شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (16) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
هذا هو المجلس السادس عشر من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس بابين من أبواب الإيمان. الباب الأول في حكم تارك الصلاة، وهو باب ذكر كفر من ترك الصلاة. والباب الثاني في الاستثناء في الإيمان، أي قول المسلم: «أنا مؤمن إن شاء الله» من غير شك.
وللبابين أهمية كبيرة. فالصلاة أعظم أركان الإسلام العملية، والكلام في حكم تاركها متصل بأصل من أصول أهل السنة، وهو أن الإيمان قول وعمل. أما الاستثناء في الإيمان فقد اختلفت فيه الفرق، وعرض المصنف فيه طريقة الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
ويتعلم المشاهد في هذا المجلس أمورًا منها: الفرق بين الجاحد والمتكاسل والتارك للصلاة، والأدلة من السنة والآثار على كفر تارك الصلاة، ومعنى الاستثناء في الإيمان وأنه أدب مع الله وخوف من تزكية النفس وليس شكًّا.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أقسام الناس في ترك الصلاة
ذكر الشيخ أن من لا يقيم الصلاة على ثلاثة أقسام. الأول هو الجاحد، أي الذي ينكر وجوب الصلاة. وهذا كافر بالإجماع، وكذلك كل من جحد شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة وهو يعلمه.
والثاني هو المتكاسل، أي الذي يصلي لكنه يكسل عن الصلاة، فيؤخرها إلى آخر وقتها أو يجمع بين الصلاتين بغير عذر. وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، وهو على خطر عظيم، لكنه لا يُحكم بخروجه من الملة.
والثالث هو التارك، أي الذي يترك الصلاة بالكلية عمدًا وإن لم يجحد وجوبها. وبيّن الشيخ وجه كفره بأن الإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ومن عمل القلب الانقياد. فمن ترك الصلاة كليةً دلّ ذلك على انتفاء انقياد قلبه لله تعالى.
المحور الثاني: الأدلة من السنة والآثار على كفر تارك الصلاة
ساق الإمام الآجري أحاديث كثيرة في الباب، ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، وفي رواية: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ». ونبّه الشيخ إلى أن بعض هذه الأسانيد فيها ضعف، وأن أصل المعنى ثابت.
وذكر المصنف حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصلاة يومًا فقال: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ».
وذكر أيضًا حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمَانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ». وفُسّرت الأمانة في الحديث بالغسل من الجنابة، لأنها أمانة بين العبد وربه لا يطّلع عليها غيره.
ومن الآثار التي ساقها المصنف:
- قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طُعن وأُوقظ للصلاة: «نَعَمْ، وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ»، فصلّى وجرحه يثعب دمًا.
- قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما سُئل عن امرأة لا تصلي: «مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ».
- قول الإمام أحمد رحمه الله: «إذا قال: لا أصلي، فهو كافر».
المحور الثالث: الفرق بين إضاعة الصلاة وتركها
أورد المصنف أثر القاسم بن مخيمرة رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. قال: «أضاعوا المواقيت ولم يتركوها، ولو تركوها لصاروا بتركها كفارًا».
ويؤخذ من هذا الأثر أن إضاعة الصلاة بتأخيرها عن وقتها والتكاسل عنها ذنب عظيم وصاحبه متوعَّد بالغيّ، وأن ترك الصلاة بالكلية أشد من ذلك ويخرج به صاحبه من الملة.
وأكّد الشيخ أن الصلاة لا تسقط عن المكلف ما دام عقله معه، إلا عن الحائض والنفساء. فيصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع فجالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، فإن لم يستطع فبالإشارة.
ونبّه الشيخ أيضًا إلى ضرورة التثبت قبل الحكم على المعيّن، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره. وبيّن أن ترك الصلاة بالكلية لم يكن معروفًا في زمن الأئمة كما هو اليوم، فلا بد من تصوّر المسألة تصورًا صحيحًا قبل تنزيل الأحكام على الأشخاص.
المحور الرابع: الصلاة من الإيمان
ختم الآجري الباب بأن الصلاة من الإيمان، وأن من لم يصلِّ فلا إيمان له ولا إسلام. واستدل بأن الله تعالى سمّى الصلاة إيمانًا في كتابه، وذلك أن المسلمين كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فلما حُوّلت القبلة إلى الكعبة سألوا عمّن مات من إخوانهم وهو يصلي إلى بيت المقدس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، يعني صلاتكم إلى بيت المقدس.
وأشار المصنف كذلك إلى أثر حذيفة رضي الله عنه في الرجل الذي لا يتم صلاته، إذ قال له: «لو متَّ لمتَّ على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم».
المحور الخامس: الاستثناء في الإيمان من غير شك
بيّن المصنف أن من صفة أهل الحق الاستثناء في الإيمان، أي أن يقول المسلم: «أنا مؤمن إن شاء الله». ولا يقولها على وجه الشك، فهم لا يشكّون في إيمانهم، وإنما يقولونها خوفًا من تزكية النفس، لأن المرء لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان الذي وصف الله به المؤمنين أم لا.
فالاستثناء يقع في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، ولا يقع في القول والتصديق الذي في القلب. والناس عند أهل السنة مؤمنون في الظاهر، وبذلك يتوارثون ويتناكحون وتجري عليهم أحكام الإسلام. وإذا سُئل أحدهم: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار.
واستدل المصنف على جواز الاستثناء فيما هو متيقَّن بما يلي:
- قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، وقد علم الله أنهم داخلون.
- قوله صلى الله عليه وسلم في المقبرة: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ».
- قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ»، وهو أخشى الناس لله بلا شك.
- ما جاء في سؤال الملكين للمؤمن في القبر: «على اليقين كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تُبعث إن شاء الله».
ونقل المصنف آثارًا في ذلك، منها:
- قصة ابن مسعود رضي الله عنه مع الرجل الذي قال: «أنا مؤمن»، فقال له: أفتقول إنك من أهل الجنة؟ قال: أرجو. فقال ابن مسعود: «فهلّا وكلتَ الأولى كما وكلتَ الثانية؟».
- قول الإمام أحمد رحمه الله: «إذا كان يقول: الإيمان قول وعمل، فاستثنى مخافةً واحتياطًا فليس عليه بأس». ولما قيل له: إنما الناس رجلان مؤمن وكافر، قال: «فأين المرجَون لأمر الله؟».
- ما رُوي عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين رحمهما الله أنهما كانا يهابان أن يقولا «مؤمن»، فإذا سُئلا قالا: «أنا مسلم».
النقاط الرئيسية
- الناس في ترك الصلاة ثلاثة أقسام: جاحد كافر بالإجماع، ومتكاسل مضيّع على خطر عظيم، وتارك لها بالكلية.
- الإيمان عند أهل السنة قول وعمل، وترك الصلاة بالكلية يدل على انتفاء انقياد القلب لله تعالى.
- دلّت السنة وآثار الصحابة، كعمر وعلي رضي الله عنهما، وأقوال الأئمة كالإمام أحمد، على كفر تارك الصلاة.
- إضاعة المواقيت غير الترك الكلي، كما في أثر القاسم بن مخيمرة في تفسير قوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾.
- الصلاة لا تسقط عن العاقل بحال، إلا عن الحائض والنفساء، ويصليها المريض على قدر استطاعته ولو بالإشارة.
- سمّى الله تعالى الصلاة إيمانًا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
- الاستثناء في الإيمان طريقة السلف، وهو أدب مع الله وخوف من تزكية النفس، وليس شكًّا في أصل الإيمان.
الفوائد والعبر
- أن يحافظ المسلم على الصلاة في أوقاتها، ويحذر من التكاسل عنها وتأخيرها، فهي نور وبرهان ونجاة يوم القيامة.
- الاقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد صلّى وجرحه ينزف، وفي ذلك بيان أنه لا عذر في ترك الصلاة ما دام العقل حاضرًا.
- التثبت والتأني قبل الحكم على المعيّن، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا بد من فهم الواقع قبل تنزيل الأحكام.
- التواضع وترك تزكية النفس، وأن يقول المسلم: «أنا مؤمن إن شاء الله» أدبًا مع الله وخوفًا من التقصير في العمل.
- الاهتمام بالأعمال الصالحة لأنها من الإيمان، به يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فيكون العبد بين الخوف والرجاء.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات