شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (8 ) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .

4,355 مشاهدة
98 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وموضوعه باب مهم من أبواب الاعتقاد والسلوك، وهو ذم المراء والجدال في الدين، والتفريق بين الجدال المذموم والجدال المأمور به. والمأمور به هو ما كان لإحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة السنة.

يبيّن الشيخ أن الناس في هذا الباب طرفان. فريق ينهى عن الجدال كله ويستدل بنصوص الذم وحدها. وفريق يفتح باب الجدال على مصراعيه ولو كان المقصود منه الغلبة والانتصار للنفس. ومنهج أهل السنة وسط بينهما، فلا يُمنع الحوار المشروع، ولا يُسمح بالمراء الذي يورث الشك ويوقع العداوة بين الإخوان.

وأهداف الدرس أن يعرف طالب العلم ضوابط المناظرة الشرعية، ومن يحق له أن يناظر أهل الأهواء ومن لا يحق له، وأن ينشغل بما ينفعه من مسائل العلم ويترك ما لا ينبني عليه عمل. ويختم الشيخ بقصة الإمام هشيم بن بشير الواسطي، وفيها بيان رفعة العلم وأهله.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الجدال المحمود والجدال المذموم

يقرر الشيخ أن الجدال نوعان. الأول جدال مأمور به، وهو الذي يُقصد به بيان الحق والدعوة إلى الله وهداية الضالين، وقد أمر الله به في كتابه. والثاني جدال محرم، وهو ما كان لإحقاق الباطل أو إبطال الحق، أو كان جدالًا لمجرد الجدال والغلبة والتضييق على أهل الحق.

فمن سأل واستفسر وناقش يريد الوصول إلى الحق فهو على خير. ومن جادل لينصر قوله ويُفحم مخالفه ولو كان محقًّا فهو داخل في الذم الوارد في النصوص.

قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

المحور الثاني: الجدل سبب الضلال بعد الهدى

أورد الإمام الآجري بإسناده حديث أبي أمامة الباهلي صُدَيّ بن عجلان رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن الجدل علامة على الضلال بعد الهداية. وذكر الشيخ أن الجدل يقود الناس إلى التفرق والتحزب، حتى يكفّر بعضهم بعضًا ويبدّع بعضهم بعضًا ويضلّل بعضهم بعضًا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ»، ثُمَّ تَلَا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]. رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد.

ثم أورد المصنف حديثًا طويلًا في ذم المراء، تتكرر فيه عبارة «ذروا المراء». ونبّه الشيخ على أن إسناده موضوع، لأن فيه كثير بن مروان الفلسطيني، وهو متهم بالوضع. وفي هذا تنبيه على أن طالب العلم لا يحتج إلا بما صح، مع أن ذم المراء ثابت بنصوص أخرى صحيحة.

المحور الثالث: هدي السلف في ترك المراء ومجالسة أهل الأهواء

ذكر الإمام الآجري أن أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين لم يكونوا يمارون في الدين، وكانوا يحذّرون من المراء ويأمرون بلزوم السنن وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم. ونقل عن مسلم بن يسار رحمه الله قوله: «إياكم والمراء، فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلّته». فالغضب في ساعة الجدال يفتح للشيطان بابًا يُوقع به العالم في الزلل، وزلة العالم يضل بها خلق كثير لأنهم يقتدون به.

ونقل عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي رحمه الله: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لُبِّس عليهم». وبيّن الشيخ أن أهل الأهواء لا يجادلون طلبًا للحق، وإنما يتبعون أهواءهم.

ثم بيّن الشيخ أن هذا النهي لا يتعارض مع مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج، فقد خرج إليهم بإذن علي رضي الله عنه وإقرار الصحابة، وهو من الراسخين في العلم. والنهي متوجه أساسًا إلى من يُخشى عليه الفتنة، وإلى الجدال الذي لا تُرجى منه مصلحة شرعية.

المحور الرابع: شروط من يتصدى لمناظرة المخالفين

شدد الشيخ على أن الطالب المبتدئ الذي لا يعرف الأدلة ولا كيفية استنباط الأحكام منها يجب عليه ترك الجدال والمناظرة. فقد تَرِد على قلبه شبهة فتستقر فيه ولا يستطيع دفعها. ومثّل لذلك بمن يدخل غرف الحوار على الإنترنت فيناقش النصارى واليهود والملاحدة، فتعلق به الشبهات.

ولا يتصدى للمناظرة إلا من اجتمع فيه أمران: الرسوخ في الدين، والرسوخ في العلم. وحذّر من أن يُقدِم بعض الطلبة على مناظرة العلمانيين وأهل الضلال في القنوات الفضائية دون أهلية، فتبقى الشبهة عالقة في نفوس المسلمين، وتصير الهزيمة حجة للباطل. وقرر أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن على المرء أن يبدأ بإصلاح نفسه كما قال موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: 25].

المحور الخامس: الحوار العلمي عند الصحابة والأئمة وترك ما لا ينفع

بيّن الشيخ أن الصحابة رضي الله عنهم ظلوا يتناظرون ويتناقشون، وينكر بعضهم على بعض ما يرونه خطأ. ومن ذلك استدراكات أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على الصحابة، وقد جمعها الإمام الزركشي في كتابه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة». ومن ذلك أيضًا مناظرات الإمام الشافعي مع الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وهي مبثوثة في «الأم» و«اختلاف الحديث» و«الرسالة». وكان مقصودهم الوصول إلى الصواب لا الغلبة.

وفي المقابل حذّر الشيخ من الانشغال بالأسئلة التي لا ينبني عليها عمل ولا تزيد في التقوى، كالسؤال عن لون كلب أصحاب الكهف، أو عن شجر عصا موسى عليه السلام. وذكر جواب الإمام الشعبي لمن سأله عن اسم امرأة إبليس: «ذاك عُرسٌ ما شهدته». وذكر أن العالم يعلّم من جاءه مستفتيًا، ويُعرض عن من جاءه متعنتًا يريد السخرية والإحراج.

وختم الشيخ بقصة الإمام هشيم بن بشير الواسطي رحمه الله. كان أبوه يبيع الكوامخ، وأراده أن يترك طلب العلم ليعينه في النفقة على البيت. فأصر هشيم على الطلب حتى نبغ، وزار القاضي أبا شيبة بيته ليعوده في مرضه. فقال له أبوه: «يا بني، ما كنت أؤمل أن أرى القاضي في بيتي»، ثم صار يحثه على طلب العلم. فكان هشيم من أعلم أهل عصره.

النقاط الرئيسية

  • الجدال نوعان: محمود لبيان الحق والدعوة، ومذموم لنصرة الباطل أو للغلبة والمراء.
  • الجدل في الدين علامة على الضلال بعد الهدى، وهو سبب للتفرق والتكفير والتبديع بين الناس.
  • الحديث الطويل الذي فيه «ذروا المراء» موضوع الإسناد، فلا يُحتج به، وفي النصوص الصحيحة غنية عنه.
  • المراء ساعة جهل العالم، وفيها يبتغي الشيطان زلته، وزلة العالم يضل بها خلق كثير.
  • نهى السلف عن مجالسة أهل الأهواء ومجادلتهم خشية الفتنة والتلبيس.
  • لا يناظر المخالفين إلا من رسخ في الدين والعلم، كما فعل ابن عباس رضي الله عنهما مع الخوارج.
  • المسائل التي لا ينبني عليها عمل ولا تقوى يُترك الخوض فيها.

الفوائد والعبر

  • أن يراجع المسلم نيته قبل أي نقاش: هل يريد الحق أم يريد الانتصار لنفسه؟
  • أن يحفظ الطالب المبتدئ دينه، فلا يدخل في مناظرة أهل الشبهات في المواقع والقنوات قبل أن يتأهل علميًّا.
  • أن يجتنب الغضب في الحوار، فهو مدخل للشيطان ويفسد ما بين الإخوان.
  • أن يشتغل الإنسان بالعلم النافع الذي يثمر عملًا وخشية، ويدع فضول المسائل.
  • أن العلم يرفع صاحبه مهما كان نسبه أو فقره، كما رفع الله هشيم بن بشير، وأن الصبر على الطلب عاقبته حميدة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات