شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (14) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع عشر من شرح كتاب «التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول فيه باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ويقرر الباب صفة الرحمة لله عز وجل على الوجه اللائق بجلاله، ويبين أن الإحسان إلى الخلق من أعظم أسباب نيل رحمة الخالق سبحانه.
يبدأ الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم يشرح معنى الإحسان وصوره الكثيرة. ثم يقف مع حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما في قصة ابن بنت النبي ﷺ حين كان يُحتضر، وفيه أن الرحمة يجعلها الله في قلوب عباده، وأن الله يرحم من عباده الرحماء. ثم يشرح حديث اختصام الجنة والنار، ويذكر ما فيه من إثبات صفات الله تعالى على منهج أهل السنة والجماعة.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يفهم المشاهد صفة الرحمة فهمًا صحيحًا، وأن يعرف أسباب نيلها، وأن يتعلم الصبر والاحتساب عند المصائب، وأن يحذر من الكِبر الذي يؤدي إلى النار. كما يرسّخ منهج السلف في إثبات الصفات بلا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الإحسان سبب لنيل رحمة الله
يبين الشيخ أن الإحسان من المقاصد العظيمة التي جاءت بها الشريعة، وأن الله كتبه على كل شيء، حتى في الذبح والقتل. وكلمة «الإحسان» تجمع معاني الخير كلها: الإحسان إلى الوالدين، والإحسان إلى الزوجة، والإحسان إلى الأولاد والجيران، والإحسان إلى المسلمين، بل الإحسان إلى الحيوان.
وأعلى مراتب الإحسان ما ذكره النبي ﷺ في حديث جبريل عليه السلام، وهو أن يعبد العبد ربه كأنه يراه. فمن أراد أن تقرب منه رحمة الله وتشمله فعليه أن يحسن في عبادته وفي معاملته للخلق. ومن لم يجد رحمة الله قريبة منه فليراجع نفسه في باب الإحسان.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]
وقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]
وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ» [رواه مسلم]
وقال ﷺ في تعريف الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [متفق عليه]
المحور الثاني: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء»
يشرح الشيخ حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. فقد أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إليه أن ابنها يُحتضر، فأرسل إليها يأمرها بالصبر والاحتساب. ثم ذهب إليها ومعه جماعة من الصحابة، فلما رُفع إليه الصبي وهو في سكرات الموت فاضت عيناه ﷺ. فسأله سعد بن عبادة رضي الله عنه عن ذلك، فبيّن له ﷺ أن هذه الدموع رحمة يجعلها الله في قلوب عباده.
ويقرر الشيخ من هذا الحديث قاعدة عظيمة، وهي أن الجزاء من جنس العمل. فمن رحم الناس رحمه الله، ومن قسا على عباد الله فهو حريّ أن يُحرم رحمته. فينبغي للمسلم أن يرحم والديه وأولاده وجيرانه وكل من حوله، فهذا من الإحسان الذي تُنال به رحمة الله. ويذكر الشيخ في هذا الباب الحديث المسلسل بالأولية.
قال ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، وقال: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» [رواه البخاري]
وقال ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [رواه أبو داود والترمذي]
المحور الثالث: الصبر على المصائب والإيمان بالآجال
يقف الشيخ مع قوله ﷺ: «وكل عنده بأجل مسمى». فالآجال مكتوبة والأعمار مقدّرة، لا تتقدم ولا تتأخر. ويذكّر بأن ذلك يُكتب للجنين وهو في بطن أمه: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. ومن استقر هذا في قلبه هانت عليه المصائب، وصبر على فقد الأحبة واحتسب أجره عند الله.
ويبين الشيخ أن البكاء والحزن عند المصيبة لا ينافيان الصبر، فقد دمعت عين النبي ﷺ وهو سيد الصابرين. وإنما المذموم هو الجزع والتسخط والاعتراض على قدر الله. ويشير إلى أن الصبر عند الصدمة الأولى هو الذي ترتفع به المنازل.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]
المحور الرابع: اختصام الجنة والنار وخطر الكبر
يشرح الشيخ حديث أبي هريرة رضي الله عنه في اختصام الجنة والنار إلى ربهما. فقد اشتكت الجنة أنه لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار إنها أوثرت بالمتكبرين. فقال الله للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي. ويبين الشيخ أن الضعفاء المذكورين هم المتواضعون الخاضعون لله، وليس المقصود الفقر وحده.
ويحذّر الشيخ من الكبر وعواقبه، فالمتكبرون يُحشرون يوم القيامة أذلّاء يطؤهم الناس. ويذكر أن الإنسان قد يغترّ بماله وجاهه، فيتعاظم على الخلق ويبخل بحق الله في ماله، ثم يأتي يوم القيامة فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾.
قال ﷺ: «اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبِّهِمَا... فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا» [رواه البخاري]
المحور الخامس: منهج أهل السنة في إثبات الصفات
يتناول الشيخ قوله ﷺ في الحديث: «حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ، ويُرد بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط قط». ويقرر أن أهل السنة يثبتون صفة القدم لله تعالى كما أثبتها رسوله ﷺ، ويفوّضون كيفيتها إلى الله. فالمعنى معلوم والكيف مجهول. ولا تشبه صفات الخالق صفات المخلوقين، كما أن قدم النملة لا تشبه قدم الفيل ولا قدم الإنسان، والله أعظم وأجل.
ويبين الشيخ أن النبي ﷺ خاطب الصحابة بلغة العرب التي نزل بها القرآن، ففهموا معاني الصفات وآمنوا بها دون أن يسألوا عن كيفيتها. وهذا هو الطريق الوسط بين التعطيل والتمثيل.
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30]
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]
النقاط الرئيسية
- رحمة الله تعالى قريبة من المحسنين، والإحسان سبب لنيلها.
- الإحسان كلمة جامعة تشمل الإحسان في العبادة والإحسان إلى الخلق جميعًا، وأعلى مراتبه أن تعبد الله كأنك تراه.
- الجزاء من جنس العمل، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
- الآجال مقدّرة عند الله، وكل شيء عنده بأجل مسمى، والواجب عند المصيبة الصبر والاحتساب.
- دمع العين وحزن القلب رحمة، ولا ينافيان الصبر ما لم يصحبهما تسخط.
- الجنة رحمة الله ودار المتواضعين، والنار عذابه ومأوى المتكبرين.
- أهل السنة يثبتون صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق به، بلا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل.
الفوائد والعبر
- ابدأ بالإحسان إلى أقرب الناس إليك: والديك وزوجك وأولادك وجيرانك، فهذا أقصر طريق إلى رحمة الله.
- كن رحيمًا في تعاملك: مع الضعيف والصغير والخادم والحيوان، فالراحمون يرحمهم الرحمن.
- تذكّر عند المصائب: أن لله ما أخذ وله ما أعطى، فاصبر واحتسب، ولا بأس بالبكاء ما دام القلب راضيًا بقضاء الله.
- احذر الكبر وإن قلّ: وتواضع لعباد الله، وأدِّ حق الله في مالك، فالمال والجاه لا يغنيان عن صاحبهما يوم القيامة.
- تعلّم عقيدة السلف في الأسماء والصفات: أثبت ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ، وفوّض الكيفية إليه سبحانه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات