شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (47) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

1,805 مشاهدة
309 مشاركة
منذ 7 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس السابع والأربعون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس بابًا مهمًا من أبواب العقيدة، هو بيان فضائل الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. فقد قرّر أهل السنة والجماعة أنهما خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، وأنهما أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين.

ساق الإمام الآجري في هذا الباب جملة من الأحاديث والآثار بأسانيده. وتدل هذه الأحاديث على منزلة الشيخين في الدنيا والآخرة، وعلى قربهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ثقته بإيمانهما ويقينهما. ويقف الشيخ عند هذه المرويات فيشرح ألفاظها ويبيّن معانيها، وينبّه على ما في بعض أسانيدها من كلام، وعلى منهج المحدّثين في تقوية الأحاديث بتعدد طرقها.

أهداف الدرس: معرفة مكانة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في عقيدة أهل السنة، وفهم معاني الأحاديث الواردة في فضلهما، والتعرّف على قواعد الأئمة في رواية الأحاديث بأسانيدها. ويهدف الدرس كذلك إلى غرس محبة الصحابة في القلوب، والرد على من ينتقص من قدرهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنة

افتتح الإمام الآجري الباب بحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيه أن الشيخين سيّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، ما عدا النبيين والمرسلين. وفي ذلك دلالة صريحة على أنهما أفضل الخلق بعد الأنبياء. ومن اللطائف أن هذا الحديث مرويّ عن علي نفسه، وهو الذي تواتر عنه تفضيلهما.

ثم وقف الشيخ عند معنى «الكهل» في اللغة. فالكهولة تبدأ من نحو الأربعين إلى قرابة الخمسين، وما بعدها هو سنّ الشيخوخة. ونبّه على خطأ من يظن أن الكهل هو الشيخ الكبير الطاعن في السن.

وأجاب الشيخ عن إشكال يرد على الحديث: فأهل الجنة جميعًا يدخلونها شبابًا، فما معنى وصف بعضهم بالكهول؟ والجواب أن المراد من مات في سن الكهولة في الدنيا، فهما سيّدا من مات كهلًا. وكذلك الحسن والحسين رضي الله عنهما سيّدا شباب أهل الجنة، أي سيّدا من مات شابًا. وعليه فلا تعارض بين الحديثين، ولا يقتضي ذلك تفضيل الحسن والحسين على الشيخين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ». (رواه الترمذي وابن ماجه)

وقال صلى الله عليه وسلم: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ». (رواه الترمذي)

المحور الثاني: ملازمة الشيخين للنبي ﷺ في الدنيا والآخرة

أورد الإمام الآجري أحاديث تدل على أن الشيخين ملازمان للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته وعند البعث. منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فدخل المسجد، وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما، فقال: «هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

ومنها حديث: «أنا أول من تنشقّ عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر». ونبّه الشيخ على أن في أسانيد بعض هذه الأحاديث ضعفًا، لكن الحديث إذا جاء عن جماعة من الصحابة بطرق متعددة يقوّي بعضها بعضًا، فيرتقي إلى درجة الحسن.

وبيّن الشيخ أن الأئمة المتقدمين كانوا يسوقون الأحاديث بأسانيدها. ومن أسند فقد أحالك على الإسناد وبرئت ذمّته، والنظر في الإسناد هو الطريق إلى معرفة صحة الحديث.

«أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى أُحْشَرَ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ». (رواه الترمذي، وفي إسناده مقال)

المحور الثالث: وزيرا رسول الله ﷺ من أهل الأرض

ساق المصنف حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه أن لكل نبي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض. فوزيرا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل السماء جبريل وميكائيل عليهما السلام، ووزيراه من أهل الأرض أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

والوزير هو المعين والمشير الذي يحمل مع صاحبه أعباءه. وهذا ما تحقق للشيخين في سيرتهما، فقد كانا أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يشاورهما في عامة أموره.

«مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ؛ فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». (رواه الترمذي)

المحور الرابع: ثقة النبي ﷺ بإيمان الشيخين – حديث البقرة والذئب

أورد الإمام الآجري حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن بقرة كلّمت راكبها، وعن ذئب كلّم راعي الغنم. فتعجّب الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: «فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر».

ووقف الشيخ عند قول الراوي: «وَمَا هُمَا ثَمَّ»، أي لم يكونا حاضرين في المجلس. ومع ذلك شهد لهما النبي صلى الله عليه وسلم بالتصديق، لعلمه بكمال يقينهما وأنهما يصدّقان بكل ما يخبر به عن ربه دون تردد.

«بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ. فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟! فَقَالَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ. وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: هَذَا، اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ؟! قَالَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ». (متفق عليه)

المحور الخامس: رجحان إيمان الشيخين وعلوّ درجتهما في الجنة

ذكر المصنف حديث رؤيا الميزان من رواية ابن عمر رضي الله عنهما. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أُعطي المقاليد والموازين، والمقاليد هي المفاتيح، والموازين هي التي يُوزن بها. فوُضع صلى الله عليه وسلم في كفة وأمته في كفة فرجح بهم، ثم جيء بأبي بكر فوُزن بهم فوزن، ثم بعمر فوزن.

وبيّن الشيخ أن هذا يدل على عظم إيمان الصديق وأنه يرجح بإيمان الأمة. ويشهد لذلك ما أُثر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «لو وُزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم». ويدل كذلك على أن ترتيبهما في الفضل موافق لترتيبهما في الخلافة.

ثم ختم بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في أهل الدرجات العلى، وأن من تحتهم يرونهم كما يُرى النجم الطالع في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم. ومعنى قوله «وَأَنْعَمَا» أي زادا على ذلك وتجاوزاه.

«إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا». (رواه الترمذي وابن ماجه)

النقاط الرئيسية

  • أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين، وهذا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة.
  • الكهل في اللغة من بلغ نحو الأربعين إلى الخمسين، والمراد بسيادة الكهول سيادة من مات في هذه السن، لأن أهل الجنة جميعًا يدخلونها شبابًا.
  • الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه عن جماعة من الصحابة يقوّي بعضها بعضًا فيرتقي إلى الحسن، ومن أسند فقد أحالك على الإسناد.
  • الشيخان وزيرا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الأرض، كما أن جبريل وميكائيل وزيراه من أهل السماء.
  • شهد النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان الشيخين وهما غائبان، وهذا دليل على ثقته الكاملة بيقينهما.
  • إيمان أبي بكر الصديق يرجح بإيمان الأمة، وترتيب الخلفاء في الفضل موافق لترتيبهم في الخلافة.
  • الشيخان من أهل الدرجات العلى في الجنة، بل يزيدان عليهم في الرفعة.

الفوائد والعبر

  • محبة الصحابة دين وإيمان: ينبغي للمسلم أن يعتقد فضل أبي بكر وعمر، وأن يحبهما ويذبّ عن عرضيهما، فقد اختارهما الله لصحبة نبيه ونصرته.
  • التصديق المطلق بخبر الوحي: يُقتدى بالشيخين في التسليم لما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن خالف ما تألفه العقول والعادات.
  • العناية بالإسناد والتثبّت: على طالب العلم أن يتعلم منهج المحدّثين في النظر في الأسانيد، فلا يقبل كل مروي ولا يردّ كل ضعيف تعددت طرقه.
  • الصحبة الصالحة طريق إلى الرفعة: كانت ملازمة الشيخين للنبي صلى الله عليه وسلم سببًا في رفعتهما في الدنيا والآخرة، فليحرص المسلم على مصاحبة أهل الخير والعلم.
  • الإيمان يزيد ويتفاضل: يدل حديث الميزان على تفاضل الناس في الإيمان، فليجتهد العبد في تقوية إيمانه بالطاعة واليقين.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات