شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري(10)لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس العاشر من شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وكتاب التوحيد هو آخر كتب الصحيح، وقد جعله الإمام البخاري لتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، والرد على من خالف فيها، بالاعتماد على النصوص الصحيحة الصريحة.
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم شرح أحاديث تتعلق بعلو الله تعالى واستوائه على عرشه. ومن هذه الأحاديث حديث أنس رضي الله عنه في زواج أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن رحمتي سبقت غضبي»، وحديثه في أن من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة.
ويهدف هذا الدرس إلى ترسيخ الإيمان بعلو الله تعالى على خلقه فوق سبع سماوات، وبيان سعة رحمته التي تشمل خلقه في الدنيا والآخرة. ويبيّن كذلك أن دخول الجنة فضل من الله ومنّة، وليس عِوَضًا عن العمل، مع الحث على إحسان العبادة وإتقان الصلاة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ترجمة راوي الحديث أنس بن مالك رضي الله عنه
بدأ الشيخ بالتعريف برجال الإسناد، وذكر أن هذا الإسناد من «ثلاثيات البخاري»، أي ليس بين الإمام البخاري والنبي ﷺ فيه إلا ثلاثة رواة. وهذا من علوّ الإسناد الذي كان أهل الحديث يحرصون عليه ويرحلون في طلبه.
وأنس بن مالك الأنصاري النجاري رضي الله عنه هو خادم رسول الله ﷺ، خدمه عشر سنين. وتوفي سنة ثلاث وتسعين للهجرة وقد جاوز المائة، وكان ذلك من بركة دعاء النبي ﷺ له بطول العمر وكثرة المال والولد.
وفي الصحيح أن أم سُليم قالت: يا رسول الله، خادمك أنس، ادعُ الله له، فقال ﷺ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ».
المحور الثاني: «إن الله أنكحني في السماء»، وإثبات صفة العلو
روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: «نَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ». وفي رواية: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ».
وذكر الشيخ قصة نزول آية الحجاب يوم وليمة زينب رضي الله عنها. فقد بقي بعض الصحابة جالسين يتحدثون في البيت، فاستحيا النبي ﷺ أن يأمرهم بالخروج، فكان يخرج ثم يرجع وهم جلوس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53].
وبيّن الشيخ وجه فخرها رضي الله عنها: كانت العادة أن يزوّج المرأةَ وليُّها، أبوها أو أخوها أو عمها، أما زينب فقد تولّى ربُّ العالمين تزويجها بنفسه. وكان من حكمة هذا الزواج إبطال عادة التبنّي إبطالًا عمليًا؛ لأنها كانت زوجة زيد بن حارثة الذي كان يُدعى «زيد بن محمد». قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]، وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 37].
وفي قولها «في السماء» دلالة على علوّ الله تعالى فوق مخلوقاته. و«في» هنا بمعنى «على»، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71]، أي على جذوعها. ومثله قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]. وذكر الشيخ أن زينب رضي الله عنها كانت أول أزواج النبي ﷺ لحوقًا به، وتوفيت سنة عشرين، تصديقًا لقوله ﷺ: «أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا»، وكانت أطولهن يدًا بالعمل والصدقة.
المحور الثالث: «إن رحمتي سبقت غضبي»
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي». وفي الحديث إثبات العرش، وعلوّ الله عليه، وإثبات صفتي الرحمة والغضب لله على ما يليق بجلاله، وأن رحمته سبحانه غالبة سابقة.
والله سبحانه هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، لا يريد عذاب عباده. قال تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: 147]، وقال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50]، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].
ومن آثار رحمته في الدنيا أنها تعمّ حتى الكفار؛ فهم يتنفسون الهواء، ويأكلون ويشربون، ويتنعمون برزق الله. ومع ذلك فالدنيا هيّنة على الله، كما قال ﷺ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» [رواه الترمذي].
وذكر الشيخ قصة الواعظ ابن السمّاك مع الخليفة هارون الرشيد، وقد طلب الخليفة شربة ماء. فسأله ابن السماك: لو مُنعت هذه الشربة، بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي. قال: فلو حُبس خروجها منك، بكم كنت تفتدي نفسك؟ قال: بنصف ملكي الآخر. فقال: إن ملكًا لا يساوي شربة ماء وخروجها لجديرٌ ألا يُتنافس فيه. وفي القصة تذكير بأن العبد يتقلب في نعم الله في كل لحظة، وأن رحمة الله تحيط به في جميع أحواله.
المحور الرابع: دخول الجنة حقٌّ أوجبه الله على نفسه تفضلًا
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا».
ونبّه الشيخ إلى أن هذا الحق ليس حقًا يوجبه الخلق على الخالق، فلا أحد يوجب على الله شيئًا. وإنما هو حق أوجبه الله على نفسه تفضّلًا منه وكرمًا، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54].
والله هو الذي هدى العبد إلى الإيمان والصلاة والصيام، ثم أثابه عليها، فالفضل كله منه أولًا وآخرًا. ولهذا يقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]. وقال ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ» [متفق عليه].
وأكد الشيخ أن الله غنيّ عن عبادة خلقه، وأن العبد إنما يعمل لنفسه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7]. فمن صلّى فإنما يصلي لنفسه، ومن زكّى فإنما يتزكّى لنفسه.
المحور الخامس: إحسان الصلاة واستحضار نعمة الهداية
ذكّر الشيخ الحاضرين بحالهم قبل الاستقامة، يوم كان الواحد منهم مقصّرًا في الصلاة والجماعة. ثم منّ الله عليه بالهداية، فصار يجيب النداء ويحافظ على الصلاة. وهذا يستوجب شكر المنعم، ويدفع عن العبد العُجب بعمله.
ونبّه إلى أن العبرة بإقامة الصلاة على وجهها، لا بمجرد أدائها. فقد يخرج المصلي ولم يُكتب له من صلاته إلا جزء يسير، بحسب خشوعه وحضور قلبه. قال ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» [رواه أبو داود].
النقاط الرئيسية
- يُعدّ حديث أنس في زواج زينب من ثلاثيات البخاري، وهي من أعلى أسانيده.
- قول زينب رضي الله عنها: «إن الله أنكحني في السماء» يدل على علوّ الله تعالى فوق سبع سماوات، و«في» هنا بمعنى «على».
- كان زواج النبي ﷺ من زينب إبطالًا عمليًا للتبني، ونزلت آية الحجاب في وليمتها.
- كتب الله عنده فوق عرشه أن رحمته سبقت غضبه، ففي الحديث إثبات العرش وصفتي الرحمة والغضب.
- رحمة الله في الدنيا تعمّ المؤمن والكافر، والدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
- دخول الجنة حق أوجبه الله على نفسه تفضّلًا، وليس عِوَضًا مستحقًا بالعمل.
- الهداية إلى الطاعة نعمة من الله، والعبرة بإحسان الصلاة والخشوع فيها.
الفوائد والعبر
- ترسيخ عقيدة علوّ الله على خلقه كما جاءت بها النصوص، دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
- تعظيم الرجاء في رحمة الله التي سبقت غضبه، مع الخوف من عذابه، والجمع بين الرجاء والخوف.
- استحضار نعم الله في أبسط الأمور، كشربة الماء ونَفَس الهواء، والتزهيد في الدنيا الفانية.
- ترك العُجب بالعمل، ونسبة الفضل في الهداية والطاعة إلى الله وحده، والإكثار من شكره عليها.
- الاجتهاد في إحسان الصلاة وإتمام ركوعها وسجودها وخشوعها، لينال المصلي أكمل أجرها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات