شرح كتاب " الشريعة " للإمام للآجري (30) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي.

3,010 مشاهدة
317 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثلاثون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد مغرب يوم الجمعة الثاني من جمادى الآخرة سنة 1437هـ، الموافق للحادي عشر من مارس 2016م. يتناول الدرس بابًا مهمًّا هو: «باب التحذير من مذاهب أقوام يكذِّبون بشرائع مما يجب على المسلمين التصديق به». وفيه يورد الإمام الآجري آثار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي أخبر فيها أنه سيأتي في هذه الأمة قوم يكذِّبون بالرجم والدجال والحوض والشفاعة وعذاب القبر وطلوع الشمس من مغربها، ويكذِّبون بخروج قوم من النار.

ويبيّن الشيخ أن أسانيد هذه الآثار فيها ضعف لأنها من طريق علي بن زيد بن جُدعان، لكن معناها صحيح ثابت بنصوص الكتاب والسنة. ويرى أن ما أخبر به عمر رضي الله عنه قد وقع، بل تجاوز بعض الناس في زماننا ذلك إلى الطعن في رب العالمين وفي النبي صلى الله عليه وسلم.

ويهدف الدرس إلى ترسيخ وجوب التسليم لكل ما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ويوضّح عقيدة أهل السنة في مصير عصاة الموحدين، وأحكام حد الرجم وضوابطه وشروط إثباته. ويبيّن كذلك مقاصد الشريعة في إحياء الإيمان في القلوب قبل إقامة الحدود، ويردّ على من يشوّهون أحكام الإسلام عبر وسائل الإعلام.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: التحذير ممن يكذِّبون بالغيبيات والشرائع الثابتة

يبدأ الإمام الآجري بحمد الله الذي يُحمد على كل حال. ويشرح الشيخ أن المسلم يرضى بقضاء الله وقدره كله، فقدَر الخير يرضيه، وقدَر الشر يرضى به لما فيه من حكمة رب العالمين. ثم يذكر أن في الأمة أقوامًا ينكرون بعض أمور الدين أو يردّونها أو يعترضون عليها، والواجب على المسلم أن يقبل كل ما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

ويروي الآجري بأسانيده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه خطب فقال: «إِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فَلَا تُخْدَعُنَّ عَنْهُ... وَإِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالدَّجَّالِ، وَيُكَذِّبُونَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَيُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ، وَيُكَذِّبُونَ بِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا امْتَحَشُوا».

ثم يعلّق الإمام الآجري بقوله: «قد ظهر في هذه الأمة جميع ما قاله عمر رضي الله عنه، فينبغي للعقلاء من الناس أن يحذروا ممن مذهبه التكذيب بما قاله عمر». ويذكر أن الله صان المؤمنين العقلاء العلماء عن هذا التكذيب. ويؤكد الشيخ أن الثبات على الحق توفيق من الله، وأن المعصوم من عصمه الله، ويستعيذ بالله من أن يُوكل العبد إلى نفسه.

المحور الثاني: خروج عصاة الموحدين من النار والرد على الخوارج

يردّ الشيخ على الخوارج الذين يرون أن من دخل النار لا يخرج منها. ويبيّن أن أهل التوحيد الذين أسرفوا على أنفسهم وماتوا دون توبة قد يدخلون النار ليُطهَّروا، لأن الجنة طيبة لا يدخلها إلا الطيبون. فإذا طُهِّروا بعد أن امتحشوا، أي احترقت جلودهم، أخرجهم الله إلى الجنة برحمته، ولا يخلد في جهنم إلا الكفار.

ويستشهد الشيخ في وصف عذاب أهل النار بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]. ويقرر أن الجنة باقية لا تفنى، وأن النار التي أُعدّت للكفار والمنافقين باقية كذلك، أما الطبقة التي يُعذَّب فيها عصاة الموحدين فتنتهي بخروج آخر موحِّد منها.

ويذكر حديث الغمسة في صحيح مسلم: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ». ويستخلص منه أن الدنيا بحلوها ومرّها تُنسى، وأن المحن تزول وتصير ذكريات. ويذكر أن أصحاب الجنة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: 55].

ويضرب الشيخ مثلًا بقصة الرضيع الذي تكلّم في المهد. مرّ رجل ذو شارة ودنيا، فدعت أمه أن يكون ابنها مثله، فترك الثدي وقال: اللهم لا تجعلني مثله. ثم مرّت جارية يتهمونها بالزنا والسرقة، فدعت أمه ألا يكون ابنها مثلها، فقال: اللهم اجعلني مثلها. فالأول كان جبارًا من أهل النار، والثانية كانت بريئة مظلومة. والعبرة أن العاقل حقًّا هو من يسعى وراء الجنة لا وراء ظواهر الدنيا.

المحور الثالث: ثبوت حد الرجم وشروط إقامته

ينقل الإمام الآجري أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم. فقد رجم ماعز بن مالك حين اعترف عنده بالزنا، ورجم المرأة الغامدية بعد اعترافها، ورجم يهوديَّين زنيا في المدينة. وقال صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». ثم رجم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من بعده.

ويذكر الشيخ حديث مسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ». ويبيّن أن ذنوب هؤلاء الثلاثة عظمت لأنهم لا داعي لهم إليها. فالزاني منهم عنده الحلال، والملك ليس فوقه إلا الله فلا حاجة له إلى الكذب، والفقير لا يملك ما يدعوه إلى التكبر.

ويبيّن الشيخ أن حد الزنا لا يثبت إلا بأحد ثلاثة أمور:

  • الاعتراف: أن يُقرّ الإنسان على نفسه بالزنا. فإن ادّعى أنه زنى بامرأة وأنكرت هي، أُقيم الحد عليه وحده، وحسابها على الله.
  • الحَبَل: أن تحمل امرأة لا زوج لها، أو امرأة غاب عنها زوجها أو مات عنها منذ مدة لا يُتصوَّر معها أن يكون الحمل منه.
  • شهادة أربعة شهود عدول: يشهدون أنهم رأوا حقيقة الفعل رؤية صريحة، ولا يكفي ما دون ذلك من المقدمات. ومقصود الشريعة هنا هو الستر.

ويتفق هذا مع قول عمر رضي الله عنه في الصحيح: «وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ». ويشرح الشيخ كذلك حكم اللعان إذا رمى الزوج زوجته ولا شهود له. يشهد الزوج أربع شهادات بالله، والخامسة: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وتشهد هي أربع شهادات، والخامسة: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 7، 9]. وبذلك يُدرأ الحد عنهما، ويبقى حكمهما عند الله.

المحور الرابع: الشريعة جاءت لإحياء الإيمان قبل إقامة الحدود

ينبّه الشيخ إلى أن أعداء الإسلام في بعض الفضائيات يصوّرون الشريعة على أنها قطع للأيدي والرقاب فحسب. ويردّ بأن الإسلام لم يأتِ ليكون سيفًا على رقاب الناس، وإنما جاء لتهذيب حياة المسلمين وتنقيتها. فواجب ولي الأمر قبل إقامة الحدود أن يهيّئ للناس حياة كريمة، فيعين الشباب والفتيات على الزواج، ويكفل اليتامى والفقراء والمساكين، ويحفظ أموال المسلمين من الفساد.

ويضرب مثلًا بمن سرق ليطعم أولاده الجائعين. فهذه الحال شبهة من موانع إقامة الحد، والقاضي ينظر في مقدار المسروق وفي سبب السرقة. ويشبّه الحدود بقطع الشوك الذي ينبت بجوار الشجر المثمر، فهي تُقام على من أصرّ على الفساد في الأرض لمصلحة الإسلام والمسلمين والبشرية كلها.

المحور الخامس: خطورة اليمين الكاذبة والوقوف بين يدي الله

ويحذّر الشيخ من الحلف كذبًا لأخذ مال الغير، مستدلًّا بحديث مسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ». ويبيّن أن الحق لا يضيع عند الله، وأن ما يُقتصّ به يوم القيامة هو الحسنات والسيئات لا الدولارات ولا الريالات.

ويختم بالتذكير بيوم الجزاء الأعظم، يوم يقول الله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ۝ الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 16-17]. فإذا كثر في الدنيا الظلم والكذب والنفاق، فإن العدل الكامل ينتظر الخلق عند الله عز وجل.

النقاط الرئيسية

  • يجب على المسلم أن يؤمن ويصدّق بكل ما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومنه الرجم والدجال والحوض والشفاعة وعذاب القبر وطلوع الشمس من مغربها.
  • أسانيد آثار عمر رضي الله عنه في هذا الباب ضعيفة، لكن معناها صحيح ثابت بالسنة، وقد وقع كل ما أخبر به.
  • عقيدة أهل السنة أن عصاة الموحدين يخرجون من النار برحمة الله، ولا يخلد فيها إلا الكفار، خلافًا للخوارج.
  • حد الرجم ثابت بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وعمل الخلفاء الراشدين بإجماع أهل العلم.
  • لا يثبت حد الزنا إلا بالاعتراف أو الحَبَل أو شهادة أربعة شهود عدول على حقيقة الفعل، والأصل الستر ودرء الحدود بالشبهات.
  • جاءت الشريعة لإحياء الإيمان في القلوب وتوفير الحياة الكريمة قبل إقامة الحدود، فهي رحمة للناس وليست سيفًا مسلطًا عليهم.
  • اليمين الكاذبة لاقتطاع حق مسلم توجب النار وتحرّم الجنة ولو كان المأخوذ عودًا من أراك.

الفوائد والعبر

  • الحذر من دعاة التشكيك في الثوابت الشرعية عبر الإعلام، والرجوع في فهم الدين إلى العلماء الراسخين.
  • الصبر على المحن واحتسابها، فهي لا تدوم، وغمسة واحدة في الجنة تُنسي كل شقاء الدنيا.
  • ألّا يغترّ المرء بالمظاهر والجاه، فالعبرة بحقيقة القلب ومآل العبد عند الله.
  • ستر النفس وستر الآخرين، وعدم الخوض في أعراض الناس بلا بيّنة شرعية قاطعة.
  • الحذر الشديد من الحلف كذبًا على شيء من الدنيا مهما قلّ، وتذكّر أن الحقوق تُستوفى يوم القيامة بالحسنات والسيئات.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات