شرح " مقدمة صحيح مسلم " (6) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس السادس من سلسلة شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع أبي داود بمدينة زفتى. ومقدمة صحيح مسلم من أنفس ما كُتب في تأصيل علم الرواية، فقد بيّن فيها الإمام مسلم منهج أهل الحديث في قبول الأخبار وردّها، والكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا، وأن ذلك من صميم النصيحة لدين الله تعالى.
يتناول الشيخ في هذا الدرس جملة من الآثار التي ساقها الإمام مسلم عن أئمة السلف، مثل عبد الله بن المبارك وسفيان الثوري وشعبة ومالك وابن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن عون، وكلها تدور حول الاحتياط في الرواية، وترك حديث المتهمين والضعفاء، والتفريق بين صلاح الرجل في دينه وضبطه في الحديث.
ومن أهداف هذا الدرس: معرفة معنى الانقطاع في الإسناد وأثره في الحكم على الحديث، وفهم ضوابط التبديع عند أهل السنة بعيدًا عن الإفراط والتفريط، والتمييز بين النصيحة والفضيحة في الكلام على الرجال، والتحذير من القول على الله بغير علم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: فقه ابن المبارك في نقد الأسانيد المنقطعة
ساق الإمام مسلم قصة أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني حين سأل عبد الله بن المبارك عن الحديث المروي: «إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لِأَبَوَيْكَ مَعَ صَلَاتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ». فسأله ابن المبارك عمّن رواه، فلما ذكر له شهاب بن خراش قال: ثقة، ولما ذكر الحجاج بن دينار قال: ثقة، فلما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن المبارك: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَفَاوِزَ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلَافٌ».
وبيّن الشيخ أن «المفاوز» جمع مفازة وهي الصحراء الواسعة، والمراد أن بين الحجاج والنبي صلى الله عليه وسلم انقطاعًا طويلًا في السند، فالحديث ضعيف معضل، وثقة الرواة المذكورين لا تكفي مع وجود السقط.
ومن دقيق فقه ابن المبارك أنه لم يقتصر على تضعيف الحديث، بل أرشد إلى البديل الصحيح المتفق عليه، وهو الصدقة عن الوالدين؛ إذ لا خلاف في وصول ثوابها إلى الميت، فجمع بين النقد العلمي والتوجيه العملي.
المحور الثاني: ضوابط التبديع بين الإفراط والتفريط
نقل الإمام مسلم عن ابن المبارك أنه قال على رؤوس الناس: «دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَّلَفَ». وأوضح الشيخ أن ابن المبارك ذكر سببًا بيّنًا ظاهرًا للترك، لا مجرد قيل وقال، فالحكم على الناس يكون بالبيّنة لا بالتهم الجوفاء.
ونبّه الشيخ إلى أن مجرد مجالسة المبتدع لا يجعل الرجل مبتدعًا ما لم يعتقد عقيدته أو ينتسب إليه أو يثنِ على بدعته، وهذا ما لم يقل به أحد من أهل العلم. واستشهد بأن في رجال الصحيحين من رُمي ببدعة كقتادة بن دعامة السدوسي الذي اتُّهم بالقدر، وبالإمام ابن أبي ذئب الذي كان القدرية يحتمون به، فقال الإمام الذهبي إنه كان حقه أن يكفهرّ في وجوههم، ومع ذلك لم يبدّعه أئمة الإسلام.
وفي المقابل حذّر الشيخ من الطرف الآخر الذي يريد محو كلمة «بدعة» من قاموس المسلمين، فمن دعا إلى التقريب بين أهل السنة والرافضة مع علمه بعقائدهم، أو سبّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو كذّب الأحاديث الصحيحة بالهوى، فلا شك في أنه مبتدع، ولا يجوز الثناء عليه. واستشهد بقول أبي إسماعيل الأنصاري الهروي: «عُرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن دينك، ولكن يقال: اسكت عن مخالفك»، فأبى السكوت، وقال: إذا كنت لا تستطيع أن تجهر بالحق فلا تحارب من يجهر به.
المحور الثالث: خطورة القول على الله بغير علم
روى مسلم عن أبي عقيل صاحب بُهَيَّة أنه كان جالسًا عند القاسم بن عبيد الله، فقال له يحيى بن سعيد: «إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ، عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ»؛ لأنه ابن إمامَي هدى: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فقال القاسم: «أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ آخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ».
وبيّن الشيخ أن هذا من منهج السلف التربوي، فعدم الجواب أهون من الجواب بغير علم أو الأخذ عن المتهمين والكذابين. وأزال إشكال كون القاسم ابن أبي بكر وابن عمر معًا، بأنه من نسل عبد الله بن عمر من جهة أحد الوالدين، ومن نسل أبي بكر من جهة الوالد الآخر، فلا تعارض بين الروايات.
ومن الفوائد الحديثية التي نبّه عليها الشيخ أن أبا عقيل يحيى بن المتوكل ضعيف من قِبل حفظه لا من قِبل اتهامه بالكذب، والراوي الضعيف في حفظه إذا حكى قصة شهدها وحضرها فإنها تُحمل على الصحة، لأن ضعفه ليس من جهة صدقه.
المحور الرابع: الجرح والتعديل نصيحة لا فضيحة
نقل مسلم عن يحيى بن سعيد القطان أنه سأل سفيان الثوري وشعبة ومالكًا وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتًا في الحديث فيُسأل عنه، فقالوا: «أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ». وكذلك قول عبد الله بن عون في شهر بن حوشب: «إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ»، أي طعنوا فيه، مأخوذ من النيزك وهو الرمح الصغير، وقول شعبة: «وَقَدْ لَقِيتُ شَهْرًا فَلَمْ أَعْتَدَّ بِهِ».
وأوضح الشيخ أن الكلام في الرواة من النصيحة في الدين وليس من التشهير، والفرق كبير بين النصيحة والفضيحة؛ فالنصيحة تكون عند السؤال أو الحاجة، وبسبب ظاهر كالبدعة أو الكذب أو سبّ الصحابة، مع السعي إلى تنقية كتب الرجل من البدع أو نصحه إن كان حيًّا ليرجع عنها، لا أن يُبدَّع الرجل دون اطلاع على كتبه أو سماع منه.
ومن لطائف الإمام مسلم أنه روى عن شيخه «حجاج بن الشاعر» فسمّاه بلقب أبيه بدل «حجاج بن يوسف»، تجنبًا لاسم الحجاج بن يوسف الثقفي الذي اشتهر بالظلم، وهذا من شؤم الظلم. ونقل الشيخ عن ابن الأثير في مقدمة «الكامل» أن ذكر الظلمة في كتب التاريخ يجعل غيرهم يعلم أنهم سيُذكرون بظلمهم ويُذمّون ولا يُترحَّم عليهم، فيكون ذلك رادعًا عن الظلم. وذكر أيضًا ترجمة هاشم بن القاسم أبي النضر شيخ الإمام أحمد، الملقب بـ«قيصر» لجرأته على الحق.
المحور الخامس: التفريق بين صلاح الرجل وضبطه في الرواية
روى مسلم أن ابن المبارك قال لسفيان الثوري: إن عبّاد بن كثير من تعرف حاله، وإذا حدّث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى. قال ابن المبارك: «فَكُنْتُ إِذَا كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ ذُكِرَ فِيهِ عَبَّادٌ أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ، وَأَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ».
وبيّن الشيخ أن عبّاد بن كثير كان رجلًا زاهدًا عابدًا لكن الحديث ليس من صنعته، فيجب التفريق بين العالِم والخطيب والعابد، وبين عالم الحديث وعالم الفقه، فلكل فنّ أهله.
ونبّه الشيخ إلى أن هذا الأثر لا يصح الاستدلال به على «منهج الموازنات» الذي يوجب ذكر الحسنات مع كل تحذير، فابن المبارك إنما حكى واقعًا في رجل صالح في دينه، ولم يجعل ذلك قاعدة لازمة في كل جرح، وإن كان من الإنصاف أن يُذكر لمن له قدم صدق في الإسلام فضله مع التحذير من خطئه.
النقاط الرئيسية
- ثقة رواة الإسناد لا تكفي لصحة الحديث مع وجود الانقطاع، وحديث الصلاة والصوم عن الوالدين معضل ضعيف، أما الصدقة عنهما فلا خلاف فيها.
- ترك أئمة السلف حديث من كان يسبّ السلف، وكانوا يذكرون سبب الجرح بيّنًا ظاهرًا.
- مجرد مجالسة المبتدع لا تجعل الرجل مبتدعًا ما لم يعتقد بدعته أو ينتسب إليه أو يثنِ عليها.
- أهل السنة وسط بين من يبدّع الخلق بلا بيّنة، ومن يريد إلغاء الحكم بالبدعة على من يستحقها.
- القول على الله بغير علم والأخذ عن غير الثقات أقبح من السكوت عن الجواب.
- الجرح والتعديل نصيحة في الدين، والفرق واضح بين النصيحة والفضيحة.
- صلاح الرجل وزهده لا يلزم منه ضبطه في الحديث، فيُثنى على دينه ويُحذَّر من روايته.
الفوائد والعبر
- التثبت قبل العمل بأي حديث أو نشره، والسؤال عن إسناده وصحته، مع البحث عن البديل الصحيح كما فعل ابن المبارك في إرشاده إلى الصدقة.
- الإنصاف في الحكم على الناس، فلا يُبدَّع أحد إلا ببيّنة واضحة وسبب ظاهر، بعيدًا عن التهم والظنون.
- الشجاعة في قول «لا أدري» وعدم التكلف في الفتوى، فذلك من تعظيم الله ومن عقل عنه.
- الحرص على نصح المخطئ وتصحيح كتبه بدل التشهير به، والجهر بالحق مع الحكمة، وعدم محاربة من يصدع به.
- أخذ العلم من أهله المتخصصين فيه، والتفريق بين الواعظ الصالح والعالم المحقق في الحديث والفقه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات