شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (55) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس والخمسون من مجالس شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر ربيع الآخر سنة 1440هـ، الموافق للتاسع عشر من ديسمبر سنة 2018م. ويبدأ فيه الشيخ شرح «كتاب فضائل فاطمة رضي الله عنها»، وهو من أبواب الكتاب التي ذكر فيها المصنف فضائل الصحابة وآل البيت، وبيّن فيها عقيدة أهل السنة في محبتهم وتوقيرهم.
افتتح الإمام الآجري هذا الكتاب بأن فاطمة رضي الله عنها كريمة على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى جميع المؤمنين، وأن شرفها عظيم وفضلها جزيل. فأبوها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابناها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأمها خديجة الكبرى رضي الله عنها. فقد جمع الله لها الشرف من كل وجه، وهي بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرة عينه.
ومن أهداف هذا المجلس أن يعرف طالب العلم ما صح من فضائل الزهراء رضي الله عنها، وأن يعرف المنهج العلمي في التعامل مع أسانيد الفضائل. فالشيخ يقف عند الرواة، ويبيّن الصحيح من الضعيف، ويحذّر من الموضوع والمكذوب. والغرض أن تقوم محبة آل البيت على الحق الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا على الروايات الواهية.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء العالمين
عقد الإمام الآجري بابًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم إن فاطمة سيدة نساء العالمين. وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «فاطمة سيدة نساء العالمين إلا ما جعل الله عز وجل لمريم بنت عمران». وبيّن الشيخ أن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف من قبل حفظه، وفيه أيضًا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو ضعيف كذلك، لكن الحديث يرتقي إلى الصحة بمجموع طرقه.
ثم ساق المصنف حديث أنس رضي الله عنه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وهو حديث صحيح، فيه أن خير نساء العالمين أربع: مريم وخديجة وفاطمة وآسية. وأورد بعده روايات أخرى في المعنى نفسه، فبيّن الشيخ ضعفها. فحديث عائشة رضي الله عنها: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أمتي» ضعيف من أجل جابر بن يزيد الجعفي. وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في إسناده راوٍ ضعيف جدًا وآخر سيئ الحفظ.
وأورد المصنف كذلك قصة عيادة النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها مع عمران بن حصين رضي الله عنه، وفيها ذكر جوعها ومرضها وأنها لا تملك إلا عباءة. فنبّه الشيخ على أنها رواية واهية فيها من اتُّهم بالكذب، وأن ركاكة ألفاظها تدل على صنعة الوضّاعين، فلا يُعتمد عليها في إثبات الفضائل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ».
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42].
المحور الثاني: بكاؤها وضحكها عند مرض النبي صلى الله عليه وسلم
أورد المصنف حديث أم سلمة رضي الله عنها: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بعد الفتح فناجاها، فبكت، ثم حدّثها فضحكت. ولم تسألها أم سلمة عن ذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبيّن الشيخ أن أصل هذه القصة متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، لكن الاستثناء المذكور في آخره، وهو قوله «إلا مريم بنت عمران»، ليس في رواية الصحيحين.
وفي هذا الخبر علم من أعلام النبوة. فقد أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنها أول أهله لحوقًا به، فكان الأمر كما أخبر، إذ توفيت رضي الله عنها بعده بأشهر يسيرة. وفيه أيضًا أن بشارتها بأنها سيدة نساء أهل الجنة هوّنت عليها مصيبة فقد أبيها صلى الله عليه وسلم.
قالت فاطمة رضي الله عنها: «أَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ وَجَعِهِ هَذَا فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَسْرَعُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، وَأَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، فَضَحِكْتُ».
المحور الثالث: إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها
عقد المصنف بابًا في إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وعظيم قدرها عنده. وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها في شدة شبه فاطمة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه وصف ما كان بينهما من الإكرام المتبادل حين يدخل أحدهما على الآخر: القيام، والأخذ باليد، والتقبيل، والإجلاس في المجلس.
وفي هذا الحديث صورة حية لبرّ البنت بأبيها ورحمة الأب بابنته. وهو أصل تربوي عظيم في إكرام البنات والفرح بهن، وفيه رد على من يستثقل البنات أو يقلل من شأنهن.
قالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ رَحَّبَ بِهَا، وَقَامَ إِلَيْهَا، فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا رَحَّبَتْ بِهِ، وَقَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ، وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا».
المحور الرابع: غضب النبي صلى الله عليه وسلم لغضب فاطمة رضي الله عنها
أورد المصنف حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه، وهو في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما فاطمة بضعة مني». وذكر قصة خطبة علي رضي الله عنه ابنة أبي جهل، وأن فاطمة رضي الله عنها جاءت تشكو ذلك. فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا، فتشهّد ثم بيّن أن ابنة رسول الله وابنة عدو الله لا تجتمعان أبدًا. فترك علي رضي الله عنه تلك الخطبة.
ونبّه الشيخ على أن رواية محمد بن علي في هذا الباب مرسلة. وهذا الحديث أصل في وجوب حفظ حرمة فاطمة رضي الله عنها، وفي أن إيذاءها إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه أيضًا مبادرة علي رضي الله عنه إلى ترك ما يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي».
وقال صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَةُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا».
المحور الخامس: تزويج فاطمة بعلي رضي الله عنهما
ختم المصنف هذا القسم ببابٍ في تزويج فاطمة بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وما خصّهما الله به من الكرامة. وساق فيه رواية طويلة عن ابن عباس رضي الله عنهما، فيها تشجيع سعد بن معاذ لعلي على خطبتها، وإطعام الناس في الوليمة، وتجهيز النساء لها، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهما، وخبر أسماء بنت عميس رضي الله عنها.
وبيّن الشيخ أن هذه الرواية ضعيفة، ففي إسنادها محمد بن حميد الرازي، وهو حافظ لكنه ضعيف. وذكر أن الرواية التي بعدها من حديث أنس رضي الله عنه في إسنادها من وُصف بالكذب، وأن بعض ألفاظها ظاهر النكارة. وأصل تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما ثابت معلوم، أما هذه التفاصيل فلا تثبت بهذه الأسانيد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33].
النقاط الرئيسية
- فاطمة رضي الله عنها جمعت الشرف من كل وجه: أبوها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة، وزوجها علي، وابناها الحسن والحسين رضي الله عنهم.
- صح أنها من خير نساء العالمين الأربع مع مريم وخديجة وآسية، وأنها سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران.
- صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها أنها أول أهله لحوقًا به، فكان كما أخبر، وهذا من أعلام نبوته.
- كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وابنته إكرام متبادل من القيام والتقبيل والإجلاس في المجلس.
- فاطمة بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أغضبها فقد أغضبه، ولا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله أبدًا.
- كثير مما يُروى في تفاصيل فضائلها وزواجها ضعيف أو موضوع، والواجب الاقتصار على ما صح.
- في الشرح تطبيق عملي لمنهج المحدثين: الحكم على الرواة، وتقوية الحديث بمجموع طرقه، وتمييز الزيادات الشاذة.
الفوائد والعبر
- محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم من عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي محبة شرعية منضبطة بالدليل الصحيح، بلا غلو ولا جفاء.
- لا يُحتاج إلى الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الفضائل، ففي الصحيح غنية وكفاية، والتحري في النقل من الأمانة العلمية.
- إكرام البنات والفرح بهن والقيام إليهن وتقبيلهن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قدوة للآباء في التربية بالرحمة.
- المؤمن الصادق يبادر إلى ترك ما يكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان مباحًا في أصله، كما فعل علي رضي الله عنه.
- البشارة بالخير الأخروي تهوّن مصائب الدنيا، كما ضحكت فاطمة رضي الله عنها لما بُشّرت بعد أن بكت لخبر وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات