شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (27-2) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,724 مشاهدة
197 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا المجلس (27-2) شرح كتاب "التوحيد" من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله. ويتناول المجلس حديث الإسراء والمعراج من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو من الأحاديث التي أوردها الإمام البخاري في باب قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾. يُستدل بهذا الحديث على إثبات صفة الكلام لله عز وجل، وفيه رد على من أنكرها كالمعتزلة.

يمضي الشيخ مع الحديث خطوة خطوة: عروج النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام إلى السماوات، ولقاؤه الأنبياء، وما رآه من آيات ربه الكبرى كنهر الكوثر وسدرة المنتهى، ثم فرض الصلوات الخمسين ومراجعته ربه حتى صارت خمسًا. ويضيف إلى ذلك فوائد تربوية وعقدية ولغوية.

ومن أهداف هذا الدرس ترسيخ الإيمان بالغيب والتسليم للوحي، وإثبات صفة الكلام لله تعالى على منهج أهل السنة والجماعة. ويعرض الدرس أيضًا مواضع رواية شريك التي خالف فيها غيره من الرواة كما جمعها الحافظ ابن حجر رحمه الله، ويبيّن طريقة أهل العلم في الجواب عنها.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الإيمان بالغيب والتسليم للوحي

يبدأ الشيخ بتقرير أن ما في حديث المعراج من الصعود إلى السماء ورؤية الأنبياء والجنة من أمور الغيب التي لا تُدرك بالعقل المجرد. فالواجب فيها الإيمان والتسليم بما جاء به الوحي من عند رب العالمين، فالله وحده عالم الغيب ولا يُطلع عليه إلا من ارتضى من رسول.

ويضرب الشيخ أمثلة قريبة من الواقع. فنحن لا نرى ما حولنا في المسجد من الملائكة والجن والمخلوقات الدقيقة، ومع ذلك نؤمن بوجودها لأن الوحي أخبرنا بها. فإذا كان الإنسان يجهل كثيرًا مما هو قريب منه، فكيف يردّ ما أخبر به الصادق المصدوق عن السماوات وما فوقها؟

قال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: 26-27].

المحور الثاني: لقاء الأنبياء في السماوات وما فيه من آداب

لقي النبي صلى الله عليه وسلم آدم عليه السلام في السماء الدنيا، فسلّم عليه، فردّ آدم وقال: «مرحبًا وأهلًا بابني، نِعم الابن أنت». ثم لقي في كل سماء نبيًّا ممن سُمّي في الحديث. ونبّه الشيخ إلى أن المحفوظ في الروايات الأخرى أن إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة وموسى عليه السلام في السادسة، خلافًا لما في رواية شريك.

ومن الفوائد التربوية سؤال النبي صلى الله عليه وسلم جبريلَ عما يراه: «ما هذا يا جبريل؟». فيه أدب السؤال لمن يصحب رجلًا أعلم منه بالطريق أو المكان، وفيه جواز تعلّم الفاضل من المفضول. فالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل من جبريل، ومع ذلك تعلّم منه ما كان جبريل أعلم به.

ووقف الشيخ عند ألفاظ الترحيب عند العرب: «مرحبًا وأهلًا»، ومعناها: نزلتَ مكانًا رحبًا واسعًا، وحللتَ أهلًا لا غرباء، وسهلًا لا وعرًا. وفي ذلك بيان لجمال اللغة العربية وكرم الاستقبال.

المحور الثالث: من آيات الله الكبرى في المعراج

رأى النبي صلى الله عليه وسلم النيل والفرات، وأخبره جبريل أنهما عنصرهما أي أصلهما. ورأى نهرًا عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد، طينه مسك أذفر، فقال له جبريل: «هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك». واستطرد الشيخ في بيان المسك الحقيقي، وأنه مما يُستخرج من الغزال، وفي فضل الطيب.

وذكر الشيخ معارضة مسيلمة الكذاب لسورة الكوثر وما فيها من الركاكة، وبيّن أن القرآن معجز لا يقدر أحد على الإتيان بمثله. قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَٰكَ ٱلْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ۝ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر].

ثم وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، وثمرها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة. وتحدث الشيخ عن شجرة السدر في الدنيا ومنافعها: ثمرها النبق، وورقها يُغسّل به الميت، ويُستعمل في الرقية الشرعية، ويُتخذ علفًا. قال تعالى: ﴿عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ ۝ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ﴾ [النجم: 14-15].

المحور الرابع: فرض الصلاة ومراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ربه

أوحى الله إلى نبيه خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فلما هبط إلى موسى عليه السلام نصحه بالرجوع إلى ربه وسؤاله التخفيف، لأنه قد عالج بني إسرائيل وخبرهم. فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يتردد بين ربه وموسى حتى صارت خمسًا، ثم استحيا من ربه. وفي كل ذلك كان يلتفت إلى جبريل كأنه يستشيره.

وفي الحديث: «يا محمد، إنه لا يُبدَّل القول لديّ، كما فرضتُ عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك». فهي خمس في العمل وخمسون في الأجر. وعلّق الشيخ بأن كثيرًا من الناس اليوم يفرّطون في الخمس، فكيف لو بقيت خمسين؟

وردّ الشيخ على من ظن أن قول موسى عليه السلام: «ربِّ لم أظن أن تُرفع عليّ أحدًا» من باب الحسد. فالحاسد لا ينصح لمن يحسده، وموسى عليه السلام نصح لنبينا وأمته بإخلاص. والأنبياء إخوة، وإذا كان الله ينزع الغل من صدور المؤمنين في الجنة، فالأنبياء وهم سادة البشر أولى بسلامة الصدر. قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾ [الحجر: 47].

المحور الخامس: نقد رواية شريك وإثبات صفة الكلام

عرض الشيخ كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في المواضع التي تفرّد بها شريك أو خالف فيها غيره. ومنها:

  • كون المعراج قبل البعثة.
  • ذكر أنه كان منامًا.
  • مخالفته في محل سدرة المنتهى.
  • جعل النيل والفرات في السماء الدنيا.
  • نسبة الدنو والتدلي إلى الله عز وجل، والمشهور في الحديث أنه جبريل عليه السلام كما فسرته عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما.
  • ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا.
  • ترتيب الأنبياء في السماوات.

وبيّن الشيخ أن شريكًا ثقة في الجملة، وثّقه يحيى بن معين وغيره وروى عنه مالك، لكنه لم يضبط هذا الحديث كما قال الإمام مسلم رحمه الله. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" أن في هذه الرواية مواضع غلط. وأما قوله: «فاستيقظ وهو في المسجد الحرام» فقد حمله العلماء على إفاقته مما كان فيه من شهود الملكوت.

وموضع الشاهد عند الإمام البخاري هو إثبات تكليم الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، كما كلّم موسى عليه السلام. وفي ذلك رد صريح على المعتزلة في إنكارهم صفة الكلام، وبيان أن الله يكلم من شاء من عباده، ويكلم أهل الجنة. قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164].

النقاط الرئيسية

  • أخبار الإسراء والمعراج من الغيب الذي يجب الإيمان به والتسليم لما جاء فيه عن الوحي.
  • يجوز للفاضل أن يتعلم من المفضول، كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريلَ عما يراه.
  • رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المعراج الكوثر وسدرة المنتهى وأصل النيل والفرات.
  • فُرضت الصلاة خمسين ثم خُففت إلى خمس، فهي خمس في العمل وخمسون في الأجر.
  • نصيحة موسى عليه السلام نصيحة أخ محب، وليست حسدًا، فالأنبياء أطهر الناس قلوبًا.
  • في رواية شريك مواضع خالف فيها الثقات، ونبّه عليها الحافظ ابن حجر وابن القيم رحمهما الله.
  • الحديث يثبت صفة الكلام لله تعالى، ويرد على المعتزلة المنكرين لها.

الفوائد والعبر

  • المحافظة على الصلوات الخمس: هي فريضة فُرضت من فوق السماوات السبع، وأجرها أجر خمسين صلاة، فلا يليق بالمسلم التفريط فيها.
  • أدب السؤال والاستشارة: يحسن بالمسلم أن يسأل من هو أعلم منه وأن يستشير أهل الخبرة، كما استشار النبي صلى الله عليه وسلم جبريل وقبل نصيحة موسى عليهما السلام.
  • سلامة الصدر وبذل النصيحة: يُقتدى بالأنبياء في محبة الخير للآخرين والنصح لهم بإخلاص، مع الحذر من الحسد وسؤال الله الوقاية من شر الحاسدين.
  • التسليم للنصوص الشرعية: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الغيب يُقبل ويُؤمن به، مع الرجوع إلى أهل العلم في فهم الروايات ومعرفة صحيحها من معلولها.
  • الشوق إلى نعيم الجنة: تذكّر ما أعدّه الله لعباده من الكوثر وطيب الجنة وكلامه سبحانه لأهلها يدفع المؤمن إلى العمل الصالح والصبر على ما فاته من متاع الدنيا.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات