شرح " مقدمة صحيح مسلم " ( 17 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

1,882 مشاهدة
135 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السابع عشر من سلسلة شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع أبي داود بمدينة زفتى. ويواصل فيه الشيخ عرض مناقشة الإمام ابن رُشَيد رحمه الله للإمام مسلم في مسألة الإسناد المعنعن. وهذه المسألة من أدق مسائل علوم الحديث، وهي شرط اللقاء والسماع بين الراوي وشيخه حتى يُحكم باتصال الحديث.

يتناول الدرس الأمثلة التي ذكرها الإمام مسلم في مقدمته على رواةٍ قال إنه لا يُعلم لهم سماع من شيوخهم. ومن أبرزها رواية قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود البدري، ورواية النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما. ويبيّن الشيخ بالأدلة أن السماع في هذين المثالين ثابت مصرَّح به في صحيح البخاري، وعند علي بن المديني، بل وفي صحيح مسلم نفسه.

أهداف التعلم: فهم منهج الإمام البخاري في الانتقاء وسعة إحاطته بالسنة، ومعرفة طريقة المحدثين في إثبات السماع، والتدرب على النقد العلمي المنصف الذي يجمع بين توقير الأئمة وبيان الصواب بالدليل.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: إعراض البخاري عن بعض الأحاديث عمدًا لأنها ليست على شرطه

بيّن الشيخ أن الإمام البخاري ترك بعض الروايات التي خرّجها مسلم أو احتج بها، ولم يكن ذلك جهلًا منه بها، وإنما تركها عمدًا لأنها ليست على شرطه. ومن أمثلة ذلك حديث عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري رضي الله عنه في النصيحة. وقد أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، وليس لتميم الداري في صحيح مسلم غيره، ولم يُخرج له البخاري إلا حديثًا معلقًا بصيغة التمريض كما ذكر المزي في التهذيب.

«الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».

ومن الأمثلة أيضًا حديث أبي رافع الصائغ عن أُبيّ بن كعب في الاعتكاف، وقد أخرجه أبو داود والنسائي ولم يخرجه البخاري:

«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً».

ومنها حديث أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرة عن أبي مسعود البدري، الذي أخرجه أصحاب السنن من طريق الأعمش عن عمارة بن عمير، دون ذكر السماع عند أحدٍ منهم:

«لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ».

المحور الثاني: استدراكات على القاضي عياض في «إكمال المعلم»

نقل الشيخ تنبيهات ابن رشيد على ما فات القاضي أبا الفضل عياضًا في كتابه «إكمال المعلم». فقد أغفل القاضي التنبيه على موضع حديث تميم الداري من صحيح مسلم. كما عزا حديثَي أبي رافع وأبي معمر إلى مصنف ابن أبي شيبة، مع أنهما في السنن عند أبي داود والنسائي والترمذي.

وشرح الشيخ معنى قولهم: «أبعد النُّجْعة»، أي ذهب إلى المصدر البعيد وترك القريب الأشهر. والنُّجعة في الأصل طلب الكلأ والمنفعة. وفي هذا درس منهجي لطالب الحديث في حسن العزو وتقديم المصادر الأصلية المشهورة.

المحور الثالث: سعة حفظ الإمام البخاري وإحاطته بالسنة

ذكر ابن رشيد أن الاحتمال الآخر، وهو أن البخاري لم يطّلع على هذه الأحاديث، احتمال بعيد جدًّا. فالبخاري إمام أهل الصنعة، ويَبعُد أن يفوته حديث من حديث النبي ﷺ، فضلًا عن مجموعة من الأحاديث.

واستدل على ذلك بما رواه الخليلي في «الإرشاد» بإسناده عن محمد بن حمدويه قال: سمعت البخاري يقول: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح». وفي الإسناد عبد الله بن عدي صاحب «الكامل».

والنتيجة أن البخاري إن ترك روايةً فقد تركها عمدًا لعلّةٍ عنده، فلا يُلزَم بما لم يلتزمه. وإن أخرج روايةً فيها سماع لم يُعلم لغيره فقد اطّلع على ما لم يطّلع عليه غيره، وهو أعلم وأجلّ في هذا الباب.

المحور الرابع: إثبات سماع قيس بن أبي حازم من أبي مسعود البدري

أنكر الإمام مسلم في مقدمته أن يكون لقيس بن أبي حازم سماع من أبي مسعود. وبيّن الشيخ أن البخاري صرّح بسماعه منه في موضعين من صحيحه:

الموضع الأول: في باب تخفيف الإمام في القيام، من طريق أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: «أخبرني أبو مسعود» أن رجلًا قال:

«وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا».

الموضع الثاني: في باب صلاة الكسوف، من طريق شهاب بن عباد، عن إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس قال: «سمعت أبا مسعود» يقول: قال النبي ﷺ:

«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ».

وأضاف الشيخ نصّ الإمام علي بن المديني، شيخ البخاري، في كتاب «التاريخ والعلل». فقد عدّ فيه من سمع منهم قيس بن أبي حازم من الصحابة، وهم:

  • الخلفاء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
  • من العشرة: سعد بن أبي وقاص، والزبير، وطلحة، وسعيد بن زيد.
  • آخرون: جرير بن عبد الله البجلي، وأبو مسعود البدري، وخبّاب بن الأرت، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم.

فسماع قيس من أبي مسعود مشهور عند أئمة الصنعة، والقول بنفيه وهمٌ من الإمام مسلم رحمه الله، إما لعدم اطّلاعه عليه أو لنسيانه.

المحور الخامس: سماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد ثابت في صحيح مسلم نفسه

هذا المثال أشدّ إشكالًا من سابقه، لأن الإمام مسلمًا روى في صحيحه أحاديث صرّح فيها النعمان بن أبي عياش الزُّرَقي بالسماع من أبي سعيد الخدري. فأثبت في آخر كتابه ما نفاه في مقدمته، وكان شاهدًا على نفسه. وعلّق الشيخ على ذلك بقول ابن رشيد إن هذا الوهم كالعَوذة لكماله، وأن كفى المرءَ نُبلًا أن تُعدّ معايبه. وهذه المواضع ثلاثة:

الموضع الأول: في صفة الجنة، من طريق إسحاق بن راهويه، عن المغيرة بن سلمة المخزومي، عن وهيب، عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد مرفوعًا:

«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا».

قال أبو حازم: فحدّثت به النعمان بن أبي عياش، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال:

«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا».

وأخرجه البخاري كذلك. وشرح الشيخ معنى «المُضمَّر»: هو الفرس الذي تُعدّ للسباق بتقليل علفها حتى تخفّ وتقوى على الجري.

الموضع الثاني: في الباب نفسه، من طريق قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم، عن سهل مرفوعًا:

«إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرْفَةَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ».

فقال النعمان: «سمعت أبا سعيد الخدري» يقول:

«كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَارِبَ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ أَوِ الْغَرْبِيِّ».

وأخرجه البخاري بلفظ: «أشهد لسمعت أبا سعيد الخدري».

الموضع الثالث: في المناقب، حديث الحوض:

«أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ...».

وفيه قول النعمان: «وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه: إِنَّهُمْ مِنِّي». وأخرجه البخاري في كتاب الفتن، في باب قول الله تعالى:

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]

كما أخرجه في باب الحوض.

النقاط الرئيسية

  • ترك البخاري لبعض الأحاديث كان عمدًا لأنها ليست على شرطه، فلا يُلزَم بما لم يلتزمه.
  • من الأمثلة على ذلك حديث تميم الداري في النصيحة، وحديث أُبيّ في الاعتكاف، وحديث أبي مسعود في إقامة الصلب.
  • استبعاد خفاء هذه الأحاديث على البخاري لسعة حفظه وإحاطته بالسنة.
  • ثبوت سماع قيس بن أبي حازم من أبي مسعود البدري في موضعين من صحيح البخاري، وبنصّ علي بن المديني.
  • ثبوت سماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد الخدري في ثلاثة مواضع من صحيح مسلم نفسه، ووافقه البخاري في تخريجها.
  • التنبيه على أوهام في العزو وقعت للقاضي عياض في «إكمال المعلم»، وبيان معنى «أبعد النُّجعة».
  • الإمام الكبير قد يهم أو ينسى، ووهمه لا يُنقص من قدره، بل هو دليل على بشريته وكماله النسبي.

الفوائد والعبر

  • الإنصاف مع الأئمة: يُبيَّن الصواب بالدليل مع حفظ مكانة العلماء وتوقيرهم، فلا نغلو فيهم ولا نجفوهم.
  • التثبت قبل النفي: عدم العلم بالشيء ليس علمًا بعدمه، فعلى طالب العلم أن يستقرئ المصادر قبل أن ينفي سماعًا أو لقاءً.
  • حسن العزو: يُقدَّم في التخريج العزو إلى المصادر الأصلية المشهورة كالسنن، ولا يُبعَد النُّجعة.
  • تعظيم صحيح البخاري: ينبغي إدراك دقة شرط البخاري وعمق انتقائه، وأن تركه للرواية قد يكون حكمًا نقديًّا منه.
  • الكمال لله وحده: ينبغي التواضع في طلب العلم، فإن كان مثل الإمام مسلم قد يهم، فغيره أولى بالمراجعة والتصحيح.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات