شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (12) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني عشر من مجالس شرح كتاب «الفروق» (أنوار البروق في أنواء الفروق) للعلامة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وكتاب الفروق من أنفس ما صُنّف في علم القواعد الفقهية والأصولية. وغايته تمييز القواعد المتشابهة بعضها من بعض، وبيان المآخذ الدقيقة التي تفترق بها الأحكام، وهذا يربّي في طالب العلم ملكة النظر الفقهي والتحقيق.
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم دعا للحاضرين بالعلم النافع والعمل الصالح وحسن الختام. ثم شرع في الفرق الخامس، وهو الفرق بين قاعدتي الشرط والاستثناء في الشريعة ولسان العرب. وتناول بعده مسائل في الفرق بين السبب والشرط وأجزاء العلة، والفرق بين الشرط وعدم المانع وأثر الشك فيهما، ثم الفرق بين توالي أجزاء المشروط مع الشرط وتوالي المسببات مع الأسباب، وختم بمطلع الفرق الثاني عشر في الترتيب الزمني.
ويهدف هذا الدرس إلى تمكين المشاهد من التمييز بين الأدوات الشرطية والاستثنائية وأثرهما في الأحكام. ويعينه كذلك على فهم الأسباب والشروط والموانع وما بينها من فروق دقيقة، وعلى إدراك أثر القواعد في فروع الطلاق والظهار والطهارة والإرث، مع ربط ذلك بأمثلة عملية قريبة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الفرق بين قاعدتي الشرط والاستثناء
بيّن الإمام القرافي أن الشرط والاستثناء يجتمعان في أن كلًّا منهما فضلة في الكلام، أي يجوز الاستغناء عنه ويتم الكلام بدونه. ومع ذلك يفترقان في أحكام عدة. الفرق الأول أن الشرط لا يجوز تأخير النطق به في الزمان، أما الاستثناء فعلى قولٍ من الأقوال يجوز تأخيره عن الكلام.
الفرق الثاني أن استثناء الكل من الكل لا يجوز بإجماع أهل الشرع واللغة، كقول القائل: «له عندي عشرة إلا عشرة»، فهذا كلام صحيح في تركيبه اللغوي باطل في معناه، ويُعدّ صاحبه مقدمًا على الهذر من القول. أما الشرط فيجوز أن يُبطل جميع الكلام، كقوله لنسائه: «أنتنّ طوالق إن دخلتنّ الدار»، فإن لم تدخل واحدة منهن بطل الطلاق فيهن جميعًا. وإن دخلت إحداهن وامتنعت الأخرى ثبت الحكم في البعض وبطل في البعض.
الفرق الثالث أن الشرط يعمّ جميع الجمل المنطوق بها، بخلاف الاستثناء، فإنه على أحد الأقوال يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط. ومثاله: «أكرم بني تميم، وأكرم القوم، واخلع عليهم إن أطاعوا الله».
وعلّة هذه الفروق أن الشروط اللغوية أسباب، والسبب متضمّن لمقصد المتكلم والمصلحة التي من أجلها نُصب شرطًا. والمقاصد من شأنها أن يُعجَّل بالنطق بها وأن تعمّ الجمل كلها تكثيرًا للمصلحة. أما الاستثناء فهو إخراج لما ليس بمراد مما هو مراد، فإذا أبطل الكلام كله صار لغوًا لا فائدة فيه.
المحور الثاني: التمييز بين السبب والشرط وأجزاء العلة
تناول الشرح إشكالًا أصوليًّا دقيقًا: إذا توقف الحكم على أمرين وانتفى بانتفاء كل واحد منهما، فبأي طريق نعلم أن أحدهما سبب والآخر شرط؟ ومثاله وجوب الزكاة عند ملك النصاب وحولان الحول، فلماذا جُعل النصاب سببًا والحول شرطًا، ولم يُجعل الجميع علة واحدة؟
والجواب عند القرافي أن الشرط مناسبته في غيره، فالحول يكمّل حكمة النصاب ولا يتضمن هو في ذاته معنى الغنى. أما جزء العلة فمناسبته في نفسه، كأجزاء النصاب، فكل جزء منها مشتمل على شيء من معنى الغنى الموجب للزكاة.
ومثّل الشيخ لأجزاء العلة بوجوب القصاص في القتل العمد العدوان، ووضّح بالأمثلة كيف يختلف الحكم إذا تخلف وصف من الأوصاف. فمن قصد قتل شخص فأصاب غيره، أو قصد الاعتداء دون القتل فرمى بحصاة صغيرة فمات المرمي، خرج فعله عن العمد المحض. وهذا يبيّن أن العلة قد تكون مركبة من أوصاف مجتمعة لا يستقل كل منها بالحكم.
المحور الثالث: المانع وأثره ابتداءً ودوامًا
عرض الشرح مسائل في الموانع الشرعية وأنها قد تمنع ابتداء الحكم ودوامه معًا. ومثال ذلك الرضاع المحرِّم، فهو يمنع ابتداء النكاح، ويقطع استمراره إذا طرأ عليه، كمن تزوج صغيرة في المهد ثم أرضعتها أمه فصارت أخته، فيبطل النكاح.
ومن الموانع ما يمنع الابتداء فقط ويختلف في أثره على الدوام، كالإحرام بالنسبة لوضع اليد على الصيد. فمن كان الصيد في يده حال الحِلّ ثم طرأ عليه الإحرام، فهذا موضع نظر في أثر المانع الطارئ.
المحور الرابع: الفرق بين الشرط وعدم المانع وأثر الشك فيهما
قرر القرافي القاعدة المجمع عليها: «كلُّ مشكوكٍ فيه يُجعَل كالمعدوم الذي يُجزَم بعدمه». ثم بيّن أن الشك في الشرط يمنع ترتب الحكم، كمن شك في الطهارة فلا يصلي. أما الشك في المانع فلا يمنع ترتب الحكم، كمن شككنا في كفره قبل موته، فإنا نورّث منه استصحابًا للأصل، لأن المانع المشكوك فيه يُلغى.
ثم أورد مسألة الشك في الحدث بعد تيقن الطهارة، وهي من المسائل المستثناة من القاعدة. فمذهب مالك اعتبر الشك في الطهارة، ومذهب الشافعي اعتبر الشك في الصلاة التي هي سبب براءة الذمة. ورجّح القرافي مذهب مالك بأن الطهارة من باب الوسائل والصلاة من باب المقاصد. وقد انعقد الإجماع على أن الوسائل أخفض رتبة من المقاصد، فكانت العناية بالصلاة أولى من رعاية الطهارة.
وعلّق الشيخ بأن مذهب مالك في هذه المسألة قد يبدو في ظاهره ضعيفًا، وأن القرافي وجّه ترجيحه باعتبار الوسائل والمقاصد. ثم بيّن الشيخ أن القرافي أراد إثبات فرق معنوي بين الشرط وعدم المانع، وهو أن الشك في عدم المانع يلزم منه الشك في وجوده، فيؤدي إلى الجمع بين النقيضين، بخلاف الشك في الشرط. ورأى الشيخ أن الخلاف في حقيقته أقرب إلى أن يكون لفظيًّا.
المحور الخامس: توالي المشروطات مع الشرط وتوالي المسببات مع الأسباب، والترتيب الزمني
في الفرق الحادي عشر بيّن القرافي أن من قال: «إن تزوجتكِ فأنتِ طالق، وأنتِ عليَّ كظهر أمي» ثم تزوجها، لزمه الطلاق والظهار معًا. والعلة أن الشرط اقتضاهما اقتضاءً واحدًا فلا ترتيب بينهما.
أما من قال لزوجته: «أنتِ طالق ثلاثًا، وأنتِ عليَّ كظهر أمي»، فلا يلزمه الظهار. والعلة أن سبب التحريم، وهو الطلاق الثلاث، تقدّم فحرّمها عليه، فلا يرد الظهار على محل قابل له. فالمسببات تترتب بترتب أسبابها، فإذا حرّم الأول المحلَّ منع وقوع الثاني لعدم فائدته.
ثم شرع في الفرق الثاني عشر بين قاعدتي الترتيب بالحقيقة الزمنية وغيره. وبيّن أن ترتيب أجزاء الزمان يقتضي ترتيب الأقوال والأفعال الواقعة فيها عقلًا لا بوضع لغوي، ومثّل لذلك بترتيب الصلوات الخمس في اليوم الواحد. فالواقع في الحاضر متأخر عن الماضي ومتقدم على المستقبل.
النقاط الرئيسية
- الشرط والاستثناء كلاهما فضلة في الكلام، ويفترقان في جواز التأخير، وفي إبطال جميع المنطوق، وفي عموم الجمل.
- استثناء الكل من الكل باطل بالإجماع لأنه لغو، أما الشرط فيجوز أن يُبطل الكلام كله إذا لم يتحقق.
- الشروط اللغوية أسباب متضمنة لمقصد المتكلم، ولذلك وجب تعجيلها وعمّت جميع الجمل.
- الشرط مناسبته في غيره، كالحول مع النصاب، وجزء العلة مناسبته في نفسه.
- قاعدة: «كل مشكوك فيه يُجعل كالمعدوم»، فالشك في الشرط يمنع الحكم، والشك في المانع لا يمنعه.
- الوسائل أخفض رتبة من المقاصد بالإجماع، وعليه بنى القرافي ترجيح مذهب مالك في الشك في الحدث.
- المسببات تترتب بترتب أسبابها، بخلاف المشروطات المعلقة على شرط واحد فإنها تقع معًا.
الفوائد والعبر
- ينبغي للمسلم أن يتحرى الدقة في ألفاظ الطلاق والظهار والإقرار، لأن صيغة الشرط أو الاستثناء أو الترتيب تغيّر الحكم الشرعي تغييرًا جوهريًّا.
- دراسة الفروق الفقهية تربّي في طالب العلم ملكة التمييز بين المتشابهات، وتحميه من الخلط بين الأحكام.
- قاعدة إلغاء المشكوك فيه واستصحاب الأصل تدفع الوسوسة في العبادات والمعاملات وتحقق الطمأنينة.
- تقديم المقاصد على الوسائل عند التعارض أصل نافع في ترتيب الأولويات في الدين والحياة.
- من أدب طالب العلم أن يعرض أقوال الأئمة بإنصاف، ويفهم مآخذهم وتوجيهاتهم قبل الترجيح، كما فعل الشيخ في تعليقه على ترجيح القرافي.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات