شرح " مقدمة صحيح مسلم " (7) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,910 مشاهدة
268 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السابع من شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري، ويستأنف فيه الشرح بعد انقطاع شهر رمضان. يتناول الدرس باب الكشف عن معايب رواة الحديث، ويبيّن أن الكلام في الرواة الضعفاء وأهل البدع من النصيحة في الدين، وليس من الغيبة المحرمة.

يمرّ الشيخ في هذا الدرس على آثار السلف في التحذير من القُصّاص ومن المبتدعة، كقول إبراهيم النخعي وأبي عبد الرحمن السلمي. ويقف طويلًا عند حال جابر بن يزيد الجعفي واعتقاده بالرجعة. ويتخلل ذلك فوائد من الصناعة الحديثية في تمييز الرواة المهملين، مثل حماد بن زيد وحماد بن سلمة، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة.

ويهدف الدرس إلى أن يتعلم الطالب منهج أهل السنة في نقد الرجال مع التحري والورع، وأن يفرّق بين العالم الراسخ والواعظ القاصّ. كما يؤكد أهمية علم أصول الفقه ومصطلح الحديث لمن يتصدّر للفتوى والتعليم، ويعرض نماذج من عزة أهل العلم وكرامتهم في عصور السلف.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: خطبة الحاجة والتحذير من المحدثات

افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، وفيها الأمر بتقوى الله والقول السديد، والتحذير من البدع والمحدثات. وهذا الافتتاح يناسب موضوع الدرس، فالباب كله في بيان حال المبتدعة والتحذير منهم.

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [النساء: 1].

وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ۝ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

وقال ﷺ: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: الكشف عن معايب الرواة من النصيحة لا من الغيبة

شرح الشيخ أثر إبراهيم بن يزيد النخعي: «إياكم والمغيرة بن سعيد وأبا عبد الرحيم فإنهما كذّابان». وبيّن أن المغيرة بن سعيد كوفي كذاب دجال. أما أبو عبد الرحيم فقيل هو شقيق الضبي، وقيل سلمة بن عبد الرحمن النخعي، وكلاهما ضعيف.

وقرر أن التحذير من أهل الشر والفساد والابتداع والضلال من النصيحة في الدين، خلافًا لمن لم يفقه هذا من أهل العصر. واشترط في ذلك التحري والتقوى والورع، ونقل قول الإمام الذهبي إنه لا يتكلم في الرجال إلا كامل المعرفة تام الورع. والمقصود النصح للأمة، لا التشهير ولا التجريح.

وأكّد أنه لا تجوز مجاملة المبتدع ولا التلبيس عليه، ولا المحاباة في دين الله. وبيّن أن هيبة أهل العلم كانت قائمة يوم كانوا يُظهرون إنكارهم على المبتدعة، وأن ضعف هذا الإنكار أضعف شأنهم.

المحور الثالث: التحذير من القُصّاص والفرق بين العالم والواعظ

شرح الشيخ أثر أبي عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب، إذ كان يقول للغلمان الذين يأتونه: «لا تجالسوا القُصّاص غير أبي الأحوص، وإياكم وشقيقًا». وبيّن أن القُصّاص أصحاب حكايات يخلطون الغث بالسمين، والحق بالباطل، والجهل بشيء من العلم، فيلتبس الأمر على السامع. لذلك كان النهي عن مجالستهم درءًا للمفسدة.

ونبّه إلى أن شقيقًا هذا هو شقيق الضبي الكوفي القاصّ، وهو ضعيف وكان يرى رأي الخوارج. وليس هو أبا وائل شقيق بن سلمة، التابعي المخضرم الثقة، أحد كبار تلاميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وضرب مثلًا معاصرًا بمن يُفتي في جماعات القصص والوعظ دون أن يعرف حقيقة دعوتهم.

وشدّد على وجوب التفريق بين العالم والواعظ القاصّ. فمن تصدّر للفتوى وهو لم يدرس أصول الفقه لا يعرف كيف يستنبط من الكتاب والسنة، ولا كيف يرجّح بين أقوال العلماء. ومن لم يدرس علم المصطلح لا يحق له الخوض في التصحيح والتضعيف، وإلا كان ممن تشيّخ قبل أن يتتلمذ.

المحور الرابع: فوائد من الصناعة الحديثية

عرّف الشيخ بأبي كامل الجحدري فضيل بن حسين، شيخ مسلم. وفرّق بينه وبين أبي كامل مظفر بن مدرك، أحد مشايخ الإمام أحمد. وبيّن أن قول مسلم: «حماد وهو ابن زيد» من الصناعة الحديثية، لأن شيخه أهمل اسم حماد، فأوضحه مسلم دون أن ينسب الزيادة إلى شيخه.

وذكر قواعد في تمييز المهمل. فحماد إذا روى عنه الكبار فهو غالبًا ابن سلمة، وإذا روى عنه الصغار فهو ابن زيد. والغالب في صحيح مسلم، بحسب ما قرره الشيخ، أن حمادًا إذا كان بينه وبين مسلم راوٍ واحد فهو ابن زيد، وإذا كان بينهما راويان فهو ابن سلمة. وكذلك سفيان: إن روى عنه كبار شيوخ البخاري كأبي نعيم الفضل بن دكين وأبي عاصم النبيل فهو الثوري، وإن روى عنه صغارهم كعلي بن المديني والحميدي فهو ابن عيينة.

ونبّه إلى أن سفيان بن عيينة قد يأتي في صحيح مسلم ثالثًا في الإسناد لنزول مسلم عن البخاري، فلا يُشترط أن يأتي ثانيًا. وبيّن الفرق بين «حدثنا» وهي للجمع، و«حدثني» وهي للتحديث الخاص بالواحد. واستنبط من ذلك أن العبرة ليست بكثرة الحضور، فقد ينتفع الناس بتلميذ واحد أكثر من انتفاعهم بشيخه. وأشار كذلك إلى عدول مسلم عن تسمية «الحجاج بن يوسف» إلى «الحجاج بن الشاعر» تمييزًا عن الحجاج الثقفي الظالم، وفي ذلك أن الظالم لا يذكره التاريخ إلا بشر.

المحور الخامس: حال جابر بن يزيد الجعفي ونماذج من عزة أهل العلم

نقل الإمام مسلم عن جرير بن عبد الحميد أنه لقي جابرًا الجعفي فلم يكتب عنه، لأنه كان يؤمن بالرجعة. ومعنى الرجعة عندهم زعمهم أن عليًّا رضي الله عنه في السحاب وأنه سيرجع إلى الدنيا. وبيّن الشيخ الفرق بين التشيع عند المتقدمين، وهو تقديم علي رضي الله عنه، وبين الرفض الذي يتضمن بغض الشيخين أو تكفيرهما. وحذّر من غلاة الرافضة المعاصرين الطاعنين في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

وذكر قول مسعر بن كدام: «حدثنا جابر بن يزيد قبل أن يُحدث ما أحدث»، وقول سفيان بن عيينة إن الناس كانوا يحملون عنه قبل أن يُظهر ما أظهر، فلما أظهر الإيمان بالرجعة اتهمه الناس وتركوه. ونقل عنه ادعاءه أن عنده سبعين ألف حديث، وفي رواية خمسين ألفًا، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، وفي ذلك من المبالغة والكذب ما فيه.

وأورد قصة قبيصة بن عقبة مع ابن ملك الجبل دُلَف بن أبي دلف. جاء ابن الملك ليسمع منه فلم يخرج إليه، فلما خرج كان في إزاره كِسَر من الخبز، فقال: «من رضي من الدنيا بهذا فما يصنع بابن ملك الجبل؟». واستدل بها على عزة أهل العلم وزهدهم يوم كانت للسنة دولة. كما ذكر قاعدة نقلها ابن حجر عن الإمام أحمد: أن الراوي الضعيف من قِبَل حفظه، غير المتهم بالكذب، يُقبل منه ما حضره أو سمعه بنفسه من القصص، كرواية الجراح بن مليح عن جابر.

النقاط الرئيسية

  • الكشف عن معايب الرواة والتحذير من المبتدعة من النصيحة في الدين، وليس من الغيبة، بشرط التحري والورع وإرادة النصح.
  • لا يتكلم في الرجال إلا كامل المعرفة تام الورع، كما قرر الإمام الذهبي رحمه الله.
  • نهى السلف عن مجالسة القُصّاص لأنهم يخلطون الحق بالباطل، ويجب التفريق بين العالم والواعظ.
  • دراسة أصول الفقه ومصطلح الحديث شرط لمن يتصدر للفتوى والتصحيح والتضعيف.
  • قواعد تمييز المهمل في الأسانيد، كحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، من دقائق الصناعة الحديثية.
  • تُرك حديث جابر الجعفي لما أظهر بدعته في الإيمان بالرجعة، مع ما عُرف عنه من المبالغة والكذب.
  • العلم مفرّق في الأمة ولا يحيط به واحد، وقد خفي على عمر رضي الله عنه حكم الاستئذان ثلاثًا، ونسي مسألة التيمم مع عمار رضي الله عنه.

الفوائد والعبر

  • على طالب العلم أن يتلقى دينه من العلماء الراسخين، لا من أصحاب الحكايات والمواعظ المجردة.
  • ينبغي التثبت ومعرفة حقيقة الجماعات والدعوات قبل الحكم عليها أو تزكيتها.
  • الانتفاع بشيء من كلام المخالف لا يسوّغ مخالفة المنهج، والحق أحق أن يُتّبع.
  • التواضع في طلب العلم واجب، فإذا وقع الخطأ والنسيان من كبار الصحابة فنحن به أولى، وعلى الطالب أن يتتلمذ قبل أن يتصدر.
  • عزة طالب العلم في زهده واستغنائه عن الناس وإخلاصه لله، فمن رضي من الدنيا باليسير لم يذلّ لأحد. ومن أراد ألا يُذكر بشر فلا يظلم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات