شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (3) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثالث من شرح كتاب «الفروق» للإمام شهاب الدين القرافي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويكمل فيه الشيخ الكلام على واحد من أهم الفروق في الكتاب، وهو الفرق بين الشهادة والرواية. فقد يُخبر الإنسان بأمر فيُقبل قوله وحده، وقد يُشترط العدد في خبر آخر. ومعرفة الضابط الذي يفصل بين البابين تحلّ مسائل كثيرة في العبادات والمعاملات والقضاء.
ويعرض الشيخ في هذا الدرس مسائل تتردد بين الشهادة والرواية، وقد يدخل في بعضها شبه الحاكم أيضاً. ومن هذه المسائل: رؤية هلال رمضان، وإثبات النسب بالقيافة، وخبر المترجم، والمقوِّم للسلع، والمخبر بعدد ركعات الصلاة، والمخبر عن نجاسة الماء، والخارص والقاسم، والمؤذن، والدالّ على القبلة. ويذكر مع كل مسألة ما علّقه عليها ابن الشاط رحمه الله من تعقبات وترجيحات.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم كيف يبني الفقهاء خلافهم على أصول وقواعد منضبطة لا على الهوى، وأن يدرك أثر الضوابط الكلية في معرفة الفروع، وأن يقدر على إلحاق المسائل الجديدة بأشبه البابين بها.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: رؤية هلال رمضان بين الشهادة والرواية
بيّن الشيخ أن الخبر برؤية الهلال فيه شبهان. فهو يشبه الرواية من جهة أنه لا يختص بشخص معيّن، وحكمه عام على أهل البلد أو على المسلمين كلهم، وذلك على الخلاف في اعتبار اختلاف المطالع. والراجح، وهو قول الجمهور، أن الرؤية عامة للمسلمين. ويشبه الشهادة من جهة أنه يختص بهذا العام دون ما قبله وما بعده، وبأهل هذا الزمان دون غيرهم، ففيه خصوص.
ولاجتماع الشبهين وقع الخلاف. فمن جعله شهادة اشترط العدد، ومن جعله رواية اكتفى بالواحد. ورجّح ابن الشاط أنه من باب الرواية، فيُقبل فيه خبر الواحد كما هو قول جمهور العلماء. وعلّة ذلك أن الشهادة تكون في فصل القضاء بين المتخاصمين، وهو موضع تقع فيه العداوة والشحناء، وهذا المعنى غير موجود في الإخبار برؤية الهلال.
ونبّه الشيخ إلى أن العلماء إذا اختلفوا فإنما يختلفون وفق أصول يبنون عليها، وليس خلافهم ضرباً بلا قاعدة كما يفعل بعض أهل زماننا.
المحور الثاني: القائف وإثبات النسب
القائف هو من يُلحق النسب بالشبه في الخِلقة، كأن يقول: هذا الولد ابن هذا الرجل. وقد اختُلف فيه: أهو شاهد أم راوٍ؟ فهو يشبه الشهادة لأن حكمه يقع على شخص معيّن لا يتعداه، كقوله: زيد ابن عمرو لا ابن خالد. ويشبه الرواية لأنه لا يُنصَّب قبل ذلك تنصيباً خاصاً. ورأى ابن الشاط أن جانب الشهادة فيه ظاهر، وأن جانب الرواية فيه ضعيف.
واستدل الشيخ بحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها مسروراً تبرق أسارير وجهه، فقال: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ». وكانا قد غطّيا رأسيهما وبدت أقدامهما. وكان زيد أبيض اللون وأسامة أسود، فكان بعض الناس يطعن في نسبه، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بقول القائف.
ونقل الشيخ عن النووي في شرح مسلم أن القيافة لا تختص ببني مُدلج على الصحيح، وأنه يُشترط في القائف أن يكون خبيراً مجرَّباً. وأثنى القرافي على الإمام المازري رحمه الله لأنه حرّر الفرق بين الشهادة والرواية في كتابه «إيضاح المحصول من برهان الأصول». ولولا هذا التأصيل لصعب التمييز بين هذه المسائل، ولرجع الناس إلى التقليد المحض.
المحور الثالث: المترجم والمقوِّم والمخبر بعدد الصلاة
في المترجم للفتاوى والخطوط قال مالك: يكفي الواحد، وقيل: لا بد من اثنين. فهو يشبه الرواية لأنه منصوب للناس عامة، ويشبه الشهادة لأنه يخبر عن خطّ معيّن لا يتعداه.
أما المقوِّم للسلع ففيه ثلاثة أشباه: شبه الرواية، وشبه الشهادة، وشبه الحاكم لأن تقويمه يُنفَّذ. فإن تعلّق بتقويمه حدٌّ، كالقطع في السرقة، تعيّنت مراعاة الشهادة لأمرين: الأول خطر ما يترتب عليه من إباحة عضو آدمي معصوم، والثاني أن الخلاف في كونه رواية أو شهادة شبهةٌ يُدرأ بها الحد. وصحّح ابن الشاط أنه من نوع الشهادة، وهو المشهور عند المالكية والشافعية.
وأما المخبر للمصلّي بعدد ما صلّى، فشبه الحاكم فيه منتفٍ، لأن قضايا الحكام لا تدخل في العبادات. ويبقى فيه شبه الرواية لأن الحق فيه لله تعالى، وشبه الشهادة لأنه إلزام لمعيّن لا يتعداه. واختار القرافي جانب الشهادة، واستظهر ابن الشاط جانب الرواية.
المحور الرابع: المخبر عن النجاسة والخارص والقاسم والساعي
ذكر القرافي أن المخبر عن نجاسة الماء يشبه المفتي، والمفتي يكفي فيه الواحد بلا خلاف، لأنه ناقل عن الله تعالى ووارث للنبي صلى الله عليه وسلم في البلاغ. ثم بيّن فرقاً بينهما: المفتي يخبر عن حكم عام للخلائق، أما المخبر عن النجاسة فيخبر عن وقوع سبب جزئي في شخص جزئي، وهذا شبه قوي بالشهادة.
والخارص والساعي تصرفهما تصرف الحكام، فيكفي فيهما الواحد. والقاسم إن استنابه الحاكم فشبه الحكم فيه ظاهر، وإن اختاره الشريكان فهو من باب التحكيم. وفرّق ابن الشاط فجعل الخارص في معنى القاسم، وجعل المخبر عن نجاسة الماء في معنى المخبر للمصلّي. ورأى أن سبب ما وقع فيه القرافي من تقوية شبه الشهادة هو إغفاله قيد «فصل القضاء»، وهو القيد الفارق بين الشهادة والرواية.
المحور الخامس: المؤذن والدالّ على القبلة وقياس الهلال عليهما
يُقلَّد المؤذن الواحد في الإخبار عن دخول الوقت، ويُقلَّد الملاح ومن صناعته في الصحراء في الإخبار عن القبلة إذا كان عدلاً، والغالب في هذه الفروع شبه الرواية. واستدرك ابن الشاط بأنه كان الأولى أن يُفصل بين المؤذن والمخبر عن القبلة من جهة، وبين المخبر عن النجاسة والخارص من جهة أخرى.
ثم ذكر قياساً بطريق الأولى: إذا قُبل خبر المؤذن الواحد عن دخول الوقت، وهو سبب لوجوب الصلاة، فالمخبر برؤية الهلال أولى أن يُقبل خبره وحده. وذلك لأن عموم الحكم في الهلال أظهر على قاعدة المالكية التي تعمّم الرؤية على جميع الأقطار.
النقاط الرئيسية
- الفرق بين الشهادة والرواية: الرواية خبر عن أمر عام لا يختص بمعيّن، والشهادة خبر عن أمر خاص بمعيّن يُحتاج فيه إلى فصل القضاء.
- المسائل التي يجتمع فيها الشبهان يقع فيها الخلاف، فمن غلّب جانب الشهادة اشترط العدد، ومن غلّب جانب الرواية اكتفى بالواحد.
- الراجح عند الجمهور قبول خبر الواحد العدل في رؤية هلال رمضان، لأنه من باب الرواية.
- القيافة معتبرة في إثبات النسب بدليل سرور النبي صلى الله عليه وسلم بقول مجزز المدلجي، وجانب الشهادة فيها أظهر.
- بعض المسائل يدخلها شبه الحاكم، كالمقوِّم والخارص والقاسم والساعي، وقضايا الحكام لا تدخل في العبادات.
- ما تعلّق به حدٌّ يُحتاط فيه بمراعاة الشهادة، لأن الحدود تُدرأ بالشبهات.
- قيد «فصل القضاء» قيد أساسي في التمييز بين الشهادة والرواية، وإغفاله يوقع في الخطأ عند الترجيح.
الفوائد والعبر
- أن يحترم طالب العلم خلاف العلماء القائم على الأصول، فاختلافهم له قواعد ينطلقون منها.
- أن تعلّم القواعد والضوابط الكلية يعين على فهم الفروع الكثيرة، ويُخرج من التقليد المحض إلى الفقه بالدليل والتعليل.
- أن يعرف المسلم في حياته متى يكفيه خبر الثقة الواحد، كخبر المؤذن عن الوقت والدالّ على القبلة، ومتى يُشترط العدد.
- أن يحتاط المسلم في الحدود والدماء والأعراض، ولا يتساهل فيما يترتب عليه ضرر بالغ.
- أن يعرف فضل العلماء الذين أصّلوا العلم كالمازري والقرافي وابن الشاط، وأن ينتفع بتحريراتهم ويقرأ كتب الفروق والقواعد.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات