شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (45) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,010 مشاهدة
288 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس والأربعون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس مسألة عظيمة من مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، وهي محبة الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم. فقد جعل السلف محبتهم جميعًا علامةً على صحة الإيمان، وجعلوا بغضهم أو بغض أحدهم علامةً على النفاق والزيغ.

ويبيّن الشيخ أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه سار في خلافته على ما سنّه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ولم يخالفهم في شيء. وفي هذا ردٌّ واضح على الرافضة الذين يطعنون في الشيخين وفي عثمان، وعلى الناصبة الذين يبغضون عليًّا رضي الله عنه. ثم يبدأ الشيخ شرح باب جديد من الكتاب في فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأنه أول الناس إسلامًا وتصديقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يرسّخ في قلب طالب العلم محبة الصحابة جميعًا، وأن يعرّفه بمنهج أهل السنة في التعامل مع الآثار من حيث الصحة والضعف، وأن يبيّن له كيف كان الصحابة يحب بعضهم بعضًا ويقتدي بعضهم ببعض، خلافًا لما يزعمه أهل الأهواء.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: محبة الخلفاء الأربعة علامة على صحة الإيمان

ينقل الإمام الآجري قوله: إن من علامات من أراد الله به خيرًا من المؤمنين وصحة إيمانه أن يحب أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم. وأورد في ذلك حديثًا مرفوعًا من طريق عطاء الخراساني عن ابن عمر رضي الله عنهما، ونبّه الشيخ إلى أن إسناده ضعيف، وأن معناه صحيح تشهد له النصوص والآثار الكثيرة في فضل الصحابة.

ثم ذكر الأثر الثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، فقد قيل له إن قومًا يزعمون أن حب عثمان وعلي لا يجتمعان في قلب، فقال: «كذبوا، قد جمع الله حبهم في قلوبنا». وهذه شهادة صحابي جليل تبيّن أن الصحابة كانوا يحبون الخلفاء جميعًا دون تفريق، وأن التعصب لبعضهم ضد بعض بدعة حدثت بعدهم.

ومن الآثار التي ذكرها قول أبي شهر عبد ربه: إنه لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلوب أتقياء هذه الأمة. وقول ميمون بن مهران رحمه الله في من يقولون لا يسعهم أن يستغفروا لعثمان وعلي، فقد ردّ عليهم وسأل الله المغفرة لهما ورحمته.

وذكر أيضًا قول أيوب السختياني رحمه الله: «من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليًّا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن أحسن القول في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق». ولخّص الشيخ ذلك بقوله: حبهم إيمان، وبغضهم نفاق.

المحور الثاني: الصحابة هم المثال الذي يُقاس عليه الإيمان

أورد الإمام الآجري تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 13]، فقد قال إن المراد بالناس هنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. ونبّه الشيخ إلى أن الإسناد فيه ضعف، وأن المعنى صحيح، فالصحابة هم المقصودون بالناس في الآية، وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة، وإيمانهم هو الإيمان الذي أُمر الناس بأن يؤمنوا مثله.

واستشهد الشيخ بأبيات في محبة الصحابة، يقول فيها الناظم إنه رضي بأبي بكر صاحب الغار، ورضي بعمر وعثمان الشهيد الذي قُتل في داره، ورضي بعلي، وأن الصحابة كلهم قدوة عالمون، ثم يسأل: هل عليَّ عارٌ في هذا القول؟ ويرجو أن تكون محبتهم سببًا في عتقه من النار.

المحور الثالث: علي رضي الله عنه سار على سنن الخلفاء قبله

عقد الإمام الآجري بابًا في أن عليًّا رضي الله عنه اتبع في خلافته سنن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ولم يأتِ بما يخالفهم، وأن ذلك أمر مشهور عند العلماء الذين سلّمهم الله من مذهب الرافضة والناصبة. وبيّن الشيخ أن الرافضة هم الذين يرفضون الشيخين وعثمان، وأن الناصبة هم الذين ينصبون العداء لعلي رضي الله عنه.

ومن الأمثلة التي ذكرها:

  • أمر فدك: أجراه علي رضي الله عنه على ما أجراه أبو بكر رضي الله عنه، عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». ولو رأى علي أن الحق في غير ذلك لعمل به، فقد كان لا يخاف في الله لومة لائم.
  • أهل نجران: جاؤوه يطلبون أن يردّهم إلى أرضهم التي أجلاهم عنها عمر رضي الله عنه، فرفض وقال إن عمر كان رشيد الأمر، وإنه لن يغيّر شيئًا صنعه عمر. قال الأعمش: لو كان في نفسه شيء على عمر لاغتنم هذه الفرصة.
  • صلاة التراويح: أقرّ علي رضي الله عنه جمع عمر الناس على قيام رمضان، ومرّ بالمساجد وهي مضاءة بالقيام فقال: «نوّر الله قبر عمر كما نوّر مساجدنا».

ونبّه الشيخ إلى ضعف أسانيد بعض هذه الروايات، كخبر الملائكة الذين يُسمَّون الروح، وخبر صلاة عشرين ركعة، وأوضح أن الثابت منها كافٍ للدلالة على المقصود.

المحور الرابع: موافقة علي لعثمان في جمع المصحف

ذكر الإمام الآجري أن عليًّا رضي الله عنه وافق عثمان رضي الله عنه في جمع المصحف ورضي برأيه، وأنكر على من طعن في عثمان بسبب ذلك إنكارًا شديدًا. وقد أثنى أيضًا على أبي بكر رضي الله عنه بأنه أول من جمع القرآن، فقال: «رحم الله أبا بكر، هو أول من جمع القرآن بين اللوحين»، وقال: «إن أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر».

ومن ذلك أثر سويد بن غفلة أنه سمع عليًّا رضي الله عنه يقول: «أيها الناس، الله الله، إياكم والغلو في عثمان، وقولكم: حرّاق المصاحف، فوالله ما حرّقها إلا عن ملأ منا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم». ثم ذكر أن عثمان جمعهم واستشارهم حين اختلف الناس في القراءات، حتى صار بعضهم يقول: قراءتي خير من قراءتك، فاتفقوا على جمع الناس على مصحف واحد. وقال الآجري: من قال غير هذا فقد كذب، وخالف ما أجمع عليه أهل الإسلام.

وختم الآجري هذا الباب بقوله إن عليًّا رضي الله عنه بقي متّبعًا لما سنّه أبو بكر وعمر وعثمان، يكره ما كرهوا ويحب ما أحبوا، حتى قبضه الله شهيدًا. وهو الذي لا يحبه إلا مؤمن تقي، ولا يبغضه إلا منافق شقي.

المحور الخامس: فضائل أبي بكر الصديق وأنه أول الناس إسلامًا

بعد الفراغ من الجزء الخامس عشر من الكتاب، بدأ الإمام الآجري ذكر فضائل الخلفاء: ما انفرد به كل واحد منهم من الفضائل، وما اشتركوا فيه. وافتتح ذلك بباب تصديق أبي بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أول الناس إسلامًا.

وأورد سؤال الشعبي لابن عباس رضي الله عنهما: من أول من أسلم؟ فقال: أبو بكر، أما سمعت قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا
خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلَهَا ... بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا
وَالثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُودَ مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا

وذكر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه قال: «ألستُ أحقَّ الناس بها؟ ألستُ أولَ من أسلم؟ ألستُ صاحبَ كذا؟». وذكر الخلاف في رواية زيد بن أرقم أن أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه، وأن إبراهيم النخعي أنكر ذلك وقال: بل أبو بكر.

النقاط الرئيسية

  • محبة الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم من علامات صحة الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق.
  • قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «قد جمع الله حبهم في قلوبنا»، وفي ذلك تكذيب لمن زعم أن حب عثمان وعلي لا يجتمعان.
  • الصحابة هم المقصودون بقوله تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾، فإيمانهم هو المثال الذي يُقتدى به.
  • سار علي رضي الله عنه على سنن الخلفاء قبله في فدك وأهل نجران وقيام رمضان وجمع المصحف.
  • في هذا الباب ردٌّ على الرافضة الذين يطعنون في الشيخين وعثمان، وعلى الناصبة الذين يعادون عليًّا.
  • أهل السنة يميّزون بين صحيح الروايات وضعيفها، ويقبلون المعنى إذا شهدت له الأصول الثابتة.
  • أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول الناس إسلامًا وتصديقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

الفوائد والعبر

  • أن يحرص المسلم على محبة الصحابة جميعًا، وأن يذكرهم بالخير، وأن يدعو لهم ويستغفر لهم، فذلك براءة من النفاق.
  • أن يحذر من التعصب لبعض الصحابة ضد بعض، فهذا منهج أهل البدع، وليس منهج السلف الذين جمعوا حبهم جميعًا.
  • أن يقتدي بعلي رضي الله عنه في الإنصاف واتباع الحق، وفي إقرار الصواب ممن سبقه وترك الانتصار للنفس.
  • أن يدرك قيمة جمع القرآن في مصحف واحد، وأنه كان من أعظم أعمال أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، وأنه تم باتفاق الصحابة.
  • أن يتثبت طالب العلم من الروايات فيميّز صحيحها من ضعيفها، ويبني عقيدته على الثابت من النصوص.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات