شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (33) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث والثلاثون من مجالس شرح «كتاب التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. وقد عُقد بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة الخامس عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للعاشر من يناير سنة 2020م. ويتناول المجلس بابًا دقيقًا عقده الإمام البخاري بعنوان: «باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾».
وتكمن أهمية هذا الباب في أنه يقرر أصلًا عظيمًا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو التفريق بين فعل العبد وكلام الرب؛ فالتلاوة والقراءة والعمل من أفعال العباد المخلوقة، أما المتلوُّ المقروء فهو كلام الله تعالى المنزَّل غير المخلوق. وهذا من دقيق فقه الإمام البخاري في تراجم أبوابه، إذ ساق الآيات والآثار التي تدل على أن التلاوة عمل يُنسب إلى العبد.
ولم يقف الشيخ عند التقرير العقدي، بل انطلق من قول أبي رزين: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ «يعملون به حق عمله» إلى معالجة واقع الأمة، فبيّن الفرق الشاسع بين من يحمل القرآن قراءةً فقط ومن يعيش به، وضرب الأمثلة من سيرة الصحابة رضي الله عنهم في اليقين والبذل والثبات، وشرح معنى «طعم الإيمان» و«حلاوة الإيمان». ويهدف المجلس إلى ترسيخ العقيدة الصحيحة في القرآن وأفعال العباد، وإلى إحياء معنى العمل بالقرآن واليقين بالله في القلوب.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: مقصد الإمام البخاري من الباب، وهو أن التلاوة فعل العبد والمتلوَّ كلام الله
افتتح الشيخ المجلس بقراءة ترجمة الباب، وبيّن أن الإمام البخاري رحمه الله ما زال يدندن في هذه الأبواب حول مسألة «خلق أفعال العباد». فاستدلاله بقوله تعالى: ﴿فَاتْلُوهَا﴾ يدل على أن التلاوة هي القراءة، وأن القراءة فعل القارئ. فإذا قرأ العبد الأحاديث أو الآيات فالقراءة فعله، أما المقروء فهو وحي الله تعالى.
وضرب الشيخ مثلًا بالصلاة؛ فالقيام والركوع والسجود والجلوس بين السجدتين والتشهد وتلاوة القارئ كلها من أفعال العباد، أما القرآن الذي يُتلى فيها فهو كلام الله عز وجل غير مخلوق. وكذلك أهل التوراة عملوا بما في التوراة، فعملهم فعلهم. وأهل الإنجيل عملوا بما في الإنجيل، فعملهم فعلهم. وأهل القرآن عملوا بالقرآن، فعملهم فعلهم.
وأشار الشيخ إلى حديث الأُجراء الذي تقدم شرحه: عمل أهل التوراة إلى الظهر، وعمل أهل الإنجيل إلى العصر، وعملت هذه الأمة إلى آخر النهار فأُعطيت قيراطين قيراطين. فلما احتجوا قال الله تعالى: «هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ ... فذلك فضلي أوتيه من أشاء». والشاهد منه هنا تسمية ما قاموا به عملًا.
ثم بيّن أن البخاري ختم الترجمة بأن النبي ﷺ سمّى الإسلام والإيمان والصلاة عملًا، واستشهد بحديث بلال رضي الله عنه وحديث «أي العمل أفضل».
قال الله تعالى:
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93]
وقال النبي ﷺ:
«أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ»
وقال ﷺ لبلال رضي الله عنه:
«أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ»، قال: «مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ إِلَّا صَلَّيْتُ».
وسُئل ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال:
«إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ الْجِهَادُ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ»
المحور الثاني: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، والفرق بين من يقرأ القرآن ومن يعيش به
ذكر البخاري تعليقًا عن أبي رزين في تفسير قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أي يتبعونه ويعملون به حق عمله. وبيّن الشيخ أن هناك فرقًا عظيمًا بين من يحمل القرآن فيقرؤه فقط، ومن يحمل القرآن فيعيش به ويتأدب بآدابه ويقف عند حدوده.
ونقل الشيخ هذا المعنى إلى ميدان الدعوة، فقال إن الناس صنفان: صنف يحمل همّ الدعوة على كتفيه، يبذل لها كل شيء حرصًا على هداية الخلق بالقرآن والسنة. وصنف آخر تحمله الدعوة، فيكون عالة على الدين وأهله. وشتان ما بين الصنفين.
وحذّر الشيخ من حال من حمل الكتاب ولم يعمل به، مستدلًا بالآية التي ساقها البخاري في الباب. وبيّن أن هذا هو الفارق الجوهري بيننا وبين الصحابة رضي الله عنهم؛ فقد كان الدين عندهم أعظم من كل شيء.
قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121]
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 5]
المحور الثالث: نماذج من الصحابة في العمل بالقرآن حق عمله
ذكر الشيخ قصة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين كان يجتني البرير، وهو ثمر شجر الأراك الذي يُتخذ منه السواك. وقد ضحك بعض الصحابة من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ إنهما أثقل في الميزان من جبل أحد. فالعبرة ليست بالأجسام، وإنما بالإيمان الذي يسكن القلوب. وقد كان ابن مسعود جبلًا في الدين والإيمان والتقوى.
وذكر بلال بن رباح رضي الله عنه، الذي هانت عليه نفسه في سبيل الله. فقد كانوا يضعونه في حرّ مكة الشديد على الرمضاء، ويضعون الصخرة على صدره، وهو يقول: «أَحَدٌ أَحَدٌ»، حتى أعتقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وتحدث عن أبي بكر الذي جاء بماله كله، وعمر الذي جاء بنصف ماله. ثم قارن ذلك بحالنا اليوم، إذ يتردد أحدنا في الصدقة القليلة مع أن البيوت قد تكون عامرة بالمدَّخرات. وبيّن أن الصدقة بكل المال تجوز لمن كان في مثل يقين أبي بكر، أما غيره فيُرشد إلى قول النبي ﷺ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ».
وذكر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها حين جاءها النبي ﷺ خائفًا يقول: «زملوني زملوني»، فثبّتته بقولها: «كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا». ودعا الشيخ النساء إلى الاقتداء بها في الصبر والاحتساب والقناعة عند ضيق الرزق، وألا يدفعن أزواجهن إلى الكسب الحرام.
ونبّه كذلك إلى ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في واقعنا. فبعض الناس ينفق الأموال الطائلة في اللهو والفساد، ويبخل بالقليل على مريض أو فقير، ويسكت على المنكرات والخرافات.
المحور الرابع: اليقين بالله، وأثره في الثبات أمام الخلق
تعرّض الشيخ لعبارة البخاري: «ولا يحمله بحقه إلا الموقن». فبيّن أن اليقين يعني أن يعتقد العبد أن أحدًا من البشر، كائنًا من كان، لا يملك له نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا يملك شيئًا من رزقه، ولا يستطيع أن يؤذيه إلا بإذن الله.
وانتقد الشيخ خوف كثير من الناس من المخلوقين. فقد يدخل الإنسان على صاحب سلطان أو يهدده من يملك قوة، فإن كان قلبه معلقًا بالله لم يرهبه ذلك. واستشهد بموقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في المحنة، حين وقف ثابتًا أمام المعتصم وقلبه معلق برب العالمين. فثبت الإمام أحمد وبقي ذكره، ومات من امتحنه.
وعلّق الشيخ أيضًا على شهادة الزور، فإن الذي يشهد بما لم يرَ يرتكب كبيرة، وسيُسأل عن شهادته بين يدي ربه.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: 81]
﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 19]
المحور الخامس: طعم الإيمان وحلاوته
شرح الشيخ قول البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾: «لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن». ثم ربطه بالأحاديث التي تذكر طعم الإيمان وحلاوته. وأكد أن محبة الله ورسوله فوق كل محبوب ليست دعوى باللسان، بل لها برهان في الواقع.
وضرب أمثلة لمخالفة هذه الدعوى: كمن يتعامل بالربا وهو يقرأ أنه حرب لله ورسوله، وكمن يقدّم هوى الزوجة والأولاد والمال على أمر الله.
وذكّر بالقبر ووحشته؛ فأحب الناس إليك لن يرضى أن يدخل معك القبر ولو خمس دقائق. فكيف يُقدَّم حبهم على حب الله ورسوله ﷺ؟
وأورد كلمة هرقل: «وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب». واستشهد بقصة الرجل الذي أعطاه النبي ﷺ غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: «يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر». قال أنس رضي الله عنه: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
قال النبي ﷺ:
«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» [متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه]
«ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» [رواه مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه]
النقاط الرئيسية
- مقصد البخاري من الباب تقرير أن أفعال العباد مخلوقة؛ فالتلاوة والقراءة فعل العبد، والقرآن المتلوّ كلام الله غير مخلوق.
- سمّى النبي ﷺ الإسلام والإيمان والصلاة عملًا، فالعمل داخل في مسمى الإيمان.
- معنى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أنهم يتبعونه ويعملون به حق عمله، لا مجرد القراءة.
- لا يجد طعم القرآن ونفعه إلا المؤمن، ولا يحمله بحقه إلا الموقن، ومن حمله ولم يعمل به فمثله كمثل الحمار يحمل أسفارًا.
- الفرق الجوهري بيننا وبين الصحابة أن الدين كان عندهم أعظم من كل شيء، فبذلوا فيه أنفسهم وأموالهم.
- اليقين بأن الخلق لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا إلا بإذن الله هو سرّ ثبات الأئمة، كالإمام أحمد في المحنة.
- محبة الله ورسوله فوق كل محبوب، والحب في الله، والرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا، هي طريق حلاوة الإيمان وطعمه.
الفوائد والعبر
- اعرض نفسك على القرآن: لا تكتفِ بالتلاوة، بل حاسب نفسك على العمل بأوامره واجتناب نواهيه، حتى تكون ممن يتلونه حق تلاوته.
- كن حاملًا للدعوة لا محمولًا عليها: ابذل من وقتك ومالك وجهدك في نصرة الدين وهداية الخلق، ولا تكن عالة على الدين وأهله.
- علّق قلبك بالله وحده: اعلم يقينًا أن أحدًا لا يملك لك رزقًا ولا ضرًّا إلا بإذن الله، فلا تداهن في دينك خوفًا من مخلوق.
- اجعل الإنفاق والصبر من برهان إيمانك: تصدّق بما تيسّر ولو كان قليلًا، واصبر عند ضيق الرزق، واحذر أن يدفعك أحد إلى المال الحرام.
- امتحن محبتك لله ورسوله ﷺ في الواقع: قدّم أمر الله على هوى النفس والأهل والمال، وتذكّر وحشة القبر التي لن يشاركك فيها أحد، لتذوق حلاوة الإيمان حقًّا.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات