EGشرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (16) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .

3,322 مشاهدة
178 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس عشر من شرح كتاب «الفروق» للعلامة أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وموضوعه الفرق السادس والعشرون، وهو الفرق بين قاعدة خطاب التكليف وقاعدة خطاب الوضع، أي بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي. ويصف الإمام القرافي هذا الفرق بأنه «عظيم القدر جليل الخطر»، لأن تحقيقه يحلّ إشكالات كثيرة تختلف فيها أنظار أهل العلم، مثل السؤال: هل هذا الأمر واجب أم ركن؟ وهل تبطل العبادة بتركه، أم تصح مع الإثم؟

ويعرض الشيخ في هذا المجلس تعريف كل من الخطابين وأقسامه، ويقف عند ما يُشترط في خطاب التكليف من العلم والقدرة والكسب ولا يُشترط في خطاب الوضع. ثم يذكر القاعدتين اللتين استثناهما القرافي من خطاب الوضع، ويورد تعقيبات ابن الشاط على كلام القرافي، ويبيّن مواضع اجتماع الخطابين وانفراد كل منهما.

والغاية من هذا الدرس أن يفهم طالب العلم الأحكام الشرعية وأقسامها فهمًا دقيقًا، وأن يعرف أثر النية والقصد في نقل المباح إلى غيره من الأحكام، وأن يدرك كيف ترتبط الأحكام بأسبابها وشروطها وموانعها، وكيف يستعمل ذلك في فروع الفقه في العبادات والمعاملات والجنايات.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حقيقة خطاب التكليف وأقسامه الخمسة

خطاب التكليف في اصطلاح العلماء هو الأحكام الخمسة: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة. ويذكر القرافي أن هذه اللفظة في أصلها لا تُطلق إلا على الوجوب والتحريم، لأنها مشتقة من الكُلفة، والكلفة لا توجد إلا فيهما، إذ يُحمل المكلف فيهما على الفعل أو الترك خوفًا من العقاب. ثم قال إن جماعة توسّعوا فأطلقوها على الخمسة جميعًا من باب التغليب.

وبيّن الشيخ أن الأمر يتوقف على تعريف التكليف. فإن عُرّف بأنه «إلزام ما فيه مشقة» لم يدخل فيه إلا الوجوب والتحريم. وإن عُرّف بأنه «طلب ما فيه مشقة» دخل فيه الطلب الجازم وغير الجازم، فعلًا كان أو تركًا، فيشمل الوجوب والندب والتحريم والكراهة. ومثّل للمشقة اليسيرة في الواجبات بالقيام لصلاة الفجر، والوضوء بالماء البارد، وترك شهوات النفس لله تعالى.

ثم تعقّب الشيخ القول بالتغليب، ورأى أن الصواب أن هذه الأحكام تتحول بالنية والقصد. ومثّل لذلك بأكل اللحم، فهو مباح في أصله. فإن أكله ليتقوّى على قيام الليل كان مندوبًا، وإن أكله لحفظ نفسه أو لأنه وُصف له علاجًا كان واجبًا، وإن أكله ليفتخر بجسده كان مكروهًا، وإن أكله ليتقوّى به على فاحشة كان محرّمًا. ومثّل أيضًا بالأذان على القول باستحبابه: لو اتفقت طائفة على تركه لقاتلها الإمام، فقد كان النبي ﷺ إذا سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار.

المحور الثاني: حقيقة خطاب الوضع وأنواعه

خطاب الوضع هو الخطاب بنصب الأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية:

  • الأسباب: كزوال الشمس سببًا لوجوب صلاة الظهر، ورؤية الهلال سببًا لوجوب صيام رمضان.
  • الشروط: كحولان الحول في الزكاة بعد ملك النصاب، والطهارة في الصلاة.
  • الموانع: كالحيض مانعًا من الصلاة، والقتل مانعًا من الميراث، فالقاتل لا يرث.

أما التقادير الشرعية فهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو إعطاء المعدوم حكم الموجود. ومن أمثلة الأول: تقدير ارتفاع العقد من أصله عند الرد بالعيب على أحد القولين، وتقدير النجاسة في حكم العدم في مواضع الضرورة، كدم البراغيث، وموضع الحدث في المخرجين بعد الاستنجاء من الخارج، فيُحكم بطهارة الباطن دون غسله رفعًا للمشقة.

ومن أمثلة الثاني: تقدير الملك لمن قال لغيره «أعتق عبدك عني» لتثبت له الكفارة والولاء، وتقدير ملك المقتول خطأً للدية قبل موته ليصح فيها الإرث. وقد اعترض ابن الشاط على هذين المثالين، والشيخ يرى أن لكلام القرافي حظًّا من النظر والقبول. ونبّه القرافي إلى أنه لا يكاد باب من أبواب الفقه يخلو من التقدير، وأن الشرع لا يأتي بما يخالف العقل.

المحور الثالث: شروط خطاب التكليف وعدم اشتراطها في خطاب الوضع

يُشترط في خطاب التكليف علم المكلف بما كُلّف به، وقدرته على الفعل، وأن يكون الفعل من كسبه. فمن قُطعت يده من المرفق سقط عنه غسل ما لا وجود له، ومن كان الماء يزيد مرضه لم يُكلَّف باستعماله. والأصل في ذلك قول الله تعالى:

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

أما خطاب الوضع فلا يُشترط فيه ذلك. ولهذا يرث الإنسان بالنسب والولاء ولو لم يعلم بهما، ويدخل العبد الموروث في ملكه، ويعتق عليه إن كان ممن يعتق عليه وإن كان غافلًا عن ذلك. ويقع الطلاق بسبب الإضرار والإعسار مع أنهما قد يكونان خارجين عن قدرة الزوج. ويُضمن ما أتلفه الصبيان والمجانين، كالصبي يكسر زجاج سيارة فيلزم وليَّه أن يعوّض صاحبها.

ومعنى خطاب الوضع أن يقول الشارع: اعلموا أنه متى وُجد كذا وجب كذا، أو حرم كذا، أو نُدب كذا، وهذا في السبب. أو يقول: متى وُجد كذا انتفى كذا، وهذا في المانع، ومتى عُدم كذا انتفى كذا، وهذا في الشرط. فهو علامة نصبها الشارع على وجود الحكم أو عدمه.

المحور الرابع: القاعدتان المستثناتان من خطاب الوضع

القاعدة الأولى: الأسباب التي هي أسباب للعقوبات، وهي الجنايات، كالقتل الموجب للقصاص والزنا الموجب للحد. فهذه يُشترط فيها القدرة والعلم والقصد، ولذلك لا قصاص في قتل الخطأ، ولا حد على المكره، ولا على من وطئ امرأة يظنها زوجته. فالشارع رحمةً منه ولطفًا لا يعاقب من لم يقصد الفساد وكان قلبه منطويًا على العفة والطاعة.

القاعدة الثانية: أسباب انتقال الأملاك، كالبيع والهبة والوصية والصدقة والوقف والإجارة والقراض والمساقاة. فمن باع وهو لا يعلم أن هذا اللفظ يوجب انتقال الملك، لكونه أعجميًّا أو حديث عهد ببلاد الإسلام، لم يلزمه البيع. وكذلك من أُكره على البيع. والسر في هذا الاستثناء قول النبي ﷺ:

«لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»

فالأموال مصونة، والرضا لا يتحقق إلا مع الشعور والإرادة والتمكن من التصرف. وقد عقّب ابن الشاط على القاعدتين بأنهما ليستا استثناءً من خطاب الوضع، وإنما اجتمع فيهما الخطابان، فجاء اشتراط العلم والقدرة من جهة خطاب التكليف لا من جهة خطاب الوضع. واستدل بأن اشتراط ذلك في خطاب التكليف مناسب ومطّرد، وأنه في خطاب الوضع غير مناسب ولا مطّرد، كزوال الشمس وسائر الأسباب التي ليست من فعل المكلف.

المحور الخامس: اجتماع الخطابين وانفراد كل منهما، ومسألة إتلاف الصبي

قد يجتمع الخطابان في شيء واحد، كالزنا والسرقة: فهما من جهة التحريم خطاب تكليف، ومن جهة كونهما سببًا للحد والقطع خطاب وضع. ومثلهما البيع وسائر العقود، فهي من جهة حكمها، إباحةً أو ندبًا أو وجوبًا أو تحريمًا، خطاب تكليف، ومن جهة كونها سببًا لانتقال الملك خطاب وضع.

وقد ينفرد خطاب الوضع، كالزوال ورؤية الهلال ودوران الحول، فليس فيها أمر ولا نهي، وإنما هي أمور كونية يدبّرها رب العالمين سبحانه. وقد ينفرد خطاب التكليف، كأداء الواجبات واجتناب المحرمات، فهذه لم يجعلها الشارع سببًا لفعل آخر يؤمر به المكلف أو يُنهى عنه، وإن كانت سببًا لبراءة الذمة وحصول الثواب، لأن هذه ليست من أفعال المكلف.

ثم ذكر القرافي مسألة الصبي إذا أتلف مالًا لغيره: يجب على وليه أن يُخرج العوض من مال الصبي، لأن الإتلاف سبب للضمان وهو من خطاب الوضع. فإن لم يُخرج حتى بلغ الصبي وجب عليه هو أن يُخرجه بعد بلوغه، فيكون السبب قد وقع في الصغر وتأخر أثره إلى ما بعد البلوغ. ثم شرع في بيان ما يقتضيه ذلك في بيعه ونكاحه وطلاقه.

النقاط الرئيسية

  • خطاب التكليف هو الأحكام الخمسة: الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة.
  • إن عُرّف التكليف بأنه «إلزام» لم يشمل إلا الوجوب والتحريم، وإن عُرّف بأنه «طلب» شمل الأربعة، والراجح عند الشيخ أن المباح يدخل لأنه ينتقل بالنية والقصد إلى غيره من الأحكام.
  • خطاب الوضع هو نصب الأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية.
  • التقادير الشرعية إعطاء الموجود حكم المعدوم أو المعدوم حكم الموجود، ولا يكاد يخلو منها باب من أبواب الفقه.
  • يُشترط في خطاب التكليف العلم والقدرة والكسب، ولا يُشترط ذلك في خطاب الوضع، ولهذا يضمن الصبي والمجنون ما أتلفاه.
  • استثنى القرافي من خطاب الوضع أسباب العقوبات وأسباب انتقال الأملاك، ويرى ابن الشاط أنهما ليستا استثناءً، وإنما اجتمع فيهما الخطابان.
  • يجتمع الخطابان في نحو الزنا والسرقة والبيع، وينفرد خطاب الوضع في نحو الزوال، وينفرد خطاب التكليف في نحو أداء الواجبات.

الفوائد والعبر

  • النية الصالحة تحوّل العادات المباحة، كالأكل والنوم، إلى عبادات يؤجر عليها المسلم، فينبغي أن يستحضرها في شؤونه كلها.
  • الشريعة مبنية على الرحمة ورفع الحرج، فلا تكلّف بما لا يُعلم ولا بما لا يُستطاع، ولا تعاقب من لم يقصد الفساد.
  • الأموال مصونة في الإسلام، فلا يحل أخذ شيء منها إلا بطيب نفس صاحبه، وهذا أصل عظيم في المعاملات.
  • على الأولياء أن ينتبهوا لما يتلفه أبناؤهم الصغار، لأن ضمان المتلفات لازم ولو صدرت ممن لا تكليف عليه.
  • معرفة الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي تعين طالب العلم على فهم الخلاف الفقهي وعلى التمييز بين ما يُبطل العبادة وما يوجب الإثم فقط.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات