شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (24) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع والعشرون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الأحد السادس والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1440هـ، الموافق للثالث من مارس سنة 2019م. وموضوعه قاعدة أصولية مهمة يقررها ابن حزم، وهي أن العبرة بما رواه الصحابي عن النبي ﷺ لا برأيه إذا خالف ما روى.
ويرد الشيخ في هذا المجلس على من قدّم رأي الصحابي على روايته، وعلى من اشترط التواتر في الحديث الذي «تعمّ به البلوى». ثم يذكر أمثلة كثيرة من سيرة كبار الصحابة، كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، خفيت عليهم فيها بعض السنن ثم رجعوا إليها لما بلغتهم. ويبيّن بذلك أن الإحاطة بالسنة كلها لم تجتمع لأحد بعد رسول الله ﷺ.
والمقصود من المجلس أن يعظّم طالب العلم النص النبوي ويقدّمه على أقوال الرجال مهما علت منزلتهم، وأن يعرف كيف كان الصحابة يرجعون إلى الحق، وأن يتعلّم الأدب مع أهل العلم ومجالسهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: العبرة برواية الصحابي لا برأيه
قد يروي الصحابي حديثًا ثم يُنقل عنه رأي يخالف ظاهره. وقد يكون ذلك لأنه نسي الحديث، أو تأوّله، أو اجتهد فأخطأ. فهل يُترك الحديث لرأي راويه، ويقال إنه لا بد أن عنده علة لم نطّلع عليها؟ يقرر ابن حزم أن الحجة في الحديث إذا صح، وأن رأي الراوي اجتهاد منه يصيب فيه ويخطئ. ويشتد ابن حزم على من قدّم الرأي على الرواية، ويعدّ ذلك من مسالك أهل الباطل.
ويبيّن الشيخ أن قسوة ابن حزم كانت على أصحاب المذاهب الذين قلّدوا أئمتهم، وهم في الغالب أرادوا نصرة الدين لكنهم أخطؤوا. فكيف لو رأى من يطعنون في سنة رسول الله ﷺ اليوم، وغرضهم هدم الدين نفسه؟ أولئك نيتهم حسنة وفعلهم خاطئ، وهؤلاء نيتهم فاسدة وفعلهم خبيث، وإلى الله وحده المشتكى.
المحور الثاني: الرد على اشتراط التواتر فيما «تعمّ به البلوى»
ذهب الحنفية ومن وافقهم إلى أن الحديث الذي يحتاج إليه الناس جميعًا لا يُقبل إلا إذا كان متواترًا. ويرد عليهم ابن حزم بأول حديث في صحيح البخاري، وهو أصل من أصول الإسلام، قال فيه رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». فهذا الحديث لم يصح إلا من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري. ثم انتشر بعد يحيى انتشارًا عظيمًا، حتى ذكر الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» أن عدد من رواه عن يحيى يبلغ نحو مئتين.
ومع أن الحديث غريب في أصل إسناده فلم يرده أحد من أهل العلم، بل تلقّته الأمة بالقبول. وهذا يبطل القاعدة التي وضعوها، ويبيّن ضعف ما قاله بعض المعاصرين حين ردّوا الحديث بحجة تفرّد محمد بن إبراهيم التيمي به.
المحور الثالث: خفاء بعض السنن على كبار الصحابة
كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم مشغولين بمعايشهم: المهاجرون بالتجارة في الأسواق، والأنصار بالقيام على أموالهم من زرع ونخل وإبل. ولهذا فاتهم بعض ما قاله النبي ﷺ، فكان يحدّث بعضهم بعضًا. وقد أسند ابن حزم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قوله: «مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمُوهُ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا، وَكَانَتْ تَشْغَلُنَا رِعْيَةُ الْإِبِلِ». وقد عقد البخاري رحمه الله في «كتاب العلم» بابًا في التناوب في العلم، وذكر فيه أن عمر رضي الله عنه وجاره الأنصاري كانا يتناوبان النزول إلى رسول الله ﷺ، ينزل هذا يومًا وذاك يومًا، ثم يخبر كلٌّ منهما صاحبه بما سمع.
ويقرر الشيخ أنه ليس من شرط الحافظ ألا ينسى، ولا من شرط العالم الكبير ألا يجهل شيئًا من السنة، ولا من شرط الصالح ألا يخطئ. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أفضل البشر بعد الأنبياء، لم يكن يعلم فرض الجدة في الميراث حتى أخبره به المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهما، مع أن بينه وبينهما في الفضل مسافة عظيمة. وسأل أبو بكر ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: في كم ثوب كُفّن رسول الله ﷺ؟ فعلمت عائشة ما لم يعلمه هو. ويذكر الشيخ في هذا الموضع محبة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والذبّ عنها، والتقرّب إلى الله بذلك في وجه من يطعنون فيها.
ومن هذا الباب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال فيه النبي ﷺ: «إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ». ومع هذه المنزلة خفيت عليه سنة الاستئذان ثلاثًا، وخفي عليه حكم إملاص المرأة (وهو أن تُضرب الحامل فتُسقط جنينها)، فعرفهما غيره.
المحور الرابع: قصة عيينة بن حصن، ووقوف عمر عند كتاب الله
يروي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عيينة بن حصن الفزاري نزل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس رضي الله عنه. وكان الحُرّ من النفر الذين يُدنيهم عمر، فقد كان القرّاء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبّانًا. واستأذن الحُرّ لعيينة فأذن له عمر. فلما دخل عيينة قال: «هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ». فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحُرّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين. قال ابن عباس: «وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ».
ويستخرج الشيخ من القصة عدة فوائد. فعمر يحفظ الآية، لكنه احتاج في ساعة غضبه إلى من يذكّره بها. وفيها فضل البطانة الصالحة، فإن الحاكم إذا كانت بطانته من العلماء الربانيين أفلح، وإذا كانت من المفسدين هلك، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129]. وفيها توقير العلماء وتقديمهم ولو كانوا شبّانًا. ويحذّر الشيخ من أن الحاكم الذي يتعرض لأهل السنة والحديث يُؤذَن بزوال ملكه، وأن التاريخ مليء بالشواهد على ذلك. ويتكلم كذلك عن جفاء بعض الأعراب وغلظتهم، ومثّل له بقصة الأقرع بن حابس لما رأى النبي ﷺ يقبّل الحسن.
المحور الخامس: مسائل أخرى خفيت على عمر فرجع فيها إلى السنة
عدّد ابن حزم مسائل كثيرة خفي فيها حكم النبي ﷺ على عمر رضي الله عنه ثم رجع إليه، ومنها:
- إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب: لم يبلغه أمر النبي ﷺ فيه إلا في آخر خلافته، وقد قال ﷺ: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ». وخفي ذلك أيضًا على أبي بكر رضي الله عنه طول خلافته.
- الطاعون: لم يعرف عمر ولا جمهور المهاجرين والأنصار حكمه، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فحدّثهم بقول النبي ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»، فرجع عمر بالناس. وهذه مسألة مما تعمّ به البلوى، وخفيت مع ذلك على الجمهور.
- القراءة في صلاة العيدين: سأل أبا واقد الليثي رضي الله عنه عمّا كان يقرأ به النبي ﷺ فيهما، والحديث في صحيح مسلم.
- الجزية من المجوس: لم يعمل فيها حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر.
- تيمم الجنب: نسي أمر النبي ﷺ بذلك حتى ذكّره به عمار بن ياسر رضي الله عنه.
- مال الكعبة: أراد قسمته، فقال له شيبة بن عثمان الحجبي إن صاحبيه لم يفعلا ذلك، فقال عمر: «هُمَا الْمَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا»، والحديث في البخاري.
- ديات الأصابع: كان يفاضل بينها، فلما بلغته التسوية عن النبي ﷺ ترك قوله وأخذ بها.
- ميراث المرأة من دية زوجها: كان لا يورّثها منها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان رضي الله عنه بقضاء النبي ﷺ في ذلك فرجع.
- رجم المجنونة: أراد رجمها حتى ذُكّر بقوله ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ»، وهو حديث صحيح.
- إنشاد الشعر في المسجد: أنكره عمر، فأُخبر أن الشعر قد أُنشد فيه بحضرة رسول الله ﷺ، وشهد بذلك أبو هريرة رضي الله عنه، فسكت عمر.
وينبّه الشيخ على أن بعض ما استدل به ابن حزم هنا أسانيده ضعيفة، ومنها قصة المرأة التي اعترضت على عمر في النهي عن المغالاة في المهور بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20]، ومنها قصة رجم مولاة حاطب. أما أصل نهي عمر عن المغالاة في المهور، واستدلاله بمهور النبي ﷺ لنسائه، فهو صحيح ثابت.
النقاط الرئيسية
- الحجة فيما رواه الصحابي عن النبي ﷺ لا في رأيه إذا خالف روايته.
- اشتراط التواتر فيما «تعمّ به البلوى» شرط باطل، ودليل ذلك حديث «إنما الأعمال بالنيات» الذي تفرّد بروايته أربعة على التوالي وتلقّته الأمة بالقبول.
- لم يُحِط أحد بعد النبي ﷺ بالسنة كلها، فقد فاتت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما سنن عرفها من هو دونهما في الفضل.
- قد ينسى الحافظ، ويجهل العالم بعض المسائل، ويخطئ الصالح، ولا ينقص ذلك من منزلتهم.
- كان عمر رضي الله عنه وقّافًا عند كتاب الله، يرجع إلى السنة متى بلغته.
- البطانة الصالحة من العلماء الربانيين سبب لصلاح الحكام، وتوقير أهل العلم واجب.
- ينبغي التنبّه إلى درجة الأحاديث والآثار التي يُستدل بها، ولو كان المستدل بها إمامًا مثل ابن حزم.
الفوائد والعبر
- قدِّم الحديث الصحيح على أقوال الرجال مهما بلغت منزلتهم، واقتدِ بالصحابة في الرجوع إلى الحق إذا ظهر لك.
- تواضع في طلب العلم، واستفد ممن هو دونك، فقد تعلّم أبو بكر من المغيرة ومحمد بن مسلمة، وسأل عائشة رضي الله عنهم.
- اقبل التذكير بكتاب الله عند الغضب، واحرص على أن تكون ممن يقف عند حدود الله إذا ذُكّر بها.
- اختر لنفسك أصحاب خير وعلم يعينونك على الحق، فأثر الجليس على المرء كبير.
- دافع عن السنة النبوية وعن الصحابة، ومنهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، واحذر شبهات من يطعنون في الحديث بحجة التفرّد أو الغرابة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات