شرح " مقدمة صحيح مسلم " ( 10 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,470 مشاهدة
405 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس العاشر من سلسلة شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع أبي داود بمدينة زفتى. يواصل الشيخ فيه الكلام على مسألة من أدق مسائل علوم الحديث وأخطرها أثرًا، وهي مسألة الاحتجاج بالحديث المُعَنْعَن. وقد اشتد فيها الخلاف بين الإمام مسلم وبين من يشترط ثبوت اللقاء والسماع بين الراوي وشيخه ولو مرة واحدة.

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم حرّر محل النزاع: فالخلاف يدور حول الراوي الثقة الذي عاصر شيخه، ولم يُوصَم بتدليس، ولم يقم دليل على سماعه منه ولا على عدمه. فالإمام مسلم يحمل روايته على السماع، أما المردود عليه فلا يقبلها حتى يثبت السماع ولو مرة. وقد أطال الشيخ في بيان الأمثلة التطبيقية التي ساقها الإمام مسلم ليُلزم مخالفه بلازم قوله.

ومن أهداف هذا الدرس:

  • فهم طريقة الإمام مسلم في الاستدلال والإلزام العلمي.
  • التعرّف على صور الإرسال الواقعة من الرواة الذين ثبت سماعهم من شيوخهم.
  • التدرّب على قراءة الأسانيد ومقارنة طرقها لاكتشاف الواسطة المحذوفة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تحرير محل النزاع في الحديث المعنعن ومَن المقصود بالرد

بيّن الشيخ أن جوهر الخلاف هو في الراوي المعاصر لشيخه الذي لم يُعلم سماعه منه ولا عدمه. فمسلم يقبل روايته بشرط المعاصرة وإمكان اللقاء مع السلامة من التدليس. أما مخالفه فيشترط ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة.

وقد شدّد الإمام مسلم العبارة على مخالفه، فتحيّر العلماء في تعيين المقصود بالرد: هل هو الإمام علي بن المديني، أم شيخه إمام الدنيا في عصره أبو عبد الله البخاري، أم بعض طلبة العلم في زمانه؟ وأوضح الشيخ أن ابن المديني والبخاري ممن نُسب إليهما هذا القول، فالرد يشملهما إما نصًّا وإما تضمّنًا. غير أن شدة عبارة مسلم مع تأدبه مع شيخه البخاري جعلت كثيرًا من أهل العلم يستبعدون أن يكون البخاري هو المقصود الأول بالرد.

المحور الثاني: دليل الإمام مسلم الأول وطريقة الإلزام

خلاصة حجة مسلم: إن كانت علة رد المعنعن هي احتمال الإرسال، فهذا الاحتمال قائم أيضًا في رواية من ثبت سماعه من شيخه. ومثّل لذلك بهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. فسماع هشام من أبيه ثابت يقينًا، وسماع عروة من خالته عائشة ثابت يقينًا، ومع ذلك يجوز أن يكون بينهما في بعض الأحاديث واسطة حُذفت.

فيلزم المخالف أحد أمرين: الأول أن يشترط التصريح بالسماع في كل حديث وفي كل طبقة من طبقات السند، وهذا لا يقول به أحد وفيه من المشقة ما فيه. والثاني أن يرجع إلى قول مسلم، فيقبل معنعن الثقة المعاصر غير المدلس. وأشار الشيخ إلى أن مخالفي مسلم يردّون بأن هذا الإلزام غير لازم، وسيأتي بسطه عند عرض كلام ابن رُشيد رحمه الله.

وقرّر الشيخ أن العلم يقوم على الأدلة الملموسة لا على العاطفة. فالإمام مسلم لا يُلقي الكلام على عواهنه ولا يكتفي بالخطابة، بل يدعم دعواه بالأمثلة الواقعية من روايات الثقات.

المحور الثالث: المثالان الأول والثاني من روايات آل الزبير

المثال الأول: روى أيوب السختياني وابن المبارك ووكيع وابن نمير وجماعة غيرهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت:

«كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحِلِّهِ وَلِحِرْمِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ»

ثم روى الحديثَ نفسه الليثُ بن سعد وداود العطار وحميد بن الأسود ووهيب بن خالد وأبو أسامة عن هشام قال: أخبرني عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة. فظهر أن هشامًا سمعه من أخيه عثمان، وأرسله مرة عن أبيه مع ثبوت سماعه الكثير منه.

المثال الثاني: روى هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت:

«كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ»

ورواه الإمام مالك عن الزهري عن عروة عن عَمْرة بنت عبد الرحمن عن عائشة. وعَمْرة هي الفقيهة المحدّثة، من سيّدات التابعيات مع حفصة بنت سيرين ومعاذة العدوية. فبان أن بين عروة وعائشة في هذه الرواية واسطة. ولا حرج أن يكون عروة سمعه من عمرة ثم سأل خالته عائشة فثبّتته فيه.

المحور الرابع: المثالان الثالث والرابع

المثال الثالث: روى الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها:

«أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ»

ورواه يحيى بن أبي كثير فقال: أخبرني أبو سلمة أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة أخبره أن عائشة أخبرته. فصار بين أبي سلمة وعائشة واسطتان مع التصريح بالإخبار في كل طبقة، رغم ثبوت سماع أبي سلمة من عائشة.

المثال الرابع: روى سفيان بن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنه:

«أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ»

ورواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن الحسين، وهو أبو جعفر الباقر والد جعفر الصادق، عن جابر. فظهرت الواسطة بين عمرو وجابر. واستطرد الشيخ في بيان أن لحم الخيل حلال لا شيء فيه، وإن لم يكن معتادًا في بلادنا.

المحور الخامس: نتيجة الأمثلة وخلاصة احتجاج مسلم

ختم الإمام مسلم الأمثلة بقوله: «وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده، وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم». ثم قرر أنه إذا كانت علة تضعيف المعنعن إمكان الإرسال، لزم المخالف بمقتضى قوله ترك الاحتجاج برواية من عُلم سماعه من شيخه إلا في الخبر الذي صرّح فيه بالسماع.

والسبب أن الأئمة الذين نقلوا الأخبار كانت لهم أحوال مختلفة. فتارةً يرسلون الحديث ولا يذكرون من سمعوه منه، وتارةً ينشطون فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوه، فيذكرون النزول إن نزلوا والعلوّ إن علوا. وبيّن الشيخ أنه يكتفي في هذا الموضع بردٍّ خفيف على كل جزئية، ثم يعرض كلام مسلم كاملًا، ويتبعه برد ابن رشيد رحمه الله كاملًا في موضعه.

النقاط الرئيسية

  • محل النزاع هو الراوي الثقة المعاصر لشيخه غير المدلس الذي لم يُعلم سماعه منه ولا عدمه. مسلم يحمل روايته على السماع، ومخالفه يشترط ثبوت اللقاء ولو مرة.
  • اختلف العلماء في المقصود برد الإمام مسلم: علي بن المديني، أم البخاري، أم بعض معاصريه.
  • حجة مسلم الأولى: احتمال الإرسال قائم حتى فيمن ثبت سماعه، فيلزم المخالف اشتراط التصريح بالسماع في كل حديث، وهو ما لا يقول به أحد.
  • ساق مسلم أمثلة لثقات أرسلوا مع ثبوت سماعهم: هشام عن أبيه بواسطة أخيه عثمان، وعروة عن عائشة بواسطة عمرة.
  • ومن الأمثلة أيضًا: أبو سلمة عن عائشة بواسطة عمر بن عبد العزيز وعروة، وعمرو بن دينار عن جابر بواسطة محمد بن علي الباقر.
  • من عادة الأئمة أنهم يرسلون تارة ويسندون تارة، بحسب نشاطهم وحال المجلس.
  • المخالفون يرون أن هذا الإلزام غير لازم، وسيأتي تفصيل ذلك في رد ابن رشيد رحمه الله.

الفوائد والعبر

  • العلم يُبنى على الدليل لا على العاطفة: فالإمام مسلم لم يكتفِ بالدعوى، بل أيّدها بأمثلة محسوسة من روايات الثقات. وهذا منهج ينبغي لطالب العلم أن يلتزمه في كل مسألة.
  • أهمية جمع طرق الحديث: لا تظهر الواسطة المحذوفة ولا تُعرف العلل إلا بجمع الطرق ومقارنتها، وهذا أصل في صنعة الحديث.
  • الأدب مع أهل العلم عند الخلاف: تأدُّب مسلم مع شيخه البخاري، وتورُّع العلماء في تعيين المقصود بالرد، درسٌ في حفظ مقام الأئمة ولو وقع الخلاف معهم.
  • التدرج في طلب العلم: اكتفى الشيخ بالرد الخفيف أولًا ثم وعد بالتفصيل لاحقًا، وهذا منهج نافع في تقريب المسائل الدقيقة.
  • معرفة تراجم الرواة تعين على الفهم: كمعرفة أن عائشة خالة عروة، وأن محمد بن علي هو أبو جعفر الباقر، وأن عمرة من فقيهات التابعيات. فذلك يكشف سبب تعدد طرق الرواية ويزيل الإشكال.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات