شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (56) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس والخمسون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ فيه الشيخ «كتاب فضائل الحسن والحسين رضي الله عنهما»، وهما سبطا رسول الله ﷺ وريحانتاه من الدنيا. وقد ذكر الإمام الآجري في أوله أن شرفهما عظيم من كل جهة. فجدّهما رسول الله ﷺ، وأمّهما فاطمة الزهراء بَضعة رسول الله ﷺ، وأبوهما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والموضوع مهم في باب العقيدة، لأن محبة آل بيت النبي ﷺ من أصول أهل السنة والجماعة. وهم يحبونهم ويوالونهم من غير غلوٍّ ولا جفاء، فيخالفون بذلك الرافضة الذين غلوا فيهم، والنواصب الذين أبغضوهم. وقال الإمام الآجري إنه يذكر من فضائلهما ما تقرّ به عين كل مؤمن يحبهما، ويُسخن الله به عين كل ناصبي خبيث يبغضهما.
ومن أهداف هذا الدرس معرفة ما صحّ في فضائل الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومعرفة الضعيف والموضوع من الروايات. فالشيخ يحكم على الأسانيد ويبيّن أحوال الرواة، ويوضّح أن الحديث الضعيف قد يتقوّى بكثرة طرقه وشواهده. والهدف أيضاً أن تقوم محبة آل البيت على ما ثبت عن النبي ﷺ.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة
في هذا الباب أورد الإمام الآجري روايات كثيرة في أن الحسن والحسين رضي الله عنهما سيدا شباب أهل الجنة. جاءت هذه الروايات عن عدد من الصحابة، منهم جابر بن عبد الله وابن عباس وابن عمر وعلي وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم. وتكلم الشيخ على أسانيدها واحداً واحداً، فبيّن الضعيف منها، والضعيف جداً، والموضوع الذي في إسناده متهم بالكذب أو بوضع الحديث.
ثم ذكر الشيخ أن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه حسن بمجموع طرقه، فيثبت المعنى ويصح الاستدلال به. وهذا من منهج المحدثين، فهم ينظرون في كل إسناد على حدة، ثم ينظرون في الطرق مجتمعة ليعرفوا هل يتقوّى بعضها ببعض.
وفي بعض الروايات استثناء ابنَي الخالة عيسى ويحيى عليهما السلام. وفي بعضها أن فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم عليها السلام.
قال رسول الله ﷺ: «الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ».
المحور الثاني: شَبَه الحسن والحسين برسول الله ﷺ
عقد الإمام الآجري باباً في شبه السبطين برسول الله ﷺ. وورد فيه أن الحسن رضي الله عنه كان أشبه الناس برسول الله ﷺ مما بين عنقه إلى رأسه، وأن الحسين رضي الله عنه كان أشبههم به مما كان أسفل من ذلك. وقد حسّن الشيخ هذا الأثر.
وذكر قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة النبي ﷺ بليالٍ. كان يمشي ومعه علي رضي الله عنه، فمرّ بالحسن وهو يلعب مع الغلمان، فحمله على عاتقه وقال: بأبي شبيهٌ بالنبي ﷺ، لا شبيهٌ بعلي، فضحك علي رضي الله عنه. وفي هذه القصة دليل على محبة الصحابة لآل البيت، وعلى ما كان بين أبي بكر وعلي رضي الله عنهما من الودّ.
ونبّه الشيخ على رواية ضعيفة تُنسب إلى فاطمة رضي الله عنها، وفيها أن النبي ﷺ ورّث الحسن هيبته وسؤدده، وورّث الحسين جرأته وجوده.
عن أبي جُحَيْفَةَ رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَكَانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ» رواه البخاري.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «بِأَبِي، شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ، لَا شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ» رواه البخاري.
المحور الثالث: محبة النبي ﷺ للحسن والحسين وحثّه على محبتهما
ذكر الإمام الآجري أخباراً في محبة النبي ﷺ لسبطيه. منها حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. طرق أسامة الباب على النبي ﷺ ليلةً في حاجة، فخرج النبي ﷺ وهو يحمل شيئاً تحت ثوبه، فكشف عنه فإذا هو الحسن والحسين، فقال: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما». ومنها حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وهو في الصحيحين.
وقال الشيخ إن محبة الحسن والحسين من محبة رسول الله ﷺ، ومحبة رسول الله ﷺ من محبة الله جل وعلا. ولذلك فأهل السنة يحبونهم ويتعبدون الله بمحبتهم. وأما الرافضة فيدّعون محبتهم وهم أبعد الناس عن هديهم. ثم ذكر روايات ضعيفة في الحث على محبتهما، وقال: نحن نحبهما لمحبة النبي ﷺ لهما، صحّ الحديث أو لم يصح.
وذكر خبر أبي هريرة رضي الله عنه مع مروان، وقد احتمل الشيخ تحسينه. فيه أن النبي ﷺ سمع بكاء الحسن والحسين وهما عطشانان، فأخذ كل واحد منهما وضمّه إلى صدره، وأدلع له لسانه يمصّه حتى سكت. ولذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه: وما لي لا أحب هذين، وقد رأيت هذا من رسول الله ﷺ.
عن البراء رضي الله عنه قال: رأيت النبي ﷺ والحسن بن علي على عاتقه يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ» متفق عليه.
وقال ﷺ: «هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا» رواه الترمذي.
المحور الرابع: الحسن والحسين ريحانتا النبي ﷺ من الدنيا
أورد الإمام الآجري حديث ابن عمر رضي الله عنهما. سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض يصيب المُحرم، فقال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله ﷺ، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا». والحديث في صحيح البخاري. وفيه إنكار على من يدقّق في المسائل الصغيرة وقد وقع في عظائم الأمور.
وبيّن الشيخ أن الريحان هو الطِّيب، فالنبي ﷺ شبّههما به لأنه كان يفرح بهما ويشمّهما ويضمّهما.
قال رسول الله ﷺ: «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا» رواه البخاري.
المحور الخامس: بشارة النبي ﷺ بإصلاح الحسن بين فئتين من المسلمين
ذكر الإمام الآجري حديث أبي بكرة رضي الله عنه. كان النبي ﷺ يصلي، فإذا سجد ركب الحسن والحسين على ظهره، فكان ﷺ يضعهما برفق إذا رفع رأسه. فلما صلى أجلسهما في حجره ومسح رأسيهما، ثم أخبر أن ابنه الحسن سيد، وأن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وقال الشيخ إن الحديث صحيح بشواهده ومتابعاته، وإن كان في بعض أسانيده ضعف.
وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ. تنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، فأصلح الله به بين أهل العراق وأهل الشام، وسُمّي ذلك العام عام الجماعة لأن المسلمين اجتمعوا فيه يداً واحدة. وهذا من دلائل نبوته ﷺ، وفيه دليل على أن الطائفتين كانتا من المسلمين.
وختم الشيخ المجلس بالدعاء أن يؤلّف الله بين قلوب المسلمين، وأن يجمع كلمتهم، وأن يدحر أهل الكفر والشرك.
قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» رواه البخاري.
النقاط الرئيسية
- شرف الحسن والحسين رضي الله عنهما عظيم من كل جهة. فجدّهما رسول الله ﷺ، وأمّهما فاطمة الزهراء، وأبوهما علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
- حديث «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» ثابت، وحديث أبي سعيد الخدري فيه حسن بمجموع طرقه.
- كان الحسن والحسين أشبه الناس برسول الله ﷺ في الخَلق، وقد ثبت ذلك في صحيح البخاري.
- ثبتت محبة النبي ﷺ لهما، ودعا الله أن يحبهما ويحب من يحبهما.
- هما ريحانتا النبي ﷺ من الدنيا، وقد أنكر ابن عمر رضي الله عنهما على أهل العراق أنهم يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ.
- بشّر النبي ﷺ بأن الحسن سيد، وأن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فكان ذلك في عام الجماعة.
- من منهج أهل الحديث أن تُنقد الأسانيد ويُبيَّن الضعيف والموضوع، ولو كان في الفضائل.
الفوائد والعبر
- محبة آل بيت النبي ﷺ عبادة يُتقرَّب بها إلى الله، وهي من محبة رسول الله ﷺ، ويجب أن تكون على منهج أهل السنة من غير غلو ولا جفاء.
- ينبغي للمسلم أن يتثبّت مما يرويه ويعتمد على الصحيح، فالفضائل الثابتة فيها غنى عن الروايات الضعيفة والموضوعة.
- رحمة النبي ﷺ بالصغار وملاطفته لهم، حتى وهو في الصلاة، قدوة للآباء والمربين.
- في صلح الحسن رضي الله عنه درس في تقديم مصلحة الأمة وحقن دماء المسلمين وجمع كلمتهم على حظوظ النفس.
- لا يصح أن يدقّق الإنسان في صغائر المسائل وهو مقيم على الكبائر والمظالم، كما في إنكار ابن عمر رضي الله عنهما على من سأله عن دم البعوض.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات