شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (3) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول فيه الشيخ باباً مهماً من أبواب الكتاب، وهو «باب ذم الخوارج وسوء مذاهبهم، وإباحة قتالهم، وثواب من قتلهم أو قتلوه». وتزداد أهمية هذا الباب في كل زمان تظهر فيه دعوات التكفير والخروج، وتُسفك فيه الدماء المعصومة باسم الدين.
يبيّن الشيخ أصول الخوارج، وأعظمها التكفير بالكبيرة والخروج على أئمة المسلمين. ويذكر أن أصل ضلالهم مخالفةُ فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية، ويعرض نشأتهم منذ عهد النبي ﷺ إلى خروجهم على عثمان وعلي رضي الله عنهما. ويحذّر في المقابل من الطرف الآخر، وهو غلو المرجئة، ومن التساهل في إطلاق وصف «الخارجي» على كل مخالف.
والمقصود من هذا الدرس أن يعرف طالب العلم منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع النصوص، وأن يدرك أن العبرة باتباع منهج السلف لا بكثرة العبادة وحدها ولا بالشعارات، وأن يعتدل في الحكم على الناس، ويحذر من الفتن والدماء.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف الخوارج وأصول مذهبهم
عرّف الشيخ الخوارج بأنهم الذين يخرجون على إمام المسلمين، ويكفّرون مرتكب الكبيرة، وينكرون الرجم. وأعظم أصولهم أصلان: التكفير بالكبيرة، والخروج على الأئمة الذين اجتمعت عليهم الأمة.
ونقل الشيخ قول الإمام الآجري رحمه الله: «لم يختلف العلماء قديماً وحديثاً أن الخوارج قومُ سوء، عصاةٌ لله تعالى ولرسوله ﷺ، وإن صلّوا وصاموا واجتهدوا في العبادة، فليس ذلك بنافع لهم، وإن أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس ذلك بنافع لهم؛ لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون».
وبيّن الشيخ أن من صفاتهم معاداة أهل الإسلام وترك أهل الكفر والأوثان، والشدة على أهل السنة. وأشار إلى أن لهم فرقاً تتوارث هذا المذهب قديماً وحديثاً، منها الإباضية الذين يرون مرتكب الكبيرة «كافر نعمة» لا كافر ملّة. ومنها القعدية الذين يعتقدون عقيدة الخوارج ويهيّجون الناس على الخروج دون أن يقاتلوا بأنفسهم.
وذكر الشيخ شجاعة الخوارج الأوائل في القتال، ومن ذلك قصة شبيب الخارجي وامرأته غزالة مع الحجاج بن يوسف الثقفي. وبيّن أنهم سمَّوا أنفسهم «الشُّراة» لزعمهم أنهم باعوا أنفسهم لله.
المحور الثاني: أعظم أسباب ضلالهم مخالفة منهج السلف في فهم النصوص
قرّر الشيخ أن أعظم سبب جعل الخوارج «كلاب أهل النار» أنهم خالفوا أصحاب رسول الله ﷺ في فهم النصوص الشرعية. فهم لا يتقيّدون بفهم سلف الأمة، ويتأوّلون القرآن على أهوائهم. وهذا هو الأصل الذي ضلّت به سائر الفرق المبتدعة.
وبيّن أن الحَكَم بين الناس جميعاً هو منهج السلف الذي كان عليه أصحاب محمد ﷺ والتابعون لهم بإحسان، لا أقوال الأشخاص. ومن نصّب نفسه ميزاناً فقال: «من خالفني فهو مبتدع ضال» فقد ادّعى منزلةً لا تكون إلا للمعصوم ﷺ.
وأكّد أن العبرة ليست بالمظاهر من صلاة وصيام وطول لحية وتقصير ثوب، وإنما العبرة بموافقة منهج السلف. وعلى المسلم إذا لم يفهم أن يرجع إلى أهل العلم، كما قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]
المحور الثالث: نشأة الخوارج وخروجهم على عثمان وعلي رضي الله عنهما
ذكر الشيخ أن أصل الخوارج ظهر في عهد النبي ﷺ، حين طعن رجل في قسمته للغنائم وقال: «اعدل يا محمد». ثم خرجوا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وقتلوه، وكانت ولايته شرعيةً بإجماع الأمة، وقد قدّم دمه حقناً لدماء المسلمين.
وبيّن أن عمر رضي الله عنه كان الباب الذي يحجز الفتن عن الأمة، فلما قُتل بدأت الفتن، ولما قُتل عثمان رضي الله عنه وقع السيف في الأمة ولم يُرفع.
ثم خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورفضوا التحكيم، ورفعوا شعار «لا حكم إلا لله». فقال علي رضي الله عنه: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ». وفي هذا الطور ظهرت حقيقتهم وصاروا فرقة لها عقيدتها وفكرها. فقاتلهم علي رضي الله عنه ومعه الصحابة، وأكرمه الله بقتلهم، فصار سيفه فيهم سيف حق إلى قيام الساعة.
المحور الرابع: منهج أهل السنة وسطٌ بين غلو الخوارج وغلو المرجئة
أوضح الشيخ أن أهل السنة يحذّرون من الكبائر جميعها، كالزنا والخمر وترك تحكيم الشرع، لكنهم لا يكفّرون فاعلها إلا إذا توفرت فيه شروط التكفير وانتفت عنه موانعه، وفق ما قرّره العلماء والأئمة.
وفي المقابل ردّ على غلاة المرجئة الذين يشترطون إقامة الحجة في كل مسألة، حتى في المعلوم من الدين بالضرورة. فبيّن أن إقامة الحجة تكون في المسائل الملتبسة، أما الأمر المعلوم الذي يعرفه الصغير والكبير، كسبّ الله تعالى صراحةً، فصاحبه مرتد ولا يحتاج إلى إقامة حجة.
ولخّص الشيخ الفرق بقوله: الخوارج كلما رأوا مسلماً ثقل ذلك على قلوبهم فبحثوا عن تكفيره، والمرجئة كلما رأوا كافراً ثقل ذلك على قلوبهم فبحثوا عن عذره، وأهل السنة وسطٌ بين هاتين الطائفتين. وحذّر كذلك من جعل كلمة «خارجي» تهمةً رخيصة تُلصق بكل مخالف، فالواجب العدل وتقوى الله في الحكم على الناس.
المحور الخامس: حديث ذي الخويصرة وفقه الدعوة ومراعاة المصالح
شرح الشيخ حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو في صحيح مسلم، في الرجل الذي اعترض على قسمة النبي ﷺ لغنائم حنين، فقال له النبي ﷺ:
«وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ». فقال عمر رضي الله عنه: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فقال: «مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»
واستنبط الشيخ من الحديث أن الداعية إلى الله ينبغي أن يكون حكيماً يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، ويوازن بين المصالح والمفاسد. فليس كل ما يُعلم يقال، وإذا كان الكلام يجلب فتنة فالسكوت أولى. والنبي ﷺ ترك قتل هذا الرجل وهو مسلم في الظاهر، خشية أن يقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه فينفروا من الإسلام.
وبيّن أن قوله ﷺ «لا يجاوز حناجرهم» معناه أنهم يقرؤون القرآن ولا يفقهونه ولا يتدبرونه، وأن النجاة في تدبر كتاب الله وفهمه على مراد الله. وأشار إلى اختلاف أهل العلم في تكفير الخوارج، وأن الأظهر عند كثير منهم أنهم ليسوا كفاراً، بل هم من شرّ الفرق.
النقاط الرئيسية
- الخوارج قوم سوء باتفاق العلماء، ولا تنفعهم كثرة صلاتهم وصيامهم ولا إظهارهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنهم يتأولون القرآن على أهوائهم.
- أعظم أصول الخوارج: التكفير بالكبيرة، والخروج على أئمة المسلمين، واستحلال دماء المسلمين.
- أصل ضلال الخوارج وسائر الفرق مخالفة فهم الصحابة والسلف الصالح للنصوص الشرعية.
- الحَكَم بين الناس هو منهج السلف لا أقوال الأشخاص، ولا يجوز لأحد أن يجعل نفسه ميزاناً يبدّع من خالفه.
- قتل عثمان رضي الله عنه كان بداية وقوع السيف في الأمة، وشعار «لا حكم إلا لله» كلمة حق أريد بها باطل.
- أهل السنة وسط بين الخوارج الذين يسارعون إلى التكفير وغلاة المرجئة الذين يمنعون التكفير حتى في المعلوم من الدين بالضرورة.
- أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يُقضى بين الناس فيه الدماء، فيجب المحافظة على الصلاة والبعد عن الدماء.
الفوائد والعبر
- الحرص على فهم الكتاب والسنة بفهم الصحابة والسلف الصالح، والرجوع إلى أهل العلم عند الإشكال بدل الاجتهاد بالرأي والهوى.
- الاعتدال وتقوى الله في الحكم على الناس، فلا يُرمى المخالف بالخروج أو البدعة إلا ببيّنة وعلم.
- الحذر الشديد من الفتن ومن المشاركة في سفك دماء المسلمين بقول أو فعل، وأن يحرص المسلم على أن يلقى الله وليس لأحد عنده مظلمة.
- الحكمة في الدعوة إلى الله بمعرفة متى يتكلم المرء ومتى يسكت، ومراعاة المصالح والمفاسد اقتداءً بالنبي ﷺ.
- ألا يغترّ المسلم بالمظاهر وكثرة العبادة والشعارات البراقة، فالعبرة بصحة المنهج وموافقة السنة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات