شرح كتاب "الشريعة " للإمام الآجري (23) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,853 مشاهدة
48 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثالث والعشرون من شرح كتاب «الشريعة» للإمام أبي بكر الآجري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول باب «سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله في أهل القدر». كان عمر بن عبد العزيز خليفةً راشدًا مهديًّا، ومن ولاة الأمر الأتقياء، ومن علماء المسلمين. وكان يناظر أهل الأهواء ويقيم عليهم الحجة. ولذلك كانت سيرته معهم أنموذجًا عمليًّا لمنهج السلف في التعامل مع البدعة وأهلها.

وتكمن أهمية هذا الدرس في أنه يعالج قضيةً من أصول الإيمان، وهي الإيمان بالقدر خيره وشره. ويكشف خطورة مذهب القدرية الذين أنكروا علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، وزعموا أن العبد يخلق فعله. ويعرض الدرس الآثار المروية بأسانيد الإمام الآجري، ويعلّق الشيخ على بعض أسانيدها صحةً وضعفًا، مع بيان المعاني العقدية المستفادة منها.

ويهدف الدرس إلى أمور، منها:

  • معرفة موقف أئمة السلف من القدرية.
  • فهم الأدلة القرآنية التي احتج بها عمر بن عبد العزيز عليهم.
  • التفريق بين إرادة الله الكونية ومحبته الشرعية.
  • إدراك التوازن بين اختيار العبد ومشيئة الله تعالى.
  • تعلّم منهج الرفق والبيان قبل إقامة الحد.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حكم عمر بن عبد العزيز في القدرية بين الاستتابة وإقامة الحد

روى الإمام الآجري بإسناد صحيح عن أبي سهيل نافع بن مالك، عمّ الإمام مالك بن أنس، أنه كان يسير مع عمر بن عبد العزيز، فاستشاره في القدرية. فقال أبو سهيل: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف. فقال عمر: أمَا إن ذلك رأيي. قال الإمام مالك: وذلك رأيي. وفي رواية أخرى قال عمر: «تلك سيرة الحق فيهم». ونبّه الشيخ إلى أن في إسناد هذه الرواية عبد الله بن جعفر، والد علي بن المديني، وهو ضعيف.

وبيّن الشيخ أن الإمام الصالح يستشير أهل العلم ويناقشهم ليعرف ما عندهم، وهذا من حكمة عمر رحمه الله. وتكون الاستتابة بأن يُقال للقدرية: ارجعوا عن قولكم، وتوبوا إلى الله، واعلموا أن الله يعلم الأشياء قبل وقوعها ويقدّرها، وأنه سبحانه خالق الخير والشر. فإن رجعوا فذلك فضل الله، وإن أبَوا أُقيم عليهم الحد.

وقال عمر في رواية ثالثة: «والله لو لم يكن إلا هذه الآية الواحدة لكفت». ووجه الدلالة أن من يصلى الجحيم إنما يصلاها بقدر الله وعلمه السابق. قال الله تعالى:

﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ۝ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ۝ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 161-163]

المحور الثاني: قصة غيلان الدمشقي ومناظرة عمر بن عبد العزيز له

بلغ عمرَ بن عبد العزيز أن غيلان بن مسلم يتكلم في القدر، فبعث إليه وحجبه أيامًا، ثم أدخله عليه. وكان عمر بن المهاجر حاضرًا، فأشار إلى غيلان ألّا يقول شيئًا. فقرأ عمر عليه أول سورة الإنسان وآخرها:

﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ۝ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ۝ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 1-3]

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝ يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: 30-31]

فأظهر غيلان الرجوع وقال: «كنتُ أعمى فبصّرتني، وأصمّ فأسمعتني، وضالًّا فهديتني». فدعا عمر: «اللهم إن كان عبدك غيلان صادقًا، وإلا فاصلبه». وفي رواية أخرى أن غيلان قال: «يكذبون عليّ»، فقرأ عليه عمر أول سورة يس:

﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ۝ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ۝ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: 7-10]

فقال غيلان إنه كأنه لم يقرأها قبل اليوم، وأشهد عمر أنه تائب مما كان يقول. فدعا عمر: «اللهم إن كان صادقًا فثبّته، وإن كان كاذبًا فاجعله آيةً للمؤمنين». وولّاه عمر دار الضرب بدمشق، وهي أشبه ما تكون اليوم بالبنك المركزي الذي تُضرب فيه الدنانير والدراهم. فأمسك غيلان عن الكلام في القدر.

فلما مات عمر وأفضت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك، عاد غيلان إلى الكلام في القدر. فبعث إليه هشام فقطع يده، فمرّ به رجل والذباب على يده، فقال له: «يا غيلان، هذا قضاء وقدر»، فقال: «كذبتَ، ما هذا قضاء ولا قدر». فبعث إليه هشام فصلبه، فاستجاب الله دعوة العبد الصالح عمر بن عبد العزيز.

وعلّق الشيخ بأن المسلم يجب أن يكون صادقًا مع الله، وألّا يتكلم بالتقية فيُظهر خلاف ما يُبطن. وسأل الله العافية وأن يستر عباده في الدنيا والآخرة.

المحور الثالث: موقف العلماء من إقامة الحد على دعاة القدر

ذكر الآجري أن رجاء بن حيوة كتب إلى هشام بن عبد الملك لمّا بلغه أنه وقع في نفسه شيء من قتل غيلان وصالح الدمشقي. وكان رجاء وزيرًا لسليمان بن عبد الملك، ثم لعمر بن عبد العزيز. فكتب إليه: «والله لقتلُهما أفضل من قتل ألفين من الروم والترك». وعلّة ذلك أنهما يُفسدان على الناس دينهم، وفساد الدين أعظم من خطر العدو الظاهر. وكأن هشامًا خشي أن يلقى الله بدمائهما، فثبّته رجاء بن حيوة.

وروى الآجري أن رجلًا أخبر عبادة بن نُسَيّ أن أمير المؤمنين هشامًا قطع يدَي غيلان ولسانه وصلبه، فقال: «أصاب والله السنة والقضية». ويدل هذا على أن أئمة الوقت كانوا يرون دعاة البدعة المغلظة أهلًا للعقوبة حمايةً لعقائد المسلمين.

المحور الرابع: منهج الرفق والبيان قبل العقوبة

روى الآجري عن حكيم بن عمير أنه قيل لعمر بن عبد العزيز: إن قومًا ينكرون من القدر شيئًا، فقال: «بيِّنوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا». وأكّد الشيخ أن هذا منهج العالِم المجدِّد: يبدأ بالتعليم والتفقيه في دين الله والرفق بالمخالف قبل العقوبة. فإن رجع المخالف وتاب فذلك فضل الله، وإلا أُقيم عليه الحد.

فلما قيل لعمر: «لقد اتخذوه دينًا يدعون إليه الناس»، فزع لها وقال: «أولئك أهلٌ أن تُسَلّ ألسنتهم من أقفيتهم سلًّا». ثم قال: «هل طار ذبابٌ بين السماء والأرض إلا بمقدار؟». فالتفريق إذن بين المخطئ الجاهل الذي يُعلَّم ويُرفق به، والداعية إلى بدعته الذي يجب كفّ شرّه عن الناس.

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]

المحور الخامس: الفرق بين إرادة الله الكونية ومحبته الشرعية، واختيار العبد

قال عمر بن عبد العزيز: «لو أراد الله ألّا يُعصى ما خلق إبليس، وهو رأس الخطيئة». وقال: «إن في ذلك لعلمًا من كتاب الله، جهله من جهله وعرفه من عرفه». وشرح الشيخ أن وجود إبليس يعني وجود الشر والمعاصي والذنوب، وأن الله علم ذلك في الأزل وكتبه على أهله قبل أن يخلقهم. لكنه سبحانه لا يحب المعصية ولا يرضاها لعباده، قال تعالى:

﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7]

وضرب الشيخ مثلًا للتقريب: قد يعلم الأب أن ولده إذا خرج من البيت سيرتكب معصية، ولا يلزم من علمه أنه راضٍ بها. فعِلْمُ الله وكتابته شيء، ومحبته ورضاه شيء آخر.

ومن خطبة عمر يوم الجمعة: «أيها الناس، من عمل منكم خيرًا فليحمد الله، ومن أساء فليستغفر الله، ثم إن عاد فليستغفر الله، فإنه لا بد لأقوام أن يعملوا أعمالًا وضعها الله في رقابهم وكتبها عليهم». فالإحسان فضل الله وتوفيقه، لا بقوة العبد ولا بماله، والإساءة من النفس.

وبيّن الشيخ أن الله أوضح السبيل وبيّن الطريق، فجعل للعبد إرادةً واختيارًا، لكنهما واقعان وَفق علم الله، ولا يكون في كونه إلا ما يريد. ومثّل لذلك بمرتكب الفاحشة: فهو يعلم أنها حرام ورذيلة، ثم يذهب إليها ويتفق عليها باختياره، والله قد علم ذلك منه وكتبه قبل أن يخلقه. فهو مسؤول عن فعله، ولا حجة له في القدر.

النقاط الرئيسية

  • الإيمان بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان، وإنكار علم الله السابق بالأشياء كفر.
  • كانت سيرة عمر بن عبد العزيز في القدرية استتابتهم، فإن تابوا وإلا أُقيم عليهم الحد، ووافقه على ذلك الإمام مالك.
  • احتج عمر على القدرية بآيات من الصافات والإنسان ويس، وكان يرى أن آية واحدة تكفي في الرد عليهم.
  • عاد غيلان الدمشقي إلى بدعته بعد إظهار التوبة، فصُلب في عهد هشام بن عبد الملك، فاستُجيبت دعوة عمر فيه.
  • رأى السلف أن فتنة الداعية إلى البدعة أخطر على الأمة من العدو الظاهر لأنه يُفسد على الناس دينهم.
  • المنهج النبوي البدءُ بالبيان والرفق، والتفريقُ بين الجاهل المخطئ والداعية المصرّ.
  • إرادة الله الكونية لا تستلزم محبته الشرعية، وللعبد اختيار حقيقي يقع وَفق علم الله ومشيئته.

الفوائد والعبر

  • نسبة الفضل إلى الله: إذا وُفّقت لطاعة فاحمد الله، فهي فضله وتوفيقه لا بقوتك. وإذا أسأت فاستغفر، ثم إن عدت فاستغفر.
  • الصدق مع الله في التوبة: التوبة الظاهرة دون صدق الباطن لا تنفع صاحبها، والله مطّلع على السرائر. وقد يجعل الله الكاذب آيةً لغيره.
  • لا احتجاج بالقدر على المعاصي: العبد مختار ومسؤول عن عمله، والله بيّن له طريق الخير وطريق الشر، فلا يصح أن يجعل القدر عذرًا لذنوبه.
  • الرفق والتعليم في الدعوة: يحسن بطالب العلم والداعية أن يبدأ مع المخالف بالبيان والرفق قبل الحكم عليه، اقتداءً بعمر بن عبد العزيز رحمه الله.
  • الاحتراز من أهل البدع: ينبغي الحذر ممن يتخذ بدعته دينًا يدعو إليه، وحماية العقيدة من الشبهات، وتعظيم نصوص الكتاب والسنة ورد كل نزاع إليها.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات