شرح " مقدمة صحيح مسلم " ( 16 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,668 مشاهدة
407 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السادس عشر من دروس شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع أبو داود بمدينة زفتى. ويتناول الدرس الدليل الرابع من الأدلة التي احتج بها الإمام مسلم لمذهبه في قبول الحديث المعنعن، وهو الاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، دون اشتراط ثبوت اللقاء أو السماع ولو مرة واحدة. كما يعرض الدرس ردود الحافظ ابن رشيد السبتي رحمه الله على هذا الدليل.

ومسألة اتصال الإسناد من أدق مسائل علوم الحديث وأعظمها أثرًا، فعليها يتوقف الحكم بصحة الحديث أو ضعفه. وقد خالف الإمام مسلم فيها إمامين كبيرين، هما علي بن المديني وشيخه الإمام البخاري رحمهم الله جميعًا، ولذلك كان فهم أدلة الفريقين ومناقشتها بإنصاف من مهمات طالب الحديث.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف الطالب حقيقة الدليل الرابع ووجه الاعتراض عليه، وأن يتعلم منهج العلماء في نقد الاستدلال، وأن يستوعب أن القواعد العلمية لا تُبنى على أمثلة جزئية. ويتضمن أيضًا توجيهات تربوية في أدب الرد على العلماء والتثبت في طلب العلم. وقد افتُتح الدرس بخطبة الحاجة، ومنها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الدليل الرابع للإمام مسلم وصلته بما قبله

بدأ الشيخ بمراجعة الدليل الثالث، وفيه مثّل الإمام مسلم بروايات من أحاديث الصحابة، منها رواية عبد الله بن يزيد الأنصاري عن حذيفة وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنهما. وبيّن الشيخ أن ابن رشيد سكت عن الاعتراض على المثال الأول، أما الحافظ ابن رجب والعلامة عبد الرحمن المعلمي رحمهما الله فقد ناقشا الإمام مسلمًا فيه. فقد نظر المعلمي في طريقة رواية مسلم لهذا الحديث، فوجده قد أخرجه في المتابعات لا في الأصول، والحديث صحيح عن حذيفة من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة وغيره. وأما رواية عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود فقد أخرجها الإمام البخاري مصرَّحًا فيها بالسماع، فلا حجة لمسلم في هذه الأمثلة.

ثم انتقل إلى الدليل الرابع، وهو عند ابن رشيد تتميم للدليل الثاني كما كان الثالث تتميمًا له، والفرق أن الثالث تمثيل بالصحابة والرابع تمثيل بالتابعين، فالأدلة الثلاثة في الحقيقة جزء من الدليل الثاني. وذكّر الشيخ بالدليلين الأولين: فالأول دعوى الإجماع على قبول الإسناد المعنعن من المعاصر، وأن من زاد شرط اللقاء ولو مرة فقد خالف الإجماع. والثاني إلزام المخالف بأنه إذا اشترط السماع لزمه رد كل حديث لم يُعلم فيه السماع.

وخلاصة الدليل الرابع أن مسلمًا ادعى الإجماع على قبول أحاديث التابعين الثقات السالمين من وصمة التدليس عن الصحابة الذين ثبتت معاصرتهم لهم، وإن لم يُعلم لقاء ولا سماع. ومثّل لذلك بأبي عثمان النهدي عبد الرحمن بن مُلّ، وأبي رافع الصائغ، وهما مخضرمان أدركا الجاهلية وصحبا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر أن رواياتهم عن بعض الصحابة لم يُحفظ فيها سماع. ثم اشتد في الإنكار على من قال بخلاف قوله.

المحور الثاني: هل كان الإمام مسلم يقصد ابن المديني والبخاري؟

نقل الشيخ قول ابن رشيد: لعل الإمام مسلمًا لم يعلم أن هذا قول ابن المديني والبخاري، وكأنه إنما تكلم مع بعض أقرانه أو من دونهم ممن قال بهذا المذهب، ولو علمه لكف من غرب حدته وخفض لهما الجناح. وعلّق الشيخ بأن هذا الاحتمال مستبعد، لكن على طالب العلم أن يعتذر عن الكبار ويحسن الظن بهم، فإذا أخطأ الكبار فأخطاؤهم على قدر منازلهم.

وذكر أن بعض المعاصرين ممن ينتحل الحديث ادعى أن مسلمًا قصد ابن المديني والبخاري، فلما تبنى هذا الرأي صار يرد على من خالفه ردًا شديدًا. وبيّن أن ما كان في الإمام مسلم من حدة في هذه المسألة لا يصح أن يكون قدوة لطالب العلم في الرد على المخالف.

المحور الثالث: الأجوبة الثلاثة عن الدليل الرابع

الجواب الأول: الإجماع منتقض من جهتين. الجهة الأولى ثبوت الخلاف، فمن كبار الأئمة من يشترط السماع في الجملة ولا يكتفي بالمعاصرة. والجهة الثانية أن الراوي السالم من التدليس إذا روى عمن عاصره ولم يسمع منه سُمّيت روايته مرسلة، ولم تُسمَّ متصلة. ولذلك يفرّق الأئمة بين الرؤية والرواية، فيقولون: رأى فلانًا وروى عن فلان، كما في ترجمة خالد الحذاء مع أنس بن مالك رضي الله عنه. ويكثر الحافظ المزي في تهذيب الكمال، ومن بعده الحافظ ابن حجر، من قولهم: روى عن فلان ولم يسمع منه، مع أن المعاصرة ثابتة.

الجواب الثاني: ثبوت السماع في بعض ما نفاه مسلم. فقد قال علي بن المديني رحمه الله (ت 234هـ) في كتاب التاريخ عن أبي عثمان النهدي إنه كان جاهليًا ثقة، أي مخضرمًا أدرك الجاهلية والإسلام، وإنه لقي عمر وابن مسعود وأبا بكرة وسعدًا وأسامة، وروى عن علي وأبي موسى الأشعري وأبي بن كعب. ونص على أنه قال في بعض حديثه: «حدثني أبي بن كعب». وتعجّب الحافظ ابن حجر في «النكت» من كلام الإمام مسلم في هذا. وقرر الشيخ أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، فقد سبق مسلمًا شيخُه وشيخُ شيخه إلى إثبات ما لم يطّلع عليه هو.

واستشهد الشيخ هنا بقول الإمام الشافعي رحمه الله في «الرسالة»: «وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم». فلو قلّد إنسان الإمام مسلمًا في هذه المسألة لربما ضعّف حديثًا في إسناده أبو عثمان النهدي عن أبي بن كعب، مع أن ابن المديني قد أثبت فيه السماع.

الجواب الثالث: الأمثلة خاصة جزئية لا عامة كلية. ويمكن أن تحتف بها قرائن تُفهم منها اللقاء أو السماع. فأبو عثمان النهدي أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولقي عمر وابن مسعود وكبار الصحابة، وهو رجل لا يُعرف بالتدليس، فلا يبعد أن يكون سمع من أبي بن كعب رضي الله عنه. ثم إنه لو قُدّر أنه لم يسمع، فغاية الأمر أن روايته مرسلة عن صحابي، والصحابة كلهم عدول، فلا يضر هذا الإرسال. وعلى هذا قُبلت مراسيل صغار الصحابة كابن عباس رضي الله عنهما، فما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة قليل جدًا، والباقي أخذه عن الصحابة.

المحور الرابع: القرائن وخطر التقعيد بالأمثلة الجزئية

نبّه الشيخ على أن القواعد لا تقوم على أمثلة جزئية، ومن أراد أن يثبت قاعدة كلية فعليه بالاستقراء التام. وما خرج عنها بعد ذلك فإما أن يكون مستثنى منها، وإما أن يكون له توجيه خاص. وأما أن تُبنى قاعدة كلية على أمثلة قليلة دون استقراء، فهذا خلاف منهج أهل العلم.

وحذّر من التعامل مع القواعد كأنها أحجار جامدة، كأن يضعّف طالب حديثًا لمجرد أن في إسناده الزهري وقد عنعن. فالتدليس له تفاصيل: كيف دلّس الراوي؟ وما مرتبته بين المدلسين؟ وهل يُقبل تدليسه؟ ومن ذلك أن الحافظ الذهبي ذكر أن عنعنة الأعمش يتطرق إليها احتمال التدليس إلا في شيوخ أكثر عنهم. وينظر أيضًا في حال التلميذ مع شيخه، فشعبة وهشام الدستوائي من أثبت الناس في قتادة، وطول الملازمة قرينة على الإتقان والسماع.

ومن أعظم الأمثلة على أثر القرائن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (متفق عليه). فهو فرد في أول إسناده، لم يصح إلا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم عن علقمة بن وقاص، ثم عن محمد بن إبراهيم التيمي، ومع ذلك نحن على يقين من ثبوته. فإخراج الشيخين له وتلقي الأمة له بالقبول قرائن تنقله من ظنية الثبوت إلى قطعيته. ومن جمد على القواعد دون فقه القرائن قد يقع في تضعيف أحاديث كثيرة في الصحيحين كما فعل بعض جهلة العصر.

وذكر الشيخ كذلك مذهب الإمام ابن حبان رحمه الله في مقدمة صحيحه: المدلسون الثقات العدول كالثوري والأعمش وأبي إسحاق السبيعي لا يُحتج من أخبارهم إلا بما بيّنوا فيه السماع. ويُستثنى من عُلم أنه لا يدلس إلا عن ثقة، ومثّل له بسفيان بن عيينة، فلا يكاد يوجد له خبر دلّس فيه إلا وُجد ذلك الخبر بعينه قد بيّن فيه سماعه من ثقة. فحكم روايته عنده كحكم رواية ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه منه.

المحور الخامس: الأدب التربوي في الرد على العلماء

ختم الشيخ الدرس بتوجيهات تربوية. فإذا رددت على عالم فعليك أن تتأدب معه ولا تجهّله، وتقبل منه الصواب وتثني عليه، ممتثلًا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]. وأنكر على بعض الطلاب الناشئين تطاولهم على إمام العصر الشيخ الألباني رحمه الله، وقد كان يخدم سنة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يولدوا. وبيّن أن العلماء بشر، وليس من شرط كبار الصالحين ألا يخطئوا أو ألا يغضبوا.

وأكد على التأني والتثبت وترك القراءة السريعة، وضرب مثلًا بالبناء الشاهق الذي يستغرق إعداد أساسه زمنًا طويلًا، فكذلك طالب العلم يحتاج إلى أساس متين. وأشار إلى أن الله رفع أمثال الشيخ ابن باز والشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين رحمهم الله بالتأني والإتقان ورسوخ الأصول.

النقاط الرئيسية

  • الدليل الرابع للإمام مسلم هو دعوى الإجماع على قبول عنعنة التابعين الثقات غير المدلسين عن الصحابة الذين عاصروهم، وهو عند ابن رشيد تتميم للدليل الثاني.
  • الإجماع الذي ادعاه مسلم منتقض بثبوت الخلاف، وبأن رواية المعاصر عمن لم يسمع منه تُسمى مرسلة لا متصلة.
  • أثبت علي بن المديني سماع أبي عثمان النهدي من أبي بن كعب بقوله: «حدثني أبي بن كعب»، فبطل استشهاد مسلم بهذا المثال.
  • الأمثلة الجزئية لا تُبنى عليها قواعد كلية، والتقعيد الصحيح يحتاج إلى استقراء تام.
  • القرائن لها أثر كبير في نقد الأحاديث، وقد تنقل الحديث من ظنية الثبوت إلى قطعيته كحديث «إنما الأعمال بالنيات».
  • إرسال التابعين الكبار عن الصحابة لا يضر لعدالة الصحابة جميعًا، كما قُبلت مراسيل صغار الصحابة.
  • من حفظ حجة على من لم يحفظ، والتقليد قد يوقع في الغفلة عن الصواب.

الفوائد والعبر

  • إحسان الظن بالعلماء الكبار والاعتذار عنهم عند الخطأ، مع بيان الحق بأدب ودون تجهيل أو تطاول.
  • الحذر من التقليد المجرد في المسائل العلمية، والرجوع إلى أقوال الأئمة المتقدمين ومقارنتها قبل الحكم على الأحاديث.
  • عدم التعامل مع قواعد المصطلح كقوالب جامدة، والتفقه في القرائن وأحوال الرواة وملازمة التلاميذ لشيوخهم.
  • التأني في الطلب وترك القراءة السريعة، وبناء أساس علمي متين كما فعل العلماء الربانيون.
  • الاستقراء التام قبل وضع أي قاعدة علمية، وعدم الاغترار بأمثلة قليلة تخالفها شواهد أخرى.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات