شرح"مقدمة صحيح مسلم"(3) فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثالث من شرح «مقدمة صحيح الإمام مسلم» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، وهو من الدروس القديمة التي ألقاها في مجمع أبي داود بمدينة زفتى. ويشرح الشيخ فيه الموضع الذي يذكر فيه الإمام مسلم رحمه الله الطبقة التي لا يشتغل بحديثها، وهم الرواة المتهمون بالكذب أو بوضع الحديث عند أهل الحديث كلهم أو عند أكثرهم، ومن غلب على حديثه المنكر أو الغلط.
ولهذا الدرس قيمة كبيرة لطالب علم الحديث، لأنه يبين منهج المحدثين في الحكم على الرواة. فهو يوضح كيف يُوازن بين الجرح والتعديل إذا اختلف فيهما العلماء، وكيف يُبحث في سبب التوثيق أو التكذيب قبل اعتماده. ويشرح كذلك معنى «المنكر» و«الغلط» عند المحدثين، ومراتب الرواة من حيث الضبط والخطأ.
وأهداف الدرس أن يعرف الطالب أحوال اتفاق العلماء على تهمة الراوي واختلافهم فيها، وأن يميز التكذيب المعتبر من التكذيب الصادر عن غضب أو اجتهاد خاطئ، وأن يعرف متى يُقبل تفرد الراوي ومتى يُرد، وأن يدرك عظمة حفظ أئمة الحديث ودقتهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الطبقة التي ترك الإمام مسلم حديثها
يشرح الشيخ قول الإمام مسلم: «فأما ما كان منها عن قومٍ هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم». فقد يتفق أهل الحديث على تهمة الراوي، وقد يتهمه أكثرهم ويخالفهم قليل. وفي الحالتين لم يُخرّج مسلم حديث هؤلاء في صحيحه.
ثم ذكر مسلم أمثلة منهم، وهم: عبد الله بن مسور أبو جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب الذي صُلب في الزندقة، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبو داود النخعي، «وأشباههم ممن اتُّهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار». ونبّه الشيخ إلى أن عمرو بن خالد الواسطي غير عمرو بن خالد الحراني، فالحراني ثقة من شيوخ البخاري، والواسطي كذاب.
وذكر الشيخ قصة غياث بن إبراهيم مع الخليفة المهدي. فقد دخل عليه وهو يلعب بالحمام، فأراد أن يتقرب إليه، فروى له حديث النبي ﷺ: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» وزاد فيه من عنده: «أَوْ جَنَاحٍ». فأمر له المهدي بشيء من المال، ثم قال له لما انصرف: «أشهد أن قفاك قفا كذاب». وأمر بذبح الحمام، وقال: أنا الذي حملته على ذلك. وعلّق الشيخ بأن التقرب إلى الحكام بتحريف الدين عادة قديمة ما زالت موجودة في زماننا.
المحور الثاني: إذا كان أكثر العلماء على التكذيب ووثّقه بعضهم
إذا كان أكثر المحدثين على تكذيب الراوي ووثّقه بعضهم، فلا بد من النظر في سبب هذا التوثيق. فكثيرًا ما يكون الموثِّق قد اغترّ بظاهر حال الراوي. ومثال ذلك أن بعض الرواة كانوا يتزيّنون أمام الإمام يحيى بن معين ويحدّثونه بأحسن أحاديثهم، فيغترّ بظاهرهم فيوثقهم.
ولذلك قال العلماء: إذا طعن الأئمة في راوٍ ووثّقه ابن معين وحده، فهذا يدل على أن الراوي كان يتزيّن له، ولا يُعدّ توثيقه هنا دليلًا على عدالة الراوي. فهذا الراوي تزيّن ليُمدح، فعامله الله بنقيض قصده وانكشف أمره.
وقد يكون سبب التوثيق أن الإمام أخذ عن الراوي في صغره ولم يختبر حاله. ومثال ذلك إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، فقد روى عنه الإمام الشافعي ووثّقه، وجمهور المحدثين على أنه متهم بالكذب، فلا ينفعه توثيق من وثّقه.
المحور الثالث: إذا كذّبه قلة من العلماء ووثّقه الأكثر
إذا كان الأكثر على تعديل الراوي وكذّبه قلة، فيُنظر في سبب التكذيب. فقد يكون عن اجتهاد أخطأ فيه صاحبه. ومثاله تكذيب هشام بن عروة لمحمد بن إسحاق، لأن ابن إسحاق روى عن فاطمة بنت المنذر زوجة هشام، فأنكر هشام ذلك وقال: كيف دخل على امرأتي؟ والجواب أنها كانت أكبر من هشام بنحو أربعة عشر عامًا، فيحتمل أنه سمع منها قبل زواجها، أو سمع منها في مجلس من وراء حجاب. وهذا لا يطعن في صدق ابن إسحاق وأمانته.
وقد يصدر التكذيب عن غضب، وهذا من طبيعة البشر. ومثاله قول الإمام مالك في محمد بن إسحاق: «دجال من الدجاجلة»، وقد قاله لما طعن ابن إسحاق في نسبه. وكان المجتمع قبليًّا يعظّم أمر النسب، فغضب مالك لذلك. ولذلك لا يُعتبر هذا التكذيب في الحكم على ابن إسحاق.
وقد تُستعمل كلمة «كذب» بمعنى «أخطأ» على عادة أهل الحجاز، كقولهم: «كذب أبو محمد». وقد تُقال في سياق الإنكار والغضب، كقول ابن عباس رضي الله عنهما لما بلغه أن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل: «كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ»، والقصة في صحيح البخاري. فهذا قيل غضبًا على قول منكر، ولا يراد به الطعن في الرواية.
المحور الرابع: من غلب على حديثه المنكر أو الغلط
ذكر مسلم أنه أمسك أيضًا عن حديث من غلب على حديثه المنكر أو الغلط. وبيّن الشيخ أن المنكر يكون بأحد أمرين. الأول أن يتفرد بالحديث راوٍ ضعيف لا يُحتمل تفرده. والثاني أن يخالف الراوي الضعيف الثقات، كأن يتفرد قرة بن خالد عن الزهري بما لا يرويه ثقات أصحاب الزهري، أو يخالفهم فيه. أما الغلط فهو أن يخطئ الراوي في الحديث فيرويه على غير وجهه.
والرواة يختلفون في احتمال التفرد. فبعض الأئمة يُقبل تفرده، كما في حديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، فقد تفرد به محمد بن إبراهيم التيمي ثم يحيى بن سعيد الأنصاري، وقُبل منهما. والإمام الزهري له نحو سبعين حديثًا تفرد بها، وقُبلت لسعة علمه وحفظه. وفي المقابل لا يُحتمل تفرد سماك بن حرب بمثل ذلك.
المحور الخامس: مراتب الرواة من حيث الخطأ وسعة حفظ الأئمة
أحال الشيخ إلى تقسيم الحافظ ابن رجب في «شرح علل الترمذي»، وقسّم الرواة فيه إلى أربع مراتب:
- ثقة ثبت تندر أخطاؤه وتقل.
- صدوق أمين كثرت أخطاؤه ولم تغلب على حديثه.
- من غلبت الأخطاء على حديثه، فيُترك.
- المتهم بالكذب.
وبيّن الشيخ أنه لا يوجد أحد لا يخطئ، فالعبرة بقلة الخطأ وكثرته. وضرب مثلًا بالإمام أبي بكر بن أبي داود السجستاني، وقد ذكر الخطيب البغدادي والذهبي في ترجمته أنه حدّث أهل أصبهان من حفظه بسبعة وثلاثين ألف حديث، فلم يؤخذ عليه إلا خطأ في خمسة أحاديث، ثم وُجدت ثلاثة منها كما حدّث بها. وهذا من أعجب ما يكون في الحفظ.
النقاط الرئيسية
- ترك الإمام مسلم حديث من اتهمه أهل الحديث كلهم أو أكثرهم بالكذب أو بوضع الحديث.
- إذا خالف الأقلُّ الأكثرَ في الحكم على راوٍ، فيُنظر في سبب المخالفة قبل الأخذ بها.
- قد يكون توثيق الراوي المتهم سببه الاغترار بظاهره، كمن يتزيّن أمام ابن معين، أو الأخذ عنه في الصغر.
- لا يُعتبر التكذيب إذا صدر عن اجتهاد خاطئ أو غضب أو منافرة، ومثاله كلام هشام بن عروة ومالك في ابن إسحاق.
- قد تأتي كلمة «كذب» في لغة أهل الحجاز بمعنى «أخطأ».
- المنكر هو تفرد من لا يُحتمل تفرده، أو مخالفة الراوي الضعيف للثقات. والغلط هو الخطأ في الرواية.
- الرواة مراتب في الضبط، ولا يسلم أحد من الخطأ، والعبرة بغلبة الخطأ وقلته.
الفوائد والعبر
- التثبت في نقل الأخبار، وعدم الاغترار بظاهر الناس، فالمظهر وحده لا يدل على الصدق.
- الإنصاف في الحكم على الأشخاص، بالنظر في دوافع الكلام وعدم الأخذ بكلام صدر عن غضب أو خصومة.
- الحذر من التقرب إلى ذوي السلطان بتحريف الدين، كما فعل غياث بن إبراهيم، فمن طلب المدح بالباطل عامله الله بنقيض قصده.
- الخطأ من طبيعة البشر، فينبغي التماس العذر لأهل العلم والصدق إذا أخطؤوا، مع بيان الخطأ.
- الاقتداء بأئمة الحديث في العناية بحفظ السنة، وتقدير جهودهم في الدفاع عن حديث النبي ﷺ.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات