الحديث إلا مدلّس يوهم السماع لغرض كالفرار من النزول ونحوه.
وأجاب عن اعتراض: أن غير المدلس قد يقول «عن» في موضع الإرسال؛ فبيّن أن غير المدلس لا يفعله إلا حيث عُلم أنه لم يسمع، كقول التابعي: «عن رسول الله ﷺ»، فهذا معلوم أنه بلاغ لا يوهم سماعًا، ولا يتجرأ أحد أن يقول إن الحسن البصري سمع من رسول الله ﷺ إلا أن يكون كذابًا كأحمد بن عبد الله الجويباري.
ثم تناول مراسيل الصحابة رضي الله عنهم، الذين يجب تنزيههم عن قصد التدليس، كابن عباس الذي هو من أكثر الصحابة رواية مع أن ما صح سماعه من النبي ﷺ قليل جدًّا، وكالنعمان بن بشير وسهل بن سعد من صغار الصحابة. ومن وجوه ذلك اعتمادهم على عدالة جميع الصحابة، فالخوف من الإرسال مأمون، لأن الساقط صحابي ثقة. واستدل بما رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه بإسناده إلى حماد بن سلمة عن حميد الطويل أن أنسًا حدّثهم بحديث عن رسول الله ﷺ، فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ فغضب غضبًا شديدًا وقال:
«وَاللَّهِ مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَلَا يَتَّهِمُ بَعْضُنَا بَعْضًا».
النقاط الرئيسية
- مذهب الإمام مسلم: قبول معنعن الثقة غير المدلس متى ثبتت المعاصرة وأمكن اللقاء ولم تقم دلالة بيّنة على عدمه.
- استدل مسلم بالإجماع على قبول المعنعن، وبإلزام المخالف برد كل معنعن، وبقبول روايات الصحابة والتابعين بعضهم عن بعض.
- ذكر ابن رشيد أربعة مذاهب: مذهب المتشددين، ومذهب السمعاني في طول الصحبة، ومذهب ثبوت السماع ولو مرة، ومذهب مسلم في المعاصرة.
- الأقرب أن مسلمًا قصد بالرد القول المتشدد لا شيخه البخاري، تأدبًا مع مقام الأئمة.
- نقل الحاكم الإجماع على اتصال المعنعن فيه نظر، واختلاف نسخ كتابه بين «بسن يحتمله» و«ليس يحتمله» يغيّر مذهبه بالكلية، ورجّح ابن رشيد «ليس يحتمله».
- المعاصرة وحدها لا تكفي إذا استحال اللقاء، فيُحكم حينئذ بالانقطاع.
- مراسيل الصحابة مقبولة لعدالتهم جميعًا، كما يدل عليه قول أنس رضي الله عنه: «ولا يتهم بعضنا بعضًا».
الفوائد والعبر
- عظمة منهج المحدثين: فقد بلغوا الغاية في صيانة حديث رسول الله ﷺ، حتى دقّقوا في صيغ الأداء وشروط الاتصال.
- أهمية التحقيق والتثبت: فكلمة واحدة في مخطوطة قد تغيّر نسبة مذهب إلى إمام، فعلى طالب العلم الرجوع إلى الأصول المحققة قبل الجزم بالأقوال.
- الأدب مع العلماء: حمل كلام الأئمة على أحسن المحامل، وصيانة مقاماتهم عند حكاية الخلاف بينهم، كما في حمل رد مسلم على غير البخاري.
- الاعتدال في الشروط العلمية: فالتشدد المفرط الذي يرد عامة السنة مرفوض، والتساهل الذي يقبل ما استحال فيه اللقاء مرفوض، والحق في التوسط المبني على القرائن.
- الثقة بعدالة الصحابة: فهم نقلة الدين الأمناء الذين لم يتهم بعضهم بعضًا، والطعن فيهم طعن في الدين الذي نقلوه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات