شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (2) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني من مجالس شرح كتاب «الفروق» (أنوار البروق في أنواء الفروق) للعلامة أبي العباس شهاب الدين القرافي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس أول فرق افتتح به الإمام كتابه، وهو الفرق بين الشهادة والرواية. وهما بابان عظيمان، فالرواية يقوم عليها نقل السنة النبوية بل ونقل القرآن الكريم، والشهادة يقوم عليها إثبات الحقوق في الحدود والدماء والأموال وغيرها.
ويبيّن الشيخ سبب ابتداء القرافي بهذا الفرق دون غيره من أبواب الفقه أو الأصول أو العقيدة. فقد بقي الإمام نحو ثماني سنين يبحث عن حقيقة الفرق بينهما، ويسأل فضلاء أهل العلم فلا يجد جوابًا شافيًا، حتى فتح الله عليه بكلام الإمام المازري في «شرح البرهان». ويقف الشيخ عند هذا المثال ليبيّن ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من الصبر على البحث والتنقيب.
ومن أهداف هذا المجلس:
- فهم حقيقة الشهادة وحقيقة الرواية والتمييز بينهما.
- إدراك أن الشروط والأحكام لا تصلح تعريفًا للحقيقة، لأن ذلك يؤدي إلى الدور.
- معرفة أثر هذا التمييز في المسائل الفقهية المختلف فيها، كإثبات هلال رمضان.
- تعلّم منهج رد الخلافات إلى أصولها وتحرير المصطلحات قبل الحكم فيها.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: سبب ابتداء القرافي بالفرق بين الشهادة والرواية
لم يكن ابتداء القرافي بهذا الفرق ترتيبًا منهجيًا على أبواب الفقه أو الأصول. وإنما بدأ به لعظم ما لقي فيه من التعب، إذ قال رحمه الله: «إني أقمت أطلبه نحو ثمان سنين فلم أظفر به، وأسأل الفضلاء من أهل العلم عن الفرق بينهما وتحقيق ماهية كل واحد منهما». فأراد أن يتحف المسلمين بثمرة هذا الجهد الطويل.
ويلفت الشيخ إلى أن القرافي توفي سنة 684هـ، وعاش في زمن اجتياح التتار لبلاد المسلمين وسقوط الخلافة العباسية في بغداد. ومع ذلك لم يصرفه هذا الواقع العصيب عن البحث العلمي الدقيق. فقد كان العلماء يرون أن نصرة الدين تكون بتعليم المسلمين والأخذ بأيديهم إلى الاستقامة على أمر الله، حتى يغيّر الله ما بهم من سوء.
ويقارن الشيخ بين همة أولئك العلماء وما آل إليه حال كثير من طلبة العلم في هذا الزمان. فمسألة قد يراها بعضهم هيّنة لا قيمة لها، أفنى فيها إمام كبير ثماني سنوات من عمره.
المحور الثاني: التعريف بالشروط والأحكام يؤدي إلى الدور
كان جواب من سألهم القرافي أن الفرق بين الشهادة والرواية أن الشهادة يُشترط فيها العدد والذكورة والحرية، أما الرواية فتصح من الواحد والمرأة والعبد. فردّ عليهم بأن اشتراط ذلك فرع عن تصوّر الشهادة وتمييزها عن الرواية. فلو عُرّفت بأحكامها وآثارها التي لا تُعرف إلا بعد معرفتها للزم الدور.
والدور هو توقّف الشيء على ما يتوقف عليه. ويُمثّل له بمثال الدجاجة والبيضة: فالبيضة تتوقف على الدجاجة، والدجاجة تتوقف على البيضة. والشروط من لوازم الشهادة وآثارها، وليست بيانًا لحقيقتها.
وتظهر خطورة ذلك إذا وقعت حادثة غير منصوص عليها، إذ لا ندري حينئذ أهي من باب الشهادة فتُشترط فيها تلك الشروط، أم من باب الرواية فلا تُشترط. فصار تمييز الحقيقتين أمرًا ضروريًا لا بد منه.
المحور الثالث: ثمرة التمييز في المسائل الفقهية
من المسائل التي يظهر فيها أثر هذا الفرق:
- إثبات هلال رمضان دخولًا وخروجًا: هل يُكتفى فيه بشاهد واحد أم لا بد من شاهدين؟ وقد ذكر الفقهاء أن منشأ الخلاف هو: هل الذي يخبر برؤية الهلال يروي لنا ما رأى، أم يشهد به؟ فإن كان خبره رواية قُبل من الواحد، وإن كان شهادة فلا بد من اثنين.
- إخبار العدل للإمام بعدد ما صلى: كأن يلتبس الأمر على الإمام فيخبره المأموم بعدد الركعات. وقد أجرى الفقهاء فيه الخلاف نفسه.
وما لم تُتصوَّر حقيقة كل منهما، لا يُعلم اجتماع الشائبتين في هذه الفروع، ولا أيّهما أقوى حتى يُرجَّح مذهب القائل به. بل قد لا يكون في الفرع إلا إحدى الشائبتين، أو تكونان منتفيتين معًا، فيكون الفرع مخرّجًا على قاعدة أخرى. وبدون معرفة الحقيقة تبقى هذه الفروع، كما قال القرافي، «مظلمة ملتبسة».
ومن هنا فرّق الشيخ بين من يحفظ الفقه وبين «فقيه النفس». ففقيه النفس هو الذي جمع الأصول وصار قادرًا على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. أما من يقتصر على حفظ كتب الفقه فقد يكون مدرّسًا للفقه أو متفقهًا، لكنه لا يبلغ رتبة الفقيه.
المحور الرابع: تحرير المصطلحات ورد الخلاف إلى أصوله
يستفيد الشيخ من صنيع هذا الإمام الأصولي أن رد الخلافات إلى جذورها أمر بالغ الأهمية. والوصول إلى الحق يكون بالانطلاق من الأصول والقواعد، مع تحرير محل النزاع وتحرير المصطلحات. وإذا بقيت الألفاظ عائمة غير محددة، بقي الخلاف قائمًا بين الناس، ولم يتميز الحق من الباطل.
ويقرر الشيخ أن الاستدلال بالحديث يقوم على أصلين:
- الأصل الأول: ثبوت النص. فالقرآن ثابت قطعًا، أما الحديث فلا بد من التحقق من صحته. ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يستدل بحديث يعلم ضعفه، لا سيما في مسائل العقيدة والمنهج.
- الأصل الثاني: فهم النص. والمرجع فيه فهم سلف الأمة. فإذا اتفقوا على فهم لم يجز الخروج عنه، ومن خالفهم جميعًا فقد اتبع غير سبيل المؤمنين.
ويؤكد الشيخ أن الفتوى في القضايا العظيمة لا تكون إلا لمن شهد له أهل العلم بالأهلية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]
وقال تعالى في التحذير من التفرق: ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعًاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31-32]
المحور الخامس: الفتح العلمي بكلام الإمام المازري
بعد طول البحث، طالع القرافي «شرح البرهان» للإمام المازري، وهو الفقيه المحدث محمد بن علي بن عمر التميمي، المتوفى سنة 536هـ، ومن فحول المالكية ومقدَّميهم. فوجده قد حقق هذه القاعدة وميّز بين الأمرين من حيث حقيقتهما. فاتجه بذلك تخريج الفروع اتجاهًا حسنًا، وظهر أيّ الشبهين أقوى وأيّ القولين أرجح. وصار بالإمكان، إذا وُجد خلاف لم يُذكر سببه، أن يُخرَّج على وجود الشبهين، فيُشترط ما يُشترط ويُسقط ما يُسقط على بصيرة.
وخلاصة ما نقله عن المازري: أن الشهادة والرواية كلتيهما خبر، غير أن المخبَر عنه إن كان أمرًا عامًا لا يختص بمعيَّن فهو الرواية، وإن كان يختص بمعيَّن فهو الشهادة.
ويستشهد الشيخ في فضل المجاهدة في الطلب بقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]
وافتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ومنها قوله ﷺ: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»
النقاط الرئيسية
- ابتدأ القرافي كتابه بالفرق بين الشهادة والرواية لأنه قضى في طلبه نحو ثماني سنين، لا لأنه ترتيب منهجي.
- الشهادة والرواية كلتاهما خبر، والمطلوب معرفة ماهية كل منهما، أي حقيقتها.
- تعريف الشهادة باشتراط العدد والذكورة والحرية تعريف باللوازم والآثار، ويلزم منه الدور.
- يظهر أثر هذا التمييز في مسائل كإثبات هلال رمضان، وإخبار العدل للإمام بعدد ما صلى.
- فقيه النفس هو القادر على الاستنباط من الأدلة التفصيلية، لا مجرد الحافظ لكتب الفقه.
- الاستدلال الصحيح يقوم على أصلين: ثبوت النص، ثم فهمه وفق فهم سلف الأمة.
- حقق الإمام المازري أن الخبر إن تعلق بأمر عام فهو رواية، وإن تعلق بمعيَّن فهو شهادة.
الفوائد والعبر
- الصبر على طلب العلم وطول البحث في المسألة الواحدة سبيل الأئمة، والفتح من الله لمن جاهد في سبيله.
- الفتن والمحن لا ينبغي أن تصرف عن العلم، فبالعلم تُصلح الأمة ويتغير واقعها.
- ينبغي تحرير المصطلحات ومحل النزاع قبل الخوض في أي خلاف، حتى يتميز الحق ويرتفع اللبس.
- لا يُستدل بحديث إلا بعد التثبت من صحته، ولا يُفهم النص إلا على فهم سلف الأمة.
- من التواضع العلمي أن يسأل المرء أهل العلم، ويطالع كتب من سبقه، وينسب الفضل إلى أهله كما فعل القرافي مع المازري.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات