شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (60) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,072 مشاهدة
469 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الستون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، وقد شرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وكان المجلس ليلة الأربعاء الثالث عشر من شهر رجب سنة أربعين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للعشرين من مارس سنة 2019م. ويواصل الشيخ فيه شرح أبواب فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من أبواب العقيدة التي اعتنى بها أئمة السنة. فمحبة آل البيت ومعرفة قدرهم من أصول معتقد أهل السنة والجماعة، وبها يتميزون عن أهل الجفاء وعن أهل الغلو.

يتناول المجلس ثلاثة أبواب. الأول في فضل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، صاحب الجناحين في الجنة. والثاني في فضل أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، سيد الشهداء. والثالث في فضل العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وصنو أبيه، ومعه شيء من فضل ابنه عبد الله بن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنهما.

ويهدف المجلس إلى أن يعرف طالب العلم منزلة هؤلاء الصحابة الكرام، وأن يميز بين صحيح الروايات الواردة في فضائلهم وضعيفها. فالشيخ يعلّق على الأسانيد ويبيّن أحوال الرواة، ويستخرج من الأخبار فوائد عقدية وتربوية.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: فضل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه «ذو الجناحين»

يورد الإمام الآجري الأخبار في استشهاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة مؤتة. فقد قاتل قتالًا شديدًا حتى قُطعت يداه، ثم قُتل، فعوّضه الله عنهما جناحين يطير بهما في الجنة. وكان رضي الله عنه من المهاجرين إلى الحبشة.

ولما قدم من الحبشة استقبله النبي صلى الله عليه وسلم وعانقه وقبّل ما بين عينيه. ولما جاء نعيه أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ولديه عبد الله ومحمدًا فضمّهما إليه، وأخبر أن جبريل عليه السلام أعلمه أن الله استشهد جعفرًا، وأن له جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة. ويبيّن الشيخ أن في بعض أسانيد هذه الأخبار ضعفًا، وأن أصل فضيلة الجناحين ثابت مشهور.

وذكر الشيخ أيضًا ما في صحيح البخاري من قصة ابنة حمزة، حين تنازع في حضانتها علي وجعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم. فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها أسماء بنت عميس زوجة جعفر، وقال لجعفر:

«أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي»، وقال لعلي: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ»، وقال: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ».

وقال صلى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ جَعْفَرًا يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ».

المحور الثاني: فضل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه سيد الشهداء

يُكنى حمزة رضي الله عنه أبا عمارة، ويقال أبا يعلى، وهو أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم. شهد بدرًا، وصلى إلى القبلتين، وهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستُشهد يوم أحد. وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكبّر عليه تكبيرات كثيرة، ورُوي أنه صلى عليه سبعين صلاة كلما جيء بشهيد. وروى جابر رضي الله عنه أن رجلًا وُلد له غلام فسأل: بمَ نسميه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «سَمُّوهُ بِأَحَبِّ الْأَسْمَاءِ إِلَيَّ: حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ».

وأورد الإمام الآجري خبر وقوف النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مُثّل به. فحزن عليه حزنًا شديدًا وقال: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإِنَّكَ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ، وَصُولًا لِلرَّحِمِ»، وأقسم ليمثّلنّ بسبعين منهم. فنزل جبريل عليه السلام بخواتيم سورة النحل، فصبر النبي صلى الله عليه وسلم وكفّر عن يمينه:

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ ۝ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 125-127].

وذكر المصنف عن محمد بن كعب وغيره أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28] نزل في حمزة رضي الله عنه. ثم أورد الحديث:

«سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ».

ونبّه الشيخ إلى خطأ من يستدل بهذا الحديث على التشهير بولاة الأمر على المنابر وتأليب الناس عليهم. فالحديث يقول «قام إليه»، أي واجهه بنفسه مباشرة بكلمة الحق، ولم يتكلم فيه من خلفه.

المحور الثالث: فضل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وعظيم قدره عند النبي صلى الله عليه وسلم

عقد الإمام الآجري أبوابًا في فضل العباس رضي الله عنه. فذكر ما يدل على عظيم قدره عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أنه كان يُكرمه ويقول: «هَذَا الْعَبَّاسُ عَمُّ نَبِيِّكُمْ»، وأنه كان من أجود قريش وأوصلهم للرحم. وذكر كذلك حديث تكسير الأصنام يوم الفتح.

ومن الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى العباس وبنيه فجمعهم وغطّاهم بملاءة، ثم دعا: «اللَّهُمَّ هَذَا عَمِّي وَصِنْوُ أَبِي، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَاسْتُرْهُمْ مِنَ النَّارِ كَسَتْرِي إِيَّاهُمْ بِمُلَاءَتِي هَذِهِ». فأمّنت أُسكُفّة الباب وحوائط البيت: آمين آمين. وبيّن الشيخ أن في إسناده كلامًا، وأن دعاءه صلى الله عليه وسلم لأهل بيته ثابت في الجملة.

وقال صلى الله عليه وسلم: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟»، وقال: «مَنْ آذَى الْعَبَّاسَ فَقَدْ آذَانِي، إِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ».

المحور الرابع: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن

أشار المصنف إلى فضل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد كان يُلقّب بترجمان القرآن وكان إمام المفسرين. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعرف قدره ويُدنيه ويُدخله مجلس الشورى مع أشياخ بدر وهو حدث السن، لعلمه وفهمه.

وفي هذا دلالة على أن العلم يرفع صاحبه، وأن أهل الفضل يُقدَّمون بعلمهم وتقواهم، لا بأعمارهم وحدها.

المحور الخامس: منهج أهل السنة في آل البيت ونقد الروايات

حرص الشيخ في هذا المجلس على بيان أحوال الأسانيد، فنبّه على الرواة الضعفاء والمجهولين في بعض الطرق، وبيّن ما ثبت منها وما لم يثبت. وذلك على منهج أهل الحديث، إذ لا يُثبتون فضيلة إلا بدليل صحيح، ولا يردّون ما ثبت.

وقرّر الشيخ أنه لا يجوز سبّ أحد من أهل البيت المؤمنين المتبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم خيرة الناس. أما من خالف سبيل النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينفعه نسبه، كما كان أبو لهب عمًّا له ولم ينفعه ذلك. فالعبرة بالإيمان والاتباع.

النقاط الرئيسية

  • جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه استُشهد في مؤتة، فأبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة، ولذلك سُمّي «ذا الجناحين».
  • قال النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي»، وعانقه وقبّل ما بين عينيه حين قدم من الحبشة.
  • حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه هو أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء، وقد حزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم حزنًا شديدًا يوم أحد.
  • نزلت خواتيم سورة النحل تأمر بالصبر والعدل في المعاقبة، فصبر النبي صلى الله عليه وسلم وكفّر عن يمينه.
  • العباس رضي الله عنه عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وصنو أبيه، ومن آذاه فقد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن، وكان عمر رضي الله عنه يقدّمه في مجالس الشورى لعلمه.
  • حديث «رَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ» معناه مواجهة الحاكم بالنصح مباشرة، ولا يصلح دليلًا على التشهير على المنابر.

الفوائد والعبر

  • محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين وتوقيرهم ومعرفة فضائلهم جزء من عقيدة المسلم، مع البعد عن الغلو فيهم والجفاء عنهم.
  • من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه، فجعفر رضي الله عنه بذل يديه في سبيل الله فأعطاه الله جناحين في الجنة.
  • على المسلم أن يصبر عند المصائب ويعدل مع خصومه وإن ظلموه، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم حين صبر على ما أصاب عمه حمزة.
  • ينبغي التثبت في الأحاديث، فلا يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما صح عنه، وإن كان الحديث في الفضائل.
  • النصيحة لولاة الأمر تكون بمواجهتهم بالحق سرًّا وبالحكمة، لا بالتشهير وإثارة العامة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات