شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (38) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن والثلاثون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس واحدة من أهم مسائل أصول الفقه، وهي دلالة الأوامر والنواهي في نصوص الوحي: هل يقتضي الأمر الوجوب، والنهي التحريم؟ وما علاقة التكليف بالاستطاعة؟
ويعرض الشيخ الأدلة التي احتجّ بها ابن حزم من السنة النبوية الصحيحة، ويبيّن وجه الاستدلال بها. ومن ذلك حديث فرض الحج، وحديث عين تبوك، وما ورد في الاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم. ويستطرد في أثناء ذلك إلى الرد على بعض البدع الصوفية، كدعوى حياة الخضر عليه السلام، وما يتعلق بالقطب والأبدال والديوان.
ويهدف المجلس إلى أن يفهم طالب العلم أن ظاهر النص هو الأصل في فهم الخطاب الشرعي، وأن يعرف حدود التكليف بالاستطاعة، وأن يتقن الاستدلال بالنصوص على القواعد الأصولية، وأن يتحصّن من الخرافات المخالفة للنصوص الصحيحة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الأمر يقتضي الوجوب والنهي يقتضي التحريم
يقرّر ابن حزم رحمه الله أن كل ما أمر به النبي ﷺ فهو واجب، وأن كل ما نهى عنه فهو حرام، ما لم يأتِ نص آخر يصرفه عن ظاهره. ويستدل على ذلك بحديث فرض الحج، ففيه أن النبي ﷺ فرّق بين الأمر والنهي في التطبيق: فالأمر يُؤتى منه بقدر الاستطاعة، والنهي يجب اجتنابه كله.
وقول النبي ﷺ: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ» دليل صريح على أن أمره وكلامه يُثبت الوجوب. ولو لم يكن أمره للوجوب لما كان لتقييده بالاستطاعة فائدة، لأن المندوب يجوز تركه في كل حال، استطاع المكلف أو لم يستطع.
قال رسول الله ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ ﷺ: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» (رواه مسلم).
المحور الثاني: التكليف منوط بالاستطاعة
يشرح الشيخ أن المسلم مطالَب بالعمل بالأمر إلى أقصى ما يستطيع. فإذا عجز عن بعضه سقط عنه ما عجز عنه، لأن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها. وهذا من رحمة الله تعالى ورفعه الحرج عن هذه الأمة.
أما المنهيات فيجب تركها كلها، لأن ترك الشيء في مقدور الإنسان، وليس فوق طاقته. فالله سبحانه لم يحرّم شيئًا إلا وفيه ضرر على العباد، وجعل تركه ممكنًا لا مستحيلًا.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220]، وقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
المحور الثالث: حديث عين تبوك دليلٌ على وجوب امتثال النهي
يورد ابن حزم حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه في غزوة تبوك، وفيه أن النبي ﷺ نهى أصحابه أن يمسّوا من ماء العين شيئًا حتى يأتي. فسبق إليها رجلان فمسّا من مائها، فسبّهما النبي ﷺ. ثم ظهرت بركته ﷺ في تكثير الماء بعد ذلك.
ووجه الدلالة أن الرجلين لم يرتكبا إلا مخالفة هذا النهي المجرد، ولم يرد فيه وعيد خاص. ومع ذلك استحقّا التعنيف من رسول الله ﷺ، وهو لا يعنّف إلا على ترك واجب أو فعل محرّم. فثبت أن نهيه ﷺ للتحريم، وفي ذلك رد على من قال إن الأمر والنهي المطلقين للندب أو الكراهة.
قال رسول الله ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ»، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ مَسِسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟» قَالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ ﷺ (رواه مسلم).
المحور الرابع: حمل النصوص على ظاهرها في آية الاستغفار للمنافقين
يستدل ابن حزم بقصة صلاة النبي ﷺ على عبد الله بن أُبيّ بن سلول. فقد فهم النبي ﷺ من حرف «أو» في الآية التخيير، فحمل اللفظ على ظاهره في لغة العرب التي خاطبه بها ربه. ثم نزل بعد ذلك النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين.
ويقرّر الشيخ أنه لا يجوز القول بأن عمر رضي الله عنه فهم من مراد الله ما لم يفهمه النبي ﷺ، لأن هذا قول باطل. فالنبي ﷺ أعلم الناس بلغة العرب ومراد ربه، وقد عمل بالتخيير الذي دل عليه ظاهر النص حتى جاء النهي. وفي القصة دليل على وجوب حمل كل خطاب على ظاهره حتى يأتي ما ينقله عنه.
قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]، ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84]. وقال ﷺ: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ»، وقال: «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا» (رواه البخاري).
المحور الخامس: الرد على خرافة حياة الخضر وبدع المتصوفة
يتعرض الشيخ في أثناء الشرح لمسألة آخر الصحابة موتًا، وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه، ويبيّن أن كل من ادّعى الصحبة بعده فهو كذاب دجال. ويستدل بالحديث نفسه على بطلان دعوى بعض الطرق الصوفية أن الخضر عليه السلام حيّ يحضر مجالسهم.
وينبّه الشيخ على ما يزعمونه من وجود القطب والأبدال وما يسمّونه «الديوان»، وعلى ما يقع في بعض الموالد من اختلاط ومنكرات مخالفة للشريعة. ويحذّر من الاغترار بهذه الخرافات، حتى ممن يحملون الشهادات العليا في العلوم الشرعية.
قال رسول الله ﷺ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ» (متفق عليه).
النقاط الرئيسية
- الأصل في أوامر النبي ﷺ الوجوب، والأصل في نواهيه التحريم، ما لم يأتِ صارف من نص آخر.
- الأوامر يُعمل بها بقدر الاستطاعة، والنواهي يجب اجتنابها كلها لأن الترك مقدور عليه.
- لو لم يكن الأمر للوجوب لما كان لتقييده بالاستطاعة فائدة.
- تعنيف النبي ﷺ للرجلين في حديث عين تبوك دليل على أن مخالفة نهيه المجرد معصية.
- النبي ﷺ حمل حرف «أو» في آية الاستغفار على التخيير وفق ظاهر اللغة، حتى نزل النهي الصريح.
- أبو الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه آخر الصحابة موتًا، ومن ادّعى الصحبة بعده فهو كذاب.
- دعوى حياة الخضر وحضوره مجالس الصوفية، وخرافات القطب والديوان، باطلة تردّها النصوص الصحيحة.
الفوائد والعبر
- المبادرة إلى امتثال أمر النبي ﷺ دون تردد، وبذل غاية الوسع في تطبيقه.
- الحذر الشديد من الوقوع في المنهيات، لأن تركها في مقدور كل مكلّف.
- ترك كثرة السؤال والتنطع فيما سكت عنه الشرع، فقد هلك من قبلنا بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.
- الاعتصام بظاهر الكتاب والسنة، وعدم تحريف النصوص عن معانيها بلا دليل.
- التحصن بالعلم الشرعي الصحيح من الخرافات والبدع، مهما كثر أتباعها أو علت مناصب قائليها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات