شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (14) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع عشر من مجالس شرح كتاب «الفروق» للإمام شهاب الدين القرافي رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وكتاب الفروق من أنفس ما صُنِّف في علم القواعد الفقهية والأصولية، إذ يبيّن فيه مؤلفه الفروق الدقيقة بين قواعد متشابهة في الظاهر مختلفة في الحقيقة والحكم. ويحرص الشيخ في شرحه على إيراد تعقيبات العلامة ابن الشاط على القرافي، وعلى توضيح المعاني بأمثلة من واقع الناس.
يتناول هذا المجلس ثلاثة فروق مهمة: الفرق السادس عشر بين أدلة مشروعية الأحكام وأدلة وقوعها، والفرق السابع عشر بين الأدلة والحِجاج التي يقضي بها الحكام، والفرق الثامن عشر بين ما يمكن أن يُنوى قربةً وما لا يمكن. ثم يشرع في المسائل الأربع التي ذيّل بها القرافي الفرق الأخير، فيشرح ثلاثاً منها، وهي من دقائق باب النية.
ومن أهداف هذا الدرس أن يميّز طالب العلم بين ما يحتاج إلى نصبٍ من الشارع وما لا يحتاج، وأن يعرف مَن يعتمد على كل نوع من الأدلة من المجتهدين والقضاة والمكلفين، وأن يفهم ضابط النية وموضعها في العبادات والمعاملات والتروك، فتصح بذلك عبادته ويعظم أجره في عاداته ومباحاته.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الفرق بين أدلة مشروعية الأحكام وأدلة وقوعها
قرر القرافي أن أدلة مشروعية الأحكام محصورة شرعاً، ويتوقف كل واحد منها على مُدرَك شرعي يدل على أن الشارع نصبه لاستنباط الأحكام. وهي نحو العشرين، منها المتفق عليه كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، ومنها المختلف فيه كالبراءة الأصلية وإجماع أهل المدينة وإجماع أهل الكوفة والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة والعصمة وقول الصحابي وفعل أبي بكر وعمر والخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، والإجماع السكوتي، والقياس الذي لا فارق فيه، ونحو ذلك مما قُرِّر في أصول الفقه.
أما أدلة وقوع الأحكام فهي الأدلة الدالة على وجود أسبابها وحصول شروطها وانتفاء موانعها، وهي غير محصورة. ومثّل لذلك بالزوال؛ فدليل مشروعيته سبباً لوجوب الظهر قوله تعالى:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78]
وأما دليل وقوع الزوال فيُعرف بالآلات الدالة عليه كالأسطرلاب والميزان وربع الدائرة والرخامة البسيطة والعيدان المركوزة في الأرض وآلات الظلال والمياه، وغير ذلك من المخترعات التي لا نهاية لها. وقد أحال المحقق على مراجع في تاريخ علم الفلك عند المسلمين، ونبّه إلى كتاب «مفتاح دار السعادة» لابن القيم لمعرفة ما خالط هذا العلم من أخطاء.
والخلاصة أن الذي يتوقف على نصب الشارع هو سببية السبب وشرطية الشرط ومانعية المانع، أما وقوع هذه الأمور في الواقع فلا يتوقف على نصبٍ شرعي ولا ينحصر في عدد. ولم يخالف ابن الشاط في ذلك بل صححه.
المحور الثاني: الفرق بين قاعدة الأدلة وقاعدة الحِجاج
الحِجاج هي ما يقضي به الحكام في فصل الخصومات، وهي تتوقف على نصبٍ من جهة الشارع. واستُشهد لذلك بقوله ﷺ:
«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ» [متفق عليه]
وعدّها القرافي نحو عشرة: البينة، والإقرار، والشاهد واليمين، والشاهد والنكول، واليمين والنكول، والمرأتان واليمين، والمرأتان والنكول فيما يختص بالنساء، وأربع نسوة عند الشافعي، وشهادة الصبيان، ومجرد التحالف عند مالك فيقتسمان بعد أيمانهما عند تساويهما. وبيّن الشيخ أن النكول هو امتناع من وجبت عليه اليمين عن الحلف.
فتكون الحِجاج أقل من أدلة المشروعية، وأدلة المشروعية أقل من أدلة الوقوع. وختم القرافي بفائدة لطيفة: أن هذه الأنواع الثلاثة موزعة على ثلاث طوائف؛ فالأدلة يعتمد عليها المجتهدون، والحِجاج يعتمد عليها الحكام، والأسباب يعتمد عليها المكلفون كالزوال ورؤية الهلال ونحوهما.
المحور الثالث: ما لا يمكن أن يُنوى قربةً
ذكر القرافي أن ما لا يمكن أن يُنوى قربةً قسمان: الأول النظر الأول المفضي إلى العلم بثبوت صانع العالم؛ لأن قصد التقرب إلى الله فرعُ اعتقاد وجوده، وصاحب هذا النظر قبل الوصول لا يعلم ذلك، فيتعذر عليه قصد القربة. وهو كمن لا شعور له بحصول ضيف، فكيف يُتصوَّر منه القصد إلى إكرامه؟ وعلّق الشيخ بأن هذا الطريق الكلامي كثيراً ما يكون إضاعة للعمر والجهد، ثم يرجع أصحابه في نهاية الأمر إلى «دين العجائز»، والله تعالى يُعرف بالفطرة وبآياته التي لا تُحصى، قال تعالى:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]
والقسم الثاني فعل الغير، فالنية تمتنع فيه؛ لأنها تخصص الفعل ببعض جهاته من الفرض والنفل وغيرهما، وهذا إنما يتأتى للإنسان في فعل نفسه. وتعقّبه ابن الشاط بأن الامتناع لا وجه له عقلاً ولا عادةً، وأما شرعاً فقد ورد ما يدل على الجواز، كنية الولي عن الصبي في الحج، وذبح الكتابي نائباً عن المسلم. ورجّح الشيخ أن الأصل عدم النية عن الغير إلا فيما ورد الشرع بإباحته، وأن هذا أدق من القولين، فلا ينوي مكلف عن مكلف في عبادة تخصه.
المحور الرابع: ما تمكن نيته، وضابط ما يحتاج إلى النية
ما تمكن نيته منه ما شُرعت فيه النية ومنه ما لم تُشرع. فالمباح لا يُنوى من حيث هو مباح، لكن يُقصد به التقوّي على المطلوب، كمن ينام مبكراً ليقوم الليل، فتُشرع نيته من هذا الوجه. والنواهي لا تفتقر إلى النية، فيخرج الإنسان من عهدتها بمجرد الترك، فإن نوى بتركها وجه الله أُثيب وصار الترك قربة. ومثّل الشيخ بمن يترك الخمر أنفةً، أو يترك الفاحشة حفاظاً على أعراض أهله، فلا إثم عليه، فإن قصد بذلك وجه الله ومنع المنكرات كان مأجوراً.
والأوامر قسمان: ما تكفي صورة فعله في تحصيل مصلحته فلا يحتاج إلى نية، كدفع الديون ورد المغصوب ونفقات الزوجات والأقارب وعلف الدواب. فمن دفع دينه غافلاً عن قصد التقرب أجزأه، ولا يُثاب إلا إن قصد امتثال أمر الله. وخالف ابن الشاط فرأى أنه لا مانع من الثواب ويكفيه قصد أداء الدين. ووجّه الشيخ كلام القرافي بأنه فيمن سدد دينه مجرداً عن أي قصد، أما من أدّاه قاصداً الإحسان إلى من أحسن إليه فهو مأجور، قال تعالى:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]
ومثّل الشيخ بصاحب المزرعة الذي يعلف دوابه ليسمّنها فلا وزر عليه، فإن قصد بإطعامها وسقيها وجه الله والرحمة بها أُجر؛ ففي الحديث: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» [متفق عليه]. والقسم الثاني ما لا تكفي صورة فعله في تحصيل مصلحته، وهو المحتاج إلى النية كالعبادات. ومثاله: من صنع ضيافة لإنسان فأكلها غيره كان معظِّماً للأول دون الثاني بسبب قصده، فما لا قصد فيه لا تعظيم فيه. ولما كانت العبادات شُرعت لتعظيم الله تعالى اشتُرط فيها القصد.
المحور الخامس: مسائل ملحقة بالفرق الثامن عشر
المسألة الأولى: الإنسان لا ينوي إلا فعل نفسه، فكيف ننوي الفرض والنفل وهما حكمان شرعيان من كلام الله تعالى لا من كسبنا؟ أجاب القرافي بأن النية تتعلق بغير المكتسب تبعاً للمكتسب لا استقلالاً، وبه أجاب عن نية الإمام للإمامة مع أن فعله مساوٍ لفعل المنفرد. وتعقّبه ابن الشاط بأن نيتنا إنما تتعلق بإيقاع الصلاة التي صفتها الفرضية أو النفلية، وهذا من فعلنا، وأن متعلَّق نية الإمام هو تعيينه نفسه للاقتداء به وتقدمه لذلك، وهو من فعله. فسهّل الأمر وأزال الصعوبة.
المسألة الثانية: من نسي صلاة من الخمس وشك في عينها، فإنه يصلي الخمس. وقد ظن بعض الفقهاء أن هذه صورة مستثناة لأنه متردد في نيته، والصواب أن الشك نصبه الشارع سبباً لإيجاد خمس صلوات، فهو جازم بوجوبها لوجود سببها، وصحح ذلك ابن الشاط.
المسألة الثالثة: النية لا تحتاج إلى نية. وعلّل بعضهم ذلك بلزوم التسلسل، فيرى القرافي أنه لا حاجة إلى هذا التعليل؛ لأن النية مما تكفي صورته في تحصيل مصلحته، ومصلحتها التمييز بين العبادات كالظهر والعصر، وهو حاصل بها قُصد أو لم يُقصد. ثم شرع في ذكر تعقيب ابن الشاط على هذه المسألة.
النقاط الرئيسية
- أدلة مشروعية الأحكام محصورة ومتوقفة على نصب الشارع، وأدلة وقوعها غير محصورة ولا تتوقف عليه.
- الذي يتوقف على الشارع هو سببية السبب وشرطية الشرط ومانعية المانع، لا وقوعها في الواقع.
- الحِجاج نحو عشرة يقضي بها الحكام، كالبينة والإقرار والشاهد واليمين والنكول.
- الأدلة للمجتهدين، والحِجاج للحكام، والأسباب للمكلفين.
- لا تمكن نية القربة في النظر الأول لإثبات الصانع، ولا في فعل الغير إلا فيما أذن فيه الشرع.
- النواهي والأوامر التي تتحقق مصلحتها بصورتها لا تفتقر إلى النية، لكن الثواب يحصل بقصد وجه الله.
- العبادات يشترط فيها القصد لأنها شُرعت لتعظيم الله، وما لا قصد فيه لا تعظيم فيه.
الفوائد والعبر
- استحضار النية الصالحة في المباحات والعادات كالنوم والعمل والنفقة يحوّلها إلى قربات يؤجر عليها العبد.
- ترك المحرمات ابتغاء وجه الله يجعل الترك نفسه عبادة، فينبغي أن يستحضر المسلم هذه النية.
- أداء الحقوق كقضاء الديون ورد الأمانات يُبرئ الذمة، فإن صحبه قصد الامتثال والإحسان تضاعف الأجر.
- الرحمة بالحيوان وإطعامه طلباً لثواب الله باب عظيم من أبواب الأجر، ففي كل كبد رطبة أجر.
- معرفة الله ثابتة بالفطرة وبالآيات الظاهرة، فلا ينبغي إضاعة العمر في جدل كلامي لا يزيد صاحبه إلا حيرة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات