شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (34) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع والثلاثون من شرح كتاب «التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول فيه بابًا عظيمًا هو: «باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه». ومقصود الإمام البخاري من هذا الباب بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر ربه عز وجل ويروي عنه كلامه، وهو ما يُعرف عند أهل العلم بالأحاديث القدسية.
ويبيّن الشيخ في هذا الدرس الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي والحديث النبوي، ويوضّح أقسام الوحي، ويعرّف بأحوال رجال الأسانيد وتراجمهم. ثم يشرح أحاديث الباب شرحًا تربويًا يُظهر سعة رحمة الله تعالى وكرمه مع عباده، ومضاعفته للحسنات، وفضل عبادة الصيام.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المتعلم منزلة الحديث القدسي وأحكامه، وأن يتنبّه إلى كثرة المكذوب منه على ألسنة الناس، وأن يحسن الظن بربه الكريم، فيقبل عليه بالطاعة، ويلتزم منهج الوسطية الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الحديث القدسي وأقسام الوحي
يوضّح الشيخ أن الوحي نوعان: وحي متلوّ وهو القرآن الكريم، ووحي غير متلوّ وهو السنة النبوية. ومن السنة ما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، وهو الحديث القدسي، وسُمّي بذلك لنسبته إلى رب العزة سبحانه.
ويفترق القرآن عن الحديث القدسي في أمور، منها:
- القرآن يُتعبّد بتلاوته في الصلاة، ولا يُتعبّد بالحديث القدسي فيها.
- القرآن معجز بلفظه ومعناه، والحديث القدسي ليس كذلك.
- القرآن لا تجوز روايته بالمعنى، أما الحديث القدسي فقد يرويه بعض الصحابة أو التابعين بالمعنى، وهذا جائز لمن كان عالمًا باللغة وبما يحيل المعاني.
- القرآن لفظه ومعناه من الله تعالى، والحديث القدسي معناه من الله تعالى، وقد يكون لفظه من النبي صلى الله عليه وسلم.
ويبيّن الشيخ أن الحديث القدسي ليس كله صحيحًا، بخلاف القرآن المحفوظ. فقد نسب الكذابون إلى الله تعالى أحاديث كثيرة لا تصح، وانتشر بعضها على ألسنة الناس. فلا بد من التثبّت من صحة الحديث قبل نسبته إلى الله عز وجل أو إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومثّل الشيخ لما يُتعبّد به في الصلاة وما لا يُتعبّد به، فقال: إن قول المصلي «اللَّهُ أَكْبَرُ» وقراءة الفاتحة من التعبّد المشروع فيها. أما لو قرأ في صلاته حديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» على أنه قرآن، فإن صلاته تبطل.
المحور الثاني: رجال الإسناد ودروس من تراجمهم
عرّف الشيخ برجال الأسانيد، ومنهم:
- محمد بن عبد الرحيم: المعروف بـ«صاعقة»، من شيوخ البخاري، توفي قبله بسنة واحدة. لُقّب بذلك لسرعة حفظه وقوته، وكان مع ذلك من أهل الورع والتقوى.
- أبو زيد سعيد بن الربيع الهروي البصري: توفي سنة إحدى عشرة ومئتين، وهو من أقدم شيوخ البخاري.
- شعبة بن الحجاج: أمير المؤمنين في الحديث، توفي سنة ستين ومئة.
- قتادة بن دعامة السدوسي: كان كفيف البصر، وكان من أحفظ الناس، وتوفي سنة سبع عشرة ومئة.
- أنس بن مالك رضي الله عنه: خادم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، توفي سنة ثلاث وتسعين.
واستنبط الشيخ من ترجمة قتادة أن الله تعالى ما يبتلي عبده في شيء إلا عوّضه خيرًا منه. فقد فقد قتادة بصره، فعوّضه الله قوة الحفظ حتى صار من أئمة المحدّثين.
ونبّه الشيخ من ترجمة أنس رضي الله عنه إلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، فقد قال: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ». فطال عمره، وكثر ماله وولده ببركة هذه الدعوة. وفي هذا ردّ على من يتشدّد في أمور لا يُشرع التشدّد فيها، فينكر الدعاء لغيره بسعة الرزق وطول العمر.
المحور الثالث: سعة رحمة الله وتقربه من عبده
روى البخاري في هذا الباب حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». ورواه أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق مسدد عن يحيى القطان عن سليمان التيمي، وفيه: «بَاعًا» أَوْ «بُوعًا».
وبيّن الشيخ أننا نتعامل مع أرحم الراحمين، وأن الله تعالى يعامل عباده بفضله وكرمه لا بعدله. ولو عاملنا بعدله لهلكنا. ثم ذكر قول الله تعالى في الهمّ بالحسنة والسيئة، وهو حديث قدسي: «فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ... وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً».
وفرّق الشيخ في السيئة بين حالين:
- من تركها لله تعالى، فإنها تُكتب له حسنة.
- من عزم عليها وسعى إليها ثم حال بينه وبينها عائق، فهذا مؤاخذ بعزمه وسعيه.
وأكّد الشيخ أن الله غني عن عباده وهم الفقراء إليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. فلا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين، من الأنبياء إلى الفراعنة والطغاة.
وذكر الشيخ في معنى الهرولة قولين:
- أن المراد بها سرعة إقبال الله على عبده بالرحمة والإحسان والإنعام.
- أنها تُثبت صفةً على ما يليق بجلال الله وعظمته سبحانه، من غير تكييف.
المحور الرابع: مضاعفة الحسنات وسعة فضل الله
استشهد الشيخ بقوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]. وبيّن أن الصدقة اليسيرة يربّيها الله تعالى لصاحبها حتى تصير مثل الجبل.
وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا ألّا نحقر من المعروف شيئًا، فقال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». فمن أخرج نصف ماله أو عُشره، فذلك عند الله عظيم.
وضرب الشيخ مثلًا لسعة ملك الله تعالى بمشاهدة المدن والبحار من نافذة الطائرة. فما يراه الإنسان عظيمًا على الأرض يبدو صغيرًا جدًّا إذا علا عنه، وهذا كله في السماء الدنيا وحدها، فكيف بالسماوات السبع وما فوقها؟
وذكّر الشيخ بحديث النجوى، وفيه يقول الله تعالى لعبده المؤمن يوم القيامة بعد أن يقرّره بذنوبه: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ».
المحور الخامس: فضل الصيام وخصوصيته
روى البخاري بسنده عن محمد بن زياد الجمحي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم عز وجل قال: «لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ».
ونبّه الشيخ إلى أن في الرواة اثنين باسم محمد بن زياد:
- محمد بن زياد الجمحي، وهو الذي يروي عن أبي هريرة في هذا الحديث.
- محمد بن زياد الألهاني، وهو يروي عن أبي أمامة رضي الله عنه.
وبيّن الشيخ أن الصيام اختُصّ بالإضافة إلى الله تعالى لأنه عبادة لا يدخلها الرياء. فالصائم لا يعرف حاله إلا الله، إذ يمكنه أن يفطر خفيةً دون أن يطّلع عليه أحد، فهو سرّ بين العبد وربه. ولذلك تولّى الله جزاءه بنفسه.
والخلوف هو تغيّر رائحة الفم بسبب خلوّ المعدة من الطعام والشراب. وهذه الرائحة التي يكرهها الناس هي عند الله أطيب من ريح المسك، لأنها أثر طاعته سبحانه.
النقاط الرئيسية
- مقصود الباب إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يروي عن ربه عز وجل كلامه، وهو الحديث القدسي.
- الوحي نوعان: متلوّ وهو القرآن، وغير متلوّ وهو السنة، ومنها الأحاديث القدسية.
- يفترق القرآن عن الحديث القدسي في الإعجاز، والتعبّد بالتلاوة في الصلاة، وعدم جواز روايته بالمعنى.
- ليس كل ما يُنسب إلى الله من الأحاديث القدسية صحيحًا، فيجب التثبّت قبل نشرها.
- الله تعالى يعامل عباده بالفضل والكرم، فيقابل تقرّب العبد اليسير بعطاء أعظم منه.
- الحسنة تُضاعف إلى عشر أمثالها وإلى سبعمئة ضعف، والسيئة تُكتب واحدة، ومن همّ بسيئة فتركها لله كُتبت له حسنة.
- الصيام عبادة خاصة لا يدخلها الرياء، وقد تولّى الله جزاءها بنفسه، وخلوف فم الصائم أطيب عنده من ريح المسك.
الفوائد والعبر
- إحسان الظن بالله: أقبل على ربك ولو بالقليل، فإن الله يقابل خطوتك إليه بأضعافها رحمةً وإحسانًا.
- لا تحقر من المعروف شيئًا: فالصدقة القليلة والاستغفار اليسير والطاعة الصغيرة كلها عند الله عظيمة ومضاعفة.
- التزم الوسطية: لا يجوز التشدّد فيما لم يتشدّد فيه السلف. فالدعاء للمسلم بسعة الرزق وطول العمر مع حسن العمل مشروع، ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو ميزان الاعتدال.
- تثبّت قبل النشر: لا تنسب إلى الله ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم حديثًا حتى تتأكد من صحته.
- اجعل لك عبادات خفية: كن حريصًا على الصيام والطاعات التي بينك وبين الله، فهي أبعد عن الرياء وأرجى للقبول. واعلم أن الله يعوّض عبده المبتلى خيرًا مما أخذ منه، كما عوّض قتادة بقوة الحفظ.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات