شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (25) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,487 مشاهدة
106 مشاركة
منذ 7 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس والعشرون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الأحد الثالث من شهر رجب سنة 1440هـ، الموافق للعاشر من شهر مارس سنة 2019م. وموضوعه فصلٌ من أدق مباحث أصول الفقه، وهو ما ادّعاه بعض الناس من وجود تعارض بين النصوص الشرعية.

يقرر الشيخ تبعًا للإمام ابن حزم أن نصوص الوحي لا تتعارض في حقيقة الأمر. وما يبدو من تعارض إنما هو في ذهن الناظر، لقلة علمه أو قصور نظره. والواجب على المسلم أن يعمل بالنصوص كلها، لأنها جميعًا من عند الله عز وجل. ويؤكد الشيخ أن السنة النبوية وحيٌ كالقرآن في وجوب الطاعة، وأن الطعن فيها طعنٌ في الدين.

أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد طرق العلماء في دفع التعارض الظاهري، وهي الجمع ثم النسخ ثم الترجيح. وأن يفهم منزلة السنة من القرآن. وأن يتقن الوجهين الأولين من وجوه دفع التعارض عند ابن حزم، وهما استثناء الأخص من الأعم، ودخول بعض ما أوجبه نصٌّ في عموم نصٍّ آخر. ويشرح الشيخ ذلك بأمثلة تطبيقية كثيرة من أبواب الفقه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: لا تعارض في نصوص الوحي، وطرق دفع التعارض الظاهري

ينقل الشيخ قول ابن حزم: إذا تعارض الحديثان، أو الآيتان، أو الآية والحديث فيما يظن من لا يعلم، ففرضٌ على كل مسلم أن يستعمل ذلك كله. فليس بعض النصوص أولى بالاستعمال من بعض. وكلها من عند الله، وكلها سواء في وجوب الطاعة. ويبيّن الشيخ أن التعارض لا يقع في نفس الأمر، وإنما يقع في عقل بعض الناس ونظرهم، ممن لم يتضلّع من العلم.

ثم يذكر الشيخ الترتيب الذي سلكه أهل العلم عند التعارض الظاهري:

  • الجمع بين النصين: وهو أول ما يُلجأ إليه.
  • النسخ: إن تعذّر الجمع وعُلم التاريخ. ومثاله حديث زيارة القبور، ففيه التنبيه على النسخ صراحةً.
  • الترجيح: إن تعذّر الجمع ولم يُعلم التاريخ.

ومثّل الشيخ للترجيح بحديث «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» مع حديث «هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ». فحديث البضعة موافقٌ للأصل، وحديث المسّ ناقلٌ عن الأصل، ومعه زيادة علم، فيُقدَّم.

ومثّل للجمع بحديث تحية المسجد مع النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. ويُجمع بينهما بأن ذوات الأسباب تُصلّى في أوقات النهي، ومنها صلاة الجنازة، وتحية المسجد، وركعتا الاستخارة، وقضاء سنة الظهر لمن نسيها. ويشهد لذلك إقرار النبي ﷺ لمن صلّى سنة الفجر بعد الفريضة.

وأشار الشيخ إلى أن وجوه الترجيح ذكرها الحازمي في كتابه في الناسخ والمنسوخ، وزاد عليها الحافظ العراقي في «التقييد والإيضاح».

قال ﷺ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ».

وقال ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ».

المحور الثاني: السنة وحيٌ مثل القرآن في وجوب الطاعة

أورد ابن حزم بإسناده حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وفيه قوله ﷺ: «أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ...». ونبّه الشيخ على أن في إسناده ضعفًا. لكن معناه صحيح، يشهد له حديث: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ».

وبيّن الشيخ أن الوحي قسمان:

  • وحيٌ متلوّ: يُتعبَّد بتلاوته، وهو القرآن الكريم المعجز بألفاظه.
  • وحيٌ غير متلوّ: وهو سنة رسول الله ﷺ.

ولا طاعة لله بغير طاعة رسوله ﷺ. ولا خلاف بين المسلمين في أن طاعة قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ كطاعة النبي ﷺ في تفاصيل الصلاة. فالمقيم يصلي الظهر والعصر والعشاء أربعًا، والمسافر يقصرها إلى ركعتين. أما الصبح فلا يُقصر، والمغرب لا يُقصر بل يبقى ثلاثًا. وهذه التفاصيل لم يذكرها القرآن، وإنما بيّنتها السنة.

وعلّق ابن حزم على رواية «إنها لمثل القرآن أو أكثر» بأنه لا نكارة فيها، إذ المراد أن ما ورد في السنة من الأحكام أكثر عددًا مما ورد في القرآن. ونبّه الشيخ على أن صحة المعنى لا تكفي حتى يصح الإسناد. وحذّر من الطاعنين في السنة وفي الصحيحين وفي أبي هريرة وسائر الصحابة رضي الله عنهم، وبيّن أن أعداء الدين يتسترون بالطعن في السنة لأنهم لا يجرؤون على التصريح بالطعن في القرآن.

قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]

وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]

وقال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]

المحور الثالث: الوجه الأول من وجوه دفع التعارض: استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني

ذكر ابن حزم أن النصين اللذين يُظن بينهما التعارض لا يخلوان من أربعة أوجه أو خمسة. أولها أن يكون أحدهما أقل معاني من الآخر، أي أخص منه. فيُستثنى الأخص من الأعم، ويبقى ما عداه على حكم العموم. وسواء في ذلك أن يكون النصان آيتين، أو حديثين، أو آية وحديثًا. ولا يُلتفت إلى أيهما ورد أولًا، ولا يُترك أحدهما للآخر.

ومن الأمثلة التي شرحها الشيخ:

  • طواف الوداع: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ»، مع الإذن للحائض أن تنفر قبل أن تطوف.
  • بيع العرايا: نُهي عن بيع الرطب بالتمر للجهالة، لأن الرطب ينقص إذا جف. واستُثنيت العرايا فيما دون خمسة أوسق، رحمةً بالفقير الذي لا يملك نخلًا ويريد أن يُطعم أولاده رطبًا. وربط الشيخ ذلك بما كان معروفًا في الأرياف من التبادل بالسلع دون نقود.
  • نصاب القطع في السرقة: آية القطع مطلقة، وخصّها حديث «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». فمن سرق أقل من ذلك يُعزَّر ولا تُقطع يده.
  • الرضاع: تحريم أمهات الرضاعة عام، وخصّه حديث «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ»، ونُسخت العشر الرضعات المحرِّمات بخمس معلومات.
  • نكاح المشركات: النهي عن نكاحهن عام، واستُثنيت المحصنات من أهل الكتاب. ويبقى التحريم في المجوسية والملحدة والعلمانية والبهائية والقاديانية والهندوسية وغيرهن. ونبّه الشيخ على الفرق بين قولنا «يجوز» وقولنا «يُستحب».
  • حرمة الدماء والأموال والأعراض: وهي عامة، واستُثني منها المرتد، والثيب الزاني، والقاتل، والمحارب، وأخذ الزكوات والنفقات والكفارات، وتغيير المنكر باليد. وأشار الشيخ إلى رسالة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في مسألة قتل شارب الخمر بعد الحد ثلاثًا.

قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]

وقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]

وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة: 33]

وقال ﷺ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».

وقال ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ».

المحور الرابع: الوجه الثاني: أن يوجب أحد النصين بعض ما أوجبه الآخر

الوجه الثاني أن يوجب أحد النصين بعض ما أوجبه النص الآخر، أو يحظر بعض ما حظره. وهذا ظنّه قومٌ تعارضًا فتحيّروا فيه وخبطوا خبط عشواء، وليس فيه أي تعارض. فالنص الخاص هنا يؤكد جزءًا داخلًا في عموم النص الآخر ويخصّه بمزيد عناية، ولا يُخرجه من حكمه.

ومثاله الأمر بالإحسان إلى الوالدين مع الأمر العام بالإحسان إلى كل شيء، فالإحسان إلى الوالدين بعض الإحسان العام وأخص منه.

ومثاله أيضًا النهي عن الزنا بحليلة الجار مع النهي العام عن قربان الزنا. فالزنا بحليلة الجار أشد تحريمًا، وأشد منه الزنا بالمحارم، نسأل الله الستر والعافية. وليس في النص الخاص ما يعارض عموم تحريم الزنا.

قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]

وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ».

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]

وفي الحديث: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ».

النقاط الرئيسية

  • لا تعارض حقيقي بين نصوص الوحي، وإنما هو تعارض ظاهري في ذهن الناظر.
  • الواجب العمل بالنصوص جميعًا، فليس نص أولى بالطاعة من نص.
  • يُدفع التعارض الظاهري بالجمع أولًا، ثم بالنسخ إن عُلم التاريخ، ثم بالترجيح.
  • السنة وحيٌ غير متلوّ، وطاعتها كطاعة القرآن، وهي التي بيّنت تفاصيل الأحكام كأعداد الصلوات والقصر.
  • صحة المعنى لا تُغني عن صحة الإسناد عند الحكم على الحديث.
  • يُستثنى الأخص من الأعم في أمثلة كثيرة، كطواف الوداع للحائض، والعرايا، ونصاب السرقة، والرضاع، ونكاح الكتابيات.
  • إيجاب نصٍّ لبعض ما أوجبه نص آخر ليس تعارضًا، بل تأكيدٌ وتخصيص بمزيد العناية.

الفوائد والعبر

  • التسليم الكامل لنصوص الكتاب والسنة، واتهام الفهم القاصر قبل توهّم التعارض في الوحي.
  • الحذر من دعاة الطعن في السنة والصحيحين والصحابة، فطعنهم في السنة بابٌ للطعن في الدين كله.
  • إدراك كمال الشريعة ورحمتها، كما في رخصة العرايا التي راعت حاجة الفقير وأولاده.
  • تعلّم المنهج العلمي في التعامل مع النصوص (الجمع ثم النسخ ثم الترجيح)، فهو يحمي من التخبط في الفتوى.
  • تعظيم حقوق الوالدين والجار، وإدراك تفاوت الذنوب في الإثم بحسب حرمة من تُنتهك حرمته.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات