شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (61) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,057 مشاهدة
494 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي والستون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. وقد انعقد المجلس بعد صلاة العشاء في سنة أربعين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافقة لسنة تسع عشرة وألفين للميلاد. ويُعدّ كتاب «الشريعة» من أمهات كتب الاعتقاد السلفي، إذ يقرر أصول أهل السنة والجماعة بالأسانيد المتصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

يتناول هذا المجلس أبوابًا عظيمة في فضائل الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم أجمعين. فيبدأ بإتمام فضائل حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ينتقل إلى باب وجوب محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاش. ويلي ذلك باب فضل قريش، ثم باب فضل العشرة المبشرين بالجنة، ويختم بالشروع في فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما.

ويهدف هذا الدرس إلى غرس محبة الصحابة وآل البيت في قلب المسلم على منهج أهل السنة، والتمييز بين المحبة الشرعية والغلو المذموم. كما يعرّف بمنهج المحدثين في نقد الأسانيد، إذ حرص الشيخ على بيان درجة كل حديث يمرّ به، صحيحًا كان أو ضعيفًا أو شديد الضعف.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: فضائل حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

ساق الإمام الآجري الآثار الدالة على ما خص الله به ابن عباس رضي الله عنهما من العلم والفقه في الدين ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له. وبيّن الشيخ أن بعض الأسانيد التي أوردها المصنف ضعيفة جدًا، لأن في رواتها من اتُّهم بالكذب مع حفظه. أما أصل الحديث فثابت في صحيح البخاري من طريق خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس.

ومن الأحاديث الصحيحة في هذا الباب قول ابن عباس رضي الله عنهما: «ضَمَّنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ» (رواه البخاري). وكذلك دعاؤه صلى الله عليه وسلم له: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». وكان ابن عباس يتحدث بهذه النعمة اعترافًا بفضل الله عليه.

وأورد المصنف شهادات التابعين لمكانته، ومنها قول طاوس بن كيسان رحمه الله: «أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَدَارَؤُوا فِي شَيْءٍ صَارُوا إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ». وذكر كذلك أثر عكرمة الذي يصف مجلس ابن عباس، حيث كان يُدخِل أصحاب القرآن، ثم أصحاب الفقه، ثم أصحاب الشعر وأيام العرب، فيجيب كل طائفة عن مسائلها، فيصدرون جميعًا عنه راضين.

وختم المصنف هذا الباب بذكر وفاة ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف. فقد جاء في الأثر أن طائرًا أبيض لم يُرَ مثله دخل في نعشه ولم يُرَ خارجًا منه، وسُمع عند دفنه تالٍ يتلو ولا يُدرى من هو: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30]. وعدّ الشيخ ذلك من باب الكرامات.

المحور الثاني: وجوب محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم

قرر الإمام الآجري أنه يجب على كل مؤمن ومؤمنة محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم. ويشمل ذلك علي بن أبي طالب وولده وذريته، وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، وجعفر وعقيل والعباس وذرياتهم. ويجب كذلك إكرامهم واحتمالهم وحسن مداراتهم والصبر عليهم والدعاء لهم.

وفرّق الشيخ حفظه الله بين نوعين من المحبة. الأول محبة أهل السنة، وهي محبة شرعية معتدلة تنزل آل البيت منازلهم دون غلو. والثاني محبة الروافض، وهي محبة مبنية على الغلو والكذب على الله ورسوله، ويصحبها الطعن في الصحابة الكرام. ونبّه إلى أن محبة آل البيت مشروطة بثبوت النسب الصحيح، لأن كثيرًا من أدعياء النسب الشريف كذبوا في انتسابهم، كما هو مشاهد في العراق وإيران.

ومن كلام المصنف النفيس توجيهه لذرية أهل البيت أن يتخلقوا بأخلاق سلفهم الكرام. فمن أحسن منهم فقد تشبّه بآبائه الأخيار، ومن أساء فإن سلفه الكرام لا يرضون فعله. فالنسب الشريف يستلزم الاقتداء بأخلاق أصحابه، لا الاتكال عليه.

وأورد المصنف في هذا الباب أحاديث، منها: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي». ومنها حديث العباس رضي الله عنه وفيه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ». وقد بيّن الشيخ ضعف أسانيد هذه الأحاديث، وأن بعضها في رواته متروكون ومتهمون كالرافضي الضعيف. والأصل في وجوب محبة آل البيت ثابت بغيرها من النصوص الصحيحة وإجماع أهل السنة.

المحور الثالث: فضل قريش

عقد الإمام الآجري بابًا في فضل قريش، وأورد فيه حديث أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها: «فَضَّلَ اللَّهُ قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِصَالٍ لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلَهُمْ وَلَا يُعْطَاهَا أَحَدٌ بَعْدَهُمْ». ومن هذه الخصال أن النبوة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، وأنهم نُصروا على أصحاب الفيل، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم. وأشار الشيخ إلى كلام العلامة الألباني رحمه الله في الحكم على هذا الحديث.

وتعرض المصنف لمسألة الإمامة في قريش، وهي من مسائل الاعتقاد التي قررها أهل السنة. وبيّن أن الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم استقرت في قريش، بدءًا بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن الصحابة رضي الله عنهم أذعنوا لذلك.

المحور الرابع: فضل العشرة المبشرين بالجنة

ساق الإمام الآجري حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ».

وأورد كذلك حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه في عدّ العشرة من قريش في الجنة. وفيه أنه سكت عن العاشر، فلما سُئل تبيّن أنه يعني نفسه. ثم ذكر حديث جبل حراء، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ».

وقال الإمام الآجري إنه قد تقدم ذكر الشهادة للعشرة بالجنة من الكتاب والسنة. ومن عقيدة أهل السنة أن يُشهد بالجنة لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بها، ومحبتهم وتوقيرهم أصل من أصول الاعتقاد.

المحور الخامس: فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما

شرع المصنف في ذكر فضائل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهما. ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» (متفق عليه).

وأورد المصنف أيضًا حديث: «طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ». وقد نبّه الشيخ إلى ضعف أسانيده، لأن فيها رواة ضعفاء ومتروكين، ومنهم من اتُّهم بالكذب. وفي هذا مثال على منهج الشيخ في تمحيص الروايات وعدم الاكتفاء بمجرد ورودها في كتب السنة.

النقاط الرئيسية

  • ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن، ونال هذه المنزلة ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالفقه والحكمة.
  • كان كبار الصحابة والتابعين يرجعون إلى قول ابن عباس عند الاختلاف، وكان مجلسه جامعًا لعلوم القرآن والفقه والعربية.
  • محبة آل البيت واجبة على كل مؤمن، وهي عند أهل السنة محبة معتدلة، بخلاف غلو الروافض وكذبهم.
  • تثبت محبة آل البيت لمن صح نسبه، ويجب على ذرية آل البيت التخلق بأخلاق سلفهم الكرام.
  • فضّل الله قريشًا بخصال، منها أن النبوة فيهم، والإمامة في قريش أصل قرره أهل السنة.
  • الشهادة بالجنة للعشرة المبشرين بها من عقيدة أهل السنة، ومن الثابت فيها حديث عبد الرحمن بن عوف وحديث سعيد بن زيد رضي الله عنهما.
  • العناية بنقد الأسانيد وبيان الصحيح من الضعيف منهج أصيل في دراسة كتب العقيدة المسندة.

الفوائد والعبر

  • الحرص على الدعاء للأبناء وطلاب العلم بالفقه في الدين، فدعوة صالحة قد تصنع إمامًا للأمة كما صنعت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس.
  • تنقية القلب من الغل على الصحابة وآل البيت، ومحبتهم جميعًا على منهج أهل السنة الوسط بين الغلو والجفاء.
  • الشرف الحقيقي بالتقوى والعمل الصالح، فالنسب الشريف لا ينفع صاحبه إن لم يتبع سلفه الصالح في أخلاقه وعمله.
  • التثبت من صحة الأحاديث قبل نشرها والاحتجاج بها، والاكتفاء بالصحيح في تقرير العقائد والفضائل.
  • التحدث بنعمة الله في العلم على وجه الشكر لا الفخر، اقتداءً بابن عباس رضي الله عنهما.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات