شرح كتاب " الفروق " للإمام القرافي (7) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
هذا هو المجلس السابع من شرح كتاب «الفروق» للعلامة شهاب الدين أبي العباس القرافي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يُكمل الشيخ فيه المسائل المختلف فيها: أهي من الإنشاء أم من الخبر؟ ويبدأ بالمسألة الرابعة، وهي قول القرافي إن الإنشاء يكون بالكلام النفسي كما يكون بالكلام اللساني. ثم ينتقل إلى مسائل فقهية تطبيقية، منها جزاء الصيد، والفرق بين الحكم والفتوى، والطلاق بالنية، وصيغ العقود، وأثر العرف في الألفاظ. ويختم بالمسائل الثماني الطريفة التي ذيّل بها القرافي باب الخبر.
ولهذا المجلس أهمية خاصة، لأن الشيخ لا يكتفي فيه بشرح العبارة، بل ينبّه على الأصول العقدية التي بنى عليها القرافي بعض تقريراته. فقد بنى القرافي بعض مسائله على مذهب الأشاعرة في الكلام النفسي، فيبيّن الشيخ وجه الحق فيها على منهج أهل السنة والجماعة، ويحذّر طالب العلم من أن يأخذ هذه التأصيلات مسلَّمة دون تمحيص.
ويهدف المجلس إلى أن يتعلم الطالب ما يأتي:
- التفريق بين الدليل والمدلول.
- التفريق بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الدينية.
- معرفة مذاهب الأئمة في جزاء الصيد وأدلتها.
- فهم حقيقة حكم الحاكم وفتوى المفتي.
- إدراك أثر القاعدة الفقهية «العادة محكَّمة» في الألفاظ والصيغ.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الإنشاء بالكلام النفسي والتنبيه على أصله العقدي
قرّر القرافي أن الإنشاء يكون بالكلام النفساني كما يكون باللساني، ومثّل له بأن الله تعالى أنشأ سببية زوال الشمس لوجوب الظهر، ثم أنزل القرآن دالًّا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78]. وقال إن الكتب المنزلة أدلة على الأحكام وليست هي الأحكام نفسها، وإلا لزم أن يتحد الدليل والمدلول. وقاس على ذلك سائر الأسباب والشروط والموانع الشرعية، مثل الحول في الزكاة، والطهارة في الصلاة، والكفر المانع من الميراث، والحيض المانع من الصلاة.
ويبيّن الشيخ أن التفريق بين الدليل والمدلول صحيح في نفسه. أما جعل الأحكام معاني نفسانية قائمة بذات الله أزلًا، والقول بأن الكلام النفسي معنى واحد تتنوع أقسامه بحسب متعلقاته من خبر وإيجاب وتحريم وإباحة، فهذا تقرير لعقيدة الأشاعرة في الكلام. وهو مخالف لمذهب أهل السنة الذين يثبتون أن الله تعالى يتكلم بكلام حقيقي يُسمع، متى شاء وكيف شاء. ويذكر الشيخ أن ابن الشاط في تعقّبه انشغل بالاعتراض على مسألة الاحتمال وعدمه، وترك أصل المسألة وهو مسألة الاعتقاد.
ومن هنا قرّر الشيخ قاعدة منهجية مهمة: المنهج أخطر من العقيدة. فمن انطلق من منهج الأشاعرة في تأصيل أصول الفقه وقع في الخطأ والزلل، وأثّر بذلك في المبتدئ وفي طالب العلم الذي لم يتمكن من معرفة الفروق العقدية بين الفرق، فيتأثر بهذا الكلام ويقتدي به.
المحور الثاني: الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الدينية
أورد القرافي سؤالًا: لماذا لا تكون هذه الأحكام إخبارًا عن إرادة وقوع العقاب على من عصى، بدلًا من أن تكون إنشاءات؟ وأجاب بأنه لو كانت إخبارًا عن إرادة العقاب لوجب عقاب كل عاصٍ، وهذا غير واقع، لإجماعهم على حصول العفو في صور لا تُحصى. واستدل بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25]، وبقوله ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»، و«الإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ».
ويرى الشيخ أن في هذا التقرير خلطًا بين نوعي الإرادة. فالإرادة الكونية القدرية نافذة في جميع الخلق، ولا يكون في كون الله إلا ما يريد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. أما الإرادة الشرعية الدينية فتتحقق في بعض الخلق دون بعض، ولذلك يوجد المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، والتقي والفاجر، والسعيد والشقي.
وقد قال ابن الشاط إن ما ذكره القرافي صحيح واضح. ويعلّق الشيخ بأنه صحيح على مذهب الأشاعرة، أما على مذهب أهل السنة ففيه نظر.
المحور الثالث: جزاء الصيد ومذاهب الأئمة فيه
ذكر القرافي اختلاف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95]. فالشافعي رحمه الله يرى أن ما حكم فيه الصحابة يُعمل بحكمهم، ولا يُرجع إلى حكم عدلين إلا فيما لم يحكموا فيه. ويرى مالك وأبو حنيفة أن الحكم واجب في كل فرد من أفراد الصيد. واستُدلّ لأبي حنيفة بأن الصيد مُتلَف من المتلفات، فتجب فيه القيمة كسائر المتلفات. أما مالك رحمه الله فيرى أن الواجب هو المثل من النَّعَم أصالةً، ثم يُقوَّم الصيد، ويُخيَّر الجاني بين المثل والإطعام والصيام. وهذا ما رجّحه القرافي.
وأجاب القرافي عن الحنفية بالقراءتين. فقراءة التنوين ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ نصّ صريح في أن الواجب هو المثل، وقراءة الإضافة محتملة. فيُحمل المحتمل على النص جمعًا بين القراءتين، والجمع أولى من التعارض. وأجاب أيضًا بأن جزاء الصيد من باب الكفارات لا من باب الجوابر، بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، فسمّاه الله كفارة، وبذلك يبطل القياس على المتلفات.
وأجاب عن مسألة التخصيص بأن الضمير قد يكون خاصًّا مع بقاء الظاهر على عمومه، ومثّل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228]، فهو خاص بالرجعيات مع بقاء لفظ المطلقات على عمومه. وذكر الشيخ حديث جابر رضي الله عنه في حكم النبي ﷺ في الضبع يصيبه المحرم، وبيّن أن ابن خزيمة صححه، وأن عبد الحق ضعّف زيادة «كبش مسن» عند الدارقطني. ونبّه الشيخ كذلك على أن المحقق زاد كلمة من المطبوعة سقطت من المخطوط دون أن يشير إلى ذلك، وعدّ هذا مخالفًا للمنهج العلمي في التحقيق.
المحور الرابع: الفرق بين الحكم والفتوى
قرّر القرافي أن حكم الحاكم إنشاء للإلزام أو للإباحة. ومثاله أن يحكم الحاكم ببطلان إحياء أرض موات، فتعود مباحة لجميع الناس. أما الفتوى فهي إخبار محض عن صاحب الشرع. فالحاكم مُلزِم، والمفتي مُخبِر. وشبّه نسبة الحاكم إلى صاحب الشرع بنسبة نائب الحاكم إليه، فهو ينشئ الأحكام على قواعد من استنابه. وشبّه المفتي بالمترجم الذي ينقل عن الحاكم ولا ينشئ حكمًا من عنده.
وأشار القرافي إلى أنه ألّف كتابًا خاصًّا في هذا الفرق ضمّنه أربعين مسألة، وهو كتاب «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام». ويبيّن الشيخ أن ثناء المؤلف على كتابه ليس افتخارًا، وإنما هو تنبيه على قيمة الكتاب. وعلى هذا الأصل يكون الحَكَمان في جزاء الصيد منشئَين للإلزام في كل صورة. فإن كانت الصورة مجمعًا عليها كان الإجماع مستندهما، وإلا اعتمدا على النصوص والقياس. وبذلك يبقى النص على عمومه دون حاجة إلى تخصيص.
المحور الخامس: الطلاق بالنية، والعادة محكَّمة، ومسائل الخبر
ناقش القرافي القولين في وقوع الطلاق بالكلام النفسي. ومن الأمثلة أن من نوى طلاق امرأته وعزم عليه ثم عدل عنه دون أن يتلفظ لا يلزمه طلاق بالإجماع. وكذلك من سبقه لسانه بلفظ الطلاق دون قصد يُصدَّق في ذلك ولا تُحسب عليه طلقة. وبيّن القرافي أن الصريح هو ما نقله العرف لإنشاء المعنى، فيعتمد عليه الحاكم، ويستغني المفتي عن السؤال عن النية معه. أما ما لم ينقله العرف فيُحتاج فيه إلى النية.
ثم قرّر أن العادة جرت باستعمال المضارع في الشهادة، والماضي واسم الفاعل في الطلاق والعتاق. فإذا تغيرت العادة اتُّبعت العادة الجديدة وتُركت الأولى. وربط الشيخ ذلك بالقاعدة الفقهية الكبرى «العادة محكَّمة». وطبّقها على قول عامة أهل شمال مصر «طالئ» بقلب القاف همزة، وبيّن أن الطلاق يقع بهذا اللفظ لأن العادة محكَّمة. ورد بذلك على من زعم أن هذا اللفظ لا يقع به الطلاق، وألزمه بأن يحكم على من يقول «عبد الرازئ» بما لا يقول به هو نفسه.
وفي ختام المجلس بدأ الشيخ بالمسائل الثماني الطريفة في الخبر. وأولها مسألة من قال: «كل ما قلتُ في هذا البيت كذب» ولم يكن قال فيه شيئًا. فهل يوصف هذا الخبر بالصدق أو بالكذب؟ وقرّر الشيخ أن المذهب المشهور هو أنه لا واسطة بين الصدق والكذب، إذا فُسِّر الكذب بمعناه العام وهو عدم المطابقة. ثم ذكر أن ابن الشاط اعترض على تعريف الخبر بأنه «القول الذي يلزمه الصدق أو الكذب»، واقترح أن يُعرَّف بأنه «القول الذي يُقصد به تعريف المخاطب بأمر».
النقاط الرئيسية
- الدليل غير المدلول، فنصوص الكتاب والسنة أدلة على الأحكام. أما جعل الأحكام كلامًا نفسيًّا أزليًّا فهو مبني على عقيدة الأشاعرة، ويخالف مذهب أهل السنة في صفة الكلام.
- المنهج أخطر من العقيدة، لأن من أصّل أصول الفقه على منهج منحرف أثّر في طلاب العلم الذين لم يتمكنوا من معرفة الفروق العقدية.
- إرادة الله نوعان: كونية قدرية لا يتخلف وقوعها، وشرعية دينية يتحقق مقتضاها في بعض الخلق دون بعض.
- الراجح في جزاء الصيد مذهب مالك: الواجب هو المثل من النَّعَم، ثم يُخيَّر بين المثل والإطعام والصيام، وهو كفارة لا جبر.
- عند تعدد القراءات يُحمل المحتمل على النص الصريح، لأن الجمع بين القراءتين أولى من التعارض.
- حكم الحاكم إنشاء وإلزام، وفتوى المفتي إخبار عن الشرع. والمفتي كالمترجم، والحاكم كالنائب.
- «العادة محكَّمة» في صيغ العقود والطلاق والشهادات، ويتغير الحكم بتغير العرف.
الفوائد والعبر
- على طالب العلم أن يقرأ كتب الأصول والقواعد بعين ناقدة، وأن يكون عارفًا بالعقيدة الصحيحة حتى لا يتأثر بالتأصيلات المبنية على مذاهب كلامية مخالفة.
- ينبغي الربط بين العلوم، كالفقه والأصول والتفسير والقراءات والقواعد الفقهية، لأن ذلك يورث فهمًا متكاملًا للمسائل.
- يجب التثبت في ألفاظ الطلاق ومراعاة عرف الناس ولهجاتهم، وعدم التسرع في الفتوى بما يخالف ما يقصدونه حقيقةً.
- من الأمانة العلمية في التحقيق أن ينبّه المحقق على كل زيادة أو اختلاف بين المخطوط والمطبوع.
- القضاء مسؤولية عظيمة لأنه إلزام وإنشاء للحكم، ولذلك كان السلف يسألون الله العافية منه، ويحذرون من الجرأة عليه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات