شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (9) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع من سلسلة شرح كتاب «الفروق» (أنوار البروق في أنواء الفروق) للعلامة أبي العباس شهاب الدين القرافي رحمه الله، ويقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويواصل الشيخ فيه الكلام على المسائل الثماني المتعلقة بالفرق بين الشرط اللغوي والشروط الشرعية والعقلية والعادية. ويتناول المجلس المسألة الثانية منها، وهي مسألة دقيقة في الفقه والأصول: هل يجوز أن يتقدم الحكم على شرطه أو على سببه؟ ومن صورها أن يقول الرجل لامرأته: «أنتِ طالقٌ اليوم إن كلمتُ فلانًا غدًا»، أو «أنتِ طالقٌ قبل قدوم زيد بشهر»، أو «أنتِ طالقٌ بالأمس».
وتظهر أهمية هذا الدرس في أنه يجمع بين النظر الفقهي المقارن والتأصيل القواعدي. فهو يعرض أقوال أئمة المالكية والشافعية والحنفية، ثم يعرض تعقبات ابن الشاط على القرافي. وبعد ذلك يبني القرافي المسألة على ثلاث قواعد كلية، لها أثر بالغ في أبواب الطلاق والعتق والمواريث والصيام والبيوع.
ويرجى أن يخرج المتعلم من هذا المجلس بفهم واضح للأمور الآتية:
- الفرق بين الأسباب التي قدّرها الشارع والأسباب التي وكلها إلى اختيار المكلف.
- قاعدة «المقدرات لا تنافي المحققات».
- وجوب تأخر الحكم عن سببه وشرطه.
- التمييز بين الفقه العملي النافع والافتراضات الجدلية التي لا يحتاج إليها الناس.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الافتتاح بخطبة الحاجة والتذكير بالتقوى
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح بها خطبه، وفيها آيات الأمر بالتقوى. ثم دعا للحاضرين بالعلم النافع والعمل الصالح وحسن الخاتمة، وأن يجنبهم الله الفتن ما ظهر منها وما بطن. وفي ذلك تنبيه إلى أن طلب العلم عبادة تُبنى على تقوى الله وإخلاص النية.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
وجاء في خطبة الحاجة قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
المحور الثاني: صور المسألة وأقوال الفقهاء في تقدم الحكم على شرطه
أقوال المالكية: نقل القرافي عن الإمام اللخمي في «التبصرة» (وهي تعليقه على المدونة) مسألة من قال: «أنتِ طالقٌ اليوم إن كلمتُ فلانًا غدًا».
- قال ابن عبد الحكم: إن كلمه اليوم حنث، لاجتماع الشرط والمشروط في ظرف واحد. وإن كلمه غدًا لم يحنث، لفوات اليوم الذي عُلّق عليه الطلاق.
- وقيل: يلزمه الحنث إن كلمه غدًا، ويُقدَّر تقدم الطلاق.
- وعن ابن القاسم فيمن قال: «إن تزوجتكِ فأنتِ طالقٌ غدًا»: إن تزوجها قبل الغد طلقت، وإن تزوجها بعده لم تطلق، لفوات يوم الطلاق.
- وفي «عقد الجواهر» فيمن قال: «أنتِ طالقٌ يوم يقدم فلان» فقدم نصف النهار: تطلق من أول النهار.
- وذكر ابن يونس أن قول ابن عبد الحكم مخالف لأصل مالك، وأن المشهور في المذهب هو اللزوم.
أقوال الشافعية: نقل القرافي عن الإمام الغزالي في «الوسيط» مسألة من قال: «أنتِ طالقٌ بالأمس» وقصد إيقاعه في الأمس، وفيها قولان:
- لا يقع شيء، لأن الحكم المستنبط من الكلام لا يتقدم على الكلام.
- يقع في الحال، فيسقط المتعذر وهو الإيقاع في الأمس، ويثبت الممكن وهو الوقوع الآن.
ومثّل الشيخ لذلك بأمثلة قريبة: فمن حدّث نفسه بالطلاق ولم يتلفظ به لم يقع طلاقه. ومن لم يكبّر تكبيرة الإحرام لم يدخل في الصلاة. فالحكم تابع للتلفظ ولا يسبقه.
مسألة «أنتِ طالقٌ قبل موت فلان بشهر»: إن مات فلان قبل مضي شهر لم يقع الطلاق، وإن مات بعد مضي شهر تبيّن وقوعه. وفرّق أبو حنيفة بين الموت وبين الدخول والقدوم، وعدّ المالكيةُ ذلك تحكّمًا. ونقل القرافي عن الشيرازي في «المهذب» (الذي شرحه النووي في «المجموع») أن من قال: «إن قدم زيد فأنتِ طالقٌ ثلاثًا قبل قدومه بشهر»، ثم خالعها، ثم قدم زيد، بطل الخلع لتبيّن وقوع الثلاث قبله. ويلزم على هذا القول أمران:
- أن العدة تُحسب من حين وقوع الطلاق المتقدم.
- أن الزوج يرجع عليها بالنفقة.
وقد اعترض القرافي على ذلك بأن الأمة مجمعة على أنها زوجة مستقرة مباحة الوطء إلى حين قدوم زيد، فكيف تكون مطلّقة قبل ذلك بشهر؟
المحور الثالث: تعقيب الشيخ وتعقبات ابن الشاط
نبّه الشيخ إلى أن كثيرًا من هذه الصور افتراضات جدلية وتعمقات فلسفية، شغلت الفقهاء حينًا من الدهر، حتى صار الفقه عند بعضهم مادة للتعقيد والتشديد بدل التيسير. ومع ذلك يُعتذر للعلماء بأن بعض هذه الصور كانت تُعرض عليهم فعلًا، وكان بعض الناس يتلفظون بمثلها.
وأما ابن الشاط فقد رأى أن الحق في المسألة هو وقوع الطلاق متقدّمًا على القدوم الذي جُعل شرطًا. ورأى كذلك أن قولهم «حكم الله لا يتقدم عليه» لا يتم، وأن قياس المسألة على قوله «أنتِ طالقٌ أمس» لا يصح. لكنه لم يسلّم بالإجماع الذي حكاه القرافي على إباحة الوطء إلى حين القدوم، بل رأى أنها تحرم في تلك المدة لاحتمال وقوع الشرط:
- فإن قدم زيد تبيّن أن تحريمها كان بسبب الطلاق.
- وإن لم يقدم تبيّن أن تحريمها كان بسبب الإشكال والاحتمال.
وشبّه ذلك باختلاط المنكوحة بالأجنبية: فالأجنبية تحرم لأنها أجنبية، والمنكوحة تحرم بسبب الاختلاط.
المحور الرابع: القاعدتان الأولى والثانية عند القرافي
القاعدة الأولى: الأسباب الشرعية قسمان.
- قسم قدّره الله تعالى في أصل الشرع، فلا يملك أحد فيه زيادة ولا نقصًا. ومن أمثلته: الهلال سببًا لوجوب الصيام، وأوقات الصلوات، والملك في الرقيق والبهائم سببًا لوجوب النفقة، وعقود البيع والهبة والصدقة سببًا لإنشاء الملك.
- قسم وكله الله إلى اختيار المكلف، فإن شاء جعله سببًا وإن شاء لم يجعله. وطريقه الوحيد هو التعليق، كقوله: «إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق»، و«إن قدم زيد فأنتِ طالق». فالمكلف هو الذي يحدد المسبَّب من طلاق أو عتق، ويحدد مقداره، وقُرب الزمان أو بُعده.
وقد صحّح ابن الشاط هذه القاعدة، واستدرك على قول القرافي «لو قال: جعلته سببًا من غير تعليق لم ينفذ»، فقال: إن هذا يجري على مذهب الشافعية في تعيين الألفاظ، لا على مذهب المالكية الذين لا يشترطون تعيينها.
القاعدة الثانية: المقدرات لا تنافي المحققات. ومعناها أن الشيء قد يكون موجودًا حقيقة معدومًا حكمًا، وقد يكون العكس، ولا تنافي بين الأمرين. ومن أمثلتها:
- رد الأمة بالعيب: إذا رُدّت الأمة بعيب بعد وطئها، فالعقد يُقدَّر منفسخًا من أصله، مع أن الإباحة والوطء وقعا حقيقة، ورفع الواقع محال.
- قربات الكفار والمرتدين: هي موجودة حقيقة معدومة حكمًا. وقد قيّد ابن الشاط ذلك بقربات المرتد التي فعلها حال إسلامه.
- النية في الصلاة والإيمان والإخلاص: هي موجودة حكمًا وإن عُدمت حقيقة بالغفلة.
- قول القائل «أعتق عبدك عني»: يُقدَّر دخول العبد في ملك الآمر زمنًا فردًا قبل عتقه، ليثبت له العتق والولاء.
- دية الخطأ: تورث عن المقتول بتقدير ملكه لها قبل موته. وخالف ابن الشاط فرأى أنه يملكها تحقيقًا عند إنفاذ مقاتله، وقد رجّح الشيخ كلام القرافي في هذه المسألة.
- صوم التطوع بنية من النهار: تُقدَّر النية من الفجر، مع أن الواقع خلاف ذلك.
وقد أحال القرافي في بسط هذه القاعدة على كتابه «الأمنية في إدراك النية».
المحور الخامس: القاعدة الثالثة: تأخر الحكم عن سببه وشرطه
قرر القرافي أن الحكم يجب أن يتأخر عن شرطه كما يجب أن يتأخر عن سببه، وأن من فرّق بينهما فقد خالف الإجماع. ومثّل الشيخ لذلك بالصلاة: فلا تصح الصلاة إلا بعد تحقق الطهارة. فمن صلى بغير وضوء ولا تيمم، مع وجود الماء والتراب وعدم المانع، فصلاته باطلة، لأن الشرط يجب أن يتقدم على المشروط.
وعقّب ابن الشاط بأن ربط الحكم بسببه وشرطه من باب الحكم الوضعي لا التكليفي. والأمور الوضعية لا يلزم فيها وجه واحد على التعيين، فلو جعل الشارع الحكم مقارنًا لسببه، أو متقدمًا عليه، أو متأخرًا عنه، لكان ذلك جائزًا. غير أن الواقع فيما علمه هو تأخر الحكم عن سببه وشرطه. وبهذا يتضح الفرق بين ما هو لازم عقلًا وما هو مقرر بالوضع الشرعي.
النقاط الرئيسية
- المسألة الثانية من مسائل الفرق بين الشرط اللغوي وغيره تدور على حكم تقدم الحكم على شرطه، كقول الرجل: «أنتِ طالقٌ اليوم إن كلمتُ فلانًا غدًا».
- اختلف المالكية في هذه المسألة: فابن عبد الحكم لا يرى الحنث بالكلام غدًا، والمشهور عند غيره هو اللزوم مع تقدير تقدم الطلاق.
- حكى الغزالي في قول القائل «أنتِ طالقٌ أمس» قولين: عدم الوقوع، والوقوع في الحال.
- الأسباب الشرعية قسمان: قسم قدّره الشارع فلا يُزاد فيه ولا يُنقص، وقسم وكله إلى المكلف ويكون بطريق التعليق.
- قاعدة «المقدرات لا تنافي المحققات» أصل جامع، يشمل رد المعيب، والعتق عن الغير، وإرث الدية، ونية صوم التطوع.
- الحكم يتأخر عن سببه وشرطه، وهو حكم وضعي بحسب ما قرره ابن الشاط.
- كثير من الافتراضات الفقهية من قبيل الجدل الذي لا ينفع عملًا، مع الاعتذار للعلماء الذين عُرضت عليهم.
الفوائد والعبر
- الحذر من التلاعب بألفاظ الطلاق: ينبغي للمسلم أن يصون لسانه عن ألفاظ الطلاق والتعليقات المعقدة، فهي سبب للحرج والخلاف، وقد تؤدي إلى تحريم الزوجة.
- الأحكام مرتبطة بالألفاظ لا بحديث النفس: من حدّث نفسه بطلاق أو غيره ولم يتلفظ به لم يلزمه شيء، وهذا من تيسير الشريعة.
- قيمة التقعيد الفقهي: فهم القواعد الكلية، كقاعدة «المقدرات لا تنافي المحققات»، يعين طالب العلم على ضبط الفروع المتفرقة في أبواب مختلفة.
- الاشتغال بالفقه النافع: ينبغي لطالب العلم أن يعتني بما يحتاج إليه الناس، ويتجنب الإغراق في الافتراضات الجدلية التي تحوّل الفقه من التيسير إلى التعسير.
- أدب الخلاف والإنصاف: عرض أقوال القرافي وابن الشاط وأئمة المذاهب، وترجيح الأقوى منها بالدليل، يربي في المتعلم الإنصاف واحترام العلماء مع النقد العلمي الرصين.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات