شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري(5)لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,719 مشاهدة
270 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس من شرح "كتاب التوحيد" من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد المجلس ليلة الجمعة بعد صلاة العشاء في شهر شعبان سنة ١٤٤٠هـ. ويتناول بابين عظيمين من أبواب الاعتقاد. الأول باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، والثاني باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.

وتبرز أهمية هذا المجلس في أنه يقرر أصولًا من عقيدة أهل السنة والجماعة، منها الإيمان بالقدر، وأن الخلق كان بالحق وبكلمة الله "كن". ويقرر كذلك إثبات اسمي الله "السميع" و"البصير" وما تضمناه من صفتي السمع والبصر، على خلاف الجهمية والمعتزلة الذين أثبتوا الأسماء مجردة عن الصفات.

ويتخلل الشرح وقفات تربوية مع رجال الأسانيد. فهي تعرض سير علماء السلف في الزهد والورع وعزة العالم بعلمه، وتبين أن طالب العلم يأخذ عن شيوخه الأدب والخلق قبل المسائل. ويهدف المجلس إلى ترسيخ الاعتقاد الصحيح وربطه بالعمل والعبودية والدعاء.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: خلق السماوات والأرض بالحق والإيمان بالقدر

افتتح الشيخ الشرح بباب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾. وبيّن أن خلق السماوات والأرض كان بالحق وبكلمة الله سبحانه "كن"، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

وقرر أن على المؤمن أن يعتقد أن كل ما يجري في الكون إنما هو بقدر الله، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد. واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ۝ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. فقدر الله نافذ، وأمره لا بد منه، والإيمان بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان.

ونبّه إلى قاعدة مهمة، وهي أنه ليس في فعل الله شر، بل فعله كله خير وحكمة وعدل. وإنما يكون الشر بحسب ما يقع على العباد في المفعولات، لا في فعل الله سبحانه.

المحور الثاني: شرح دعاء النبي ﷺ في قيام الليل

ساق الإمام البخاري حديث ابن عباس رضي الله عنهما في دعاء النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد:

«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».

وشرح الشيخ معانيه على النحو الآتي:

  • "القيّم" هو القائم بتدبير السماوات والأرض وشؤونها، والقائم على الخلق جميعًا.
  • "قولك الحق" لأنه لا أحد أصدق من الله قيلًا ولا حديثًا.
  • "وعدك الحق" لأن الله لا يخلف وعده.
  • "لقاؤك حق" لأن الناس جميعًا سيلقون الله ويقفون بين يديه.

ووقف الشيخ عند تقديم الجار والمجرور في قوله: "لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت"، وبيّن أنه يفيد الحصر والاختصاص، كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فالمعنى: لا أستسلم إلا لك، ولا أتوكل إلا عليك. وكذلك "بك خاصمت" أي بحجتك ونصرك، و"إليك حاكمت" أي لا أتحاكم إلا إليك.

ثم ختم النبي ﷺ ثناءه بطلب المغفرة مع أنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وقد جمع ﷺ في هذا الطلب أحوال الذنوب كلها:

  • باعتبار الزمن: "ما قدمت وما أخرت".
  • باعتبار الحال: "ما أسررت وما أعلنت".

المحور الثالث: معنى اسم الله "الحق"

أورد الشيخ كلام ابن بطال رحمه الله في شرحه على البخاري، وفيه أن "الحق" ضده الباطل. ويطلق في أسماء الله تعالى على معنيين:

  • الموجود الثابت الذي لا يجوز عليه الزوال ولا التغير.
  • الموجِد للأشياء بحسب ما تقتضيه الحكمة.

وبهذا يتبين الرابط بين الباب وبين قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾. فالله هو الحق، وقوله حق، وخلقه بالحق وللحكمة البالغة، لا عبثًا ولا باطلًا.

المحور الرابع: إثبات اسمي السميع والبصير وصفتي السمع والبصر

انتقل الشيخ إلى باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وبيّن أن "كان" هنا تفيد الدوام والاستمرار، فالله لم يزل ولا يزال سميعًا بصيرًا. وعقيدة أهل السنة أن الله سميع بسمع، بصير ببصر. وهذا خلاف الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر.

وأورد قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ». وذكر قصة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها حين جاءت تشتكي زوجها إلى النبي ﷺ. كانت عائشة في جانب الحجرة ويخفى عليها بعض حديثها، وقد سمعها الله من فوق سبع سماوات، فأنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

وردّ الشيخ على المعطلة بحجة عقلية: لو كان الله سميعًا بلا سمع وبصيرًا بلا بصر، فما الفرق بينه وبين الأصم والأعمى؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. واستدل على إثبات صفة العين بقوله ﷺ في الدجال: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ». ونبّه إلى أننا نثبت الصفة كما جاءت، من غير تكييف ولا تمثيل.

المحور الخامس: آداب الدعاء والذكر

شرح الشيخ حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبّرنا، فقال ﷺ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا». ثم قال له: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ».

وبيّن أن معنى "اربعوا على أنفسكم" ارفقوا بها ولا ترفعوا أصواتكم رفعًا شديدًا، لأن المدعو سبحانه قريب سميع، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. والنهي هنا عن المبالغة في رفع الصوت، لا عن التكبير نفسه. وفسّر "لا حول ولا قوة إلا بالله" بأنه لا تحوّل من حال إلى حال، ولا قوة على طاعة ولا على ترك معصية، إلا بالله.

وختم بحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين قال: يا رسول الله، علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». وبيّن دقة استنباط البخاري من الحديث، فالدعاء لا يكون إلا لمن يسمع، وفي مشروعيته إثبات صفة السمع لله عز وجل.

المحور السادس: وقفات مع سير رجال الإسناد

توقف الشيخ عند رجال الأسانيد، ومنهم:

  • قبيصة بن عقبة السوائي، من كبار شيوخ البخاري، توفي سنة ٢١٥هـ.
  • سفيان الثوري، إمام الورع، توفي سنة ١٦١هـ.
  • ابن جريج، إمام أهل مكة، توفي سنة ١٥٠هـ.
  • طاوس بن كيسان، توفي سنة ١٠٦هـ، وكان مولى فرفعه الله بالعلم.
  • عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حبر الأمة وترجمان القرآن، توفي بالطائف سنة ٦٨هـ.
  • أبو عثمان النهدي، من المخضرمين الذين أدركوا زمن النبي ﷺ ولم يروه.

وذكر قصة الإمام البخاري مع خالد بن أحمد الذهلي أمير بخارى. أرسل إليه الأمير أن يأتيه بالجامع الصحيح والتاريخ ليقرأه على أبنائه في قصره، فأبى البخاري صيانةً للعلم وقال: "أنا لا أُذلّ العلم". فلما أُخرج البخاري من بخارى، لم يمض شهر حتى أزال الله ملك ذلك الأمير.

وذكر زهد قبيصة رحمه الله، وأنه خرج إلى ابن أحد الملوك وعليه إزار وفي يده كسرة خبز يابسة، راضيًا من الدنيا بالقليل. فعزة العالم في استغنائه عن الناس وتعلقه بالله. واستشهد كذلك بقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة".

النقاط الرئيسية

  • خلق الله السماوات والأرض بالحق وبكلمته "كن"، وكل ما في الكون جارٍ بقدره ومشيئته.
  • ليس في فعل الله شر، فأفعاله كلها خير وحكمة، وإنما الشر في المفعولات بحسب وقوعها على العباد.
  • من أسماء الله "الحق"، ومعناه الثابت الذي لا يزول، والموجِد للأشياء بحسب الحكمة.
  • دعاء النبي ﷺ في قيام الليل جامع للثناء والتوحيد والتوكل وطلب المغفرة. وتقديم المعمول فيه يفيد الحصر والاختصاص.
  • أهل السنة يثبتون أن الله سميع بسمع بصير ببصر، خلافًا للجهمية والمعتزلة الذين نفوا الصفات.
  • المشروع في الدعاء والذكر خفض الصوت وترك المبالغة في رفعه، لأن الله سميع قريب.
  • "لا حول ولا قوة إلا بالله" كنز من كنوز الجنة، ومعناها البراءة من الحول والقوة إلا بالله.

الفوائد والعبر

  • استحضار سمع الله وبصره يورث المراقبة والحياء منه. فهو سبحانه يسمع الشكوى الخفية، كما سمع خولة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات، فليكن ذلك باعثًا على حسن الدعاء واللجوء إليه.
  • حفظ دعاء استفتاح قيام الليل الوارد في حديث ابن عباس، والدعاء الذي علّمه النبي ﷺ لأبي بكر الصديق، والمداومة عليهما في الصلاة.
  • الإكثار من قول "لا حول ولا قوة إلا بالله" والتبرؤ من الاعتماد على النفس، مع تفويض الأمر كله إلى الله والتوكل عليه.
  • صيانة العلم وعزة طالبه بالاستغناء عن الناس والزهد في الدنيا، اقتداءً بالبخاري وقبيصة وابن تيمية رحمهم الله. ومع ذلك يُفرَّق بين العزة بالدين والتكبر الذي هو بطر الحق وغمط الناس.
  • على طالب العلم أن يأخذ عن شيوخه الأدب والخلق والسمت قبل المسائل، وأن يعرف سير رجال الإسناد ليقتدي بهم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات