شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (18) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن عشر من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام العلامة أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الأحد الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة 1440هـ، الموافق للثلاثين من ديسمبر 2018م. وافتتح الشيخ المجلس بالتذكير بانقضاء الأعمار مع انقضاء الأعوام، وبضرورة الاستعداد للقاء الله والثبات على طاعته حتى الممات.
يتناول هذا المجلس قضية من أخطر قضايا أصول الدين وأصول الفقه، وهي قيام الحجة بخبر الواحد الثقة. يسوق الشيخ براهين الإمام ابن حزم على أن ما نقله الثقة عن الثقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب قبوله والتدين به. ويستدل على ذلك من القرآن، ومن إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الآحاد إلى الآفاق والملوك. ويتصدى الشيخ كذلك لشبهات المعاصرين الذين يتذرعون بتقسيمات القطعي والظني ليردّوا السنة النبوية ويشككوا المسلمين في دينهم.
ويهدف الدرس إلى أن يدرك طالب العلم مسؤولية النذارة والبلاغ، وأن يرسخ يقينه بحجية السنة الصحيحة. ويبين منزلة أقوال الصحابة والتابعين بين التعظيم والاتباع، ويغرس أدب التواضع العلمي مع أئمة الإسلام. ويختم بالتأكيد على أن الصدق مع الله هو سرّ نهضة الأمة وعزّتها.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: وجوب النذارة على الطائفة المتفقهة ومهمة العلماء
قرر الإمام ابن حزم أن الله تعالى أوجب على كل طائفة تفقهت في الدين أن تنذر قومها، وأوجب على قومها قبول نذارتهم. فطالب العلم الذي خرج لطلب العلم يرجع إلى أهل بلدته وقبيلته وعائلته وحيّه ومسجده، فيذكّرهم بالله، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر. وبيّن الشيخ أن هذه مهمة الأنبياء، وهي أشرف المهام، وأن أهل السنة يحبون الخير لكل الخلق. فهم يحبونه للمسلمين بلا ريب، ويحبونه للكفار بأن يهديهم الله إلى الإسلام فينجوا من النار.
وأعظم صفات العلماء أنهم يبلّغون رسالات الله ولا يخشون أحدًا سواه. فالعالم لا يطلب رضا المخلوقين، لأن إرضاءهم ثمنه دِين المرء، فإن أعطوك من دنياهم أخذوا من دينك. وذكر الشيخ وصية شيخه الدكتور محمد بلتاجي رحمه الله، عميد دار العلوم الأسبق، إذ كان يقول لطلابه: «انتبهوا، ما أعطوكم من دنياهم إلا أخذوا من دينكم».
فمهمة طالب العلم هي السعي في إنقاذ الخلق من النار، اقتداءً بالأنبياء عليهم السلام، مع سؤال الله الإخلاص والقبول.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39]
وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71-72]
المحور الثاني: قيام الحجة بخبر الواحد الثقة وأدلته
ساق الإمام ابن حزم براهين قاطعة على أن الحجة تقوم بالواحد. فالطائفة في اللغة تقع على بعض الشيء ولو كان واحدًا. ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن المسلم الثقة لو دخل أرض الكفر، فدعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن وعلّمهم الشرائع، لقامت عليهم الحجة بذلك ولزمهم قبوله. ويستوي في ذلك أن يذهب من تلقاء نفسه، أو يرسله النبي صلى الله عليه وسلم، أو يبعثه خليفة أو أمير أو سلطان.
والنبي صلى الله عليه وسلم بعث رسله آحادًا إلى الآفاق، فبعث معاذًا رضي الله عنه إلى الجَنَد، وبعث أبا موسى إلى ناحية أخرى من اليمن. وأرسل كتبه إلى هرقل وكسرى، وإلى ابني الجُلندى في عُمان، وإلى المقوقس في مصر. ولم يقل أحد من أهل اليمن لمعاذ: «لا نقبل منك أحكام الدين حتى يأتينا جماعة متواترة». ولو قالوا ذلك لما كانوا مسلمين.
فإرسال النبي صلى الله عليه وسلم الواحد دليل على قيام الحجة بالواحد عنده، وقبول الناس منهم دليل على قيامها عندهم. وقد دعا معاذ أهل اليمن إلى أصل الأصول وهو التوحيد، فبطلت دعوى أن خبر الآحاد لا يُؤخذ به في العقيدة.
وبيّن الشيخ أن الثقة قد يخطئ في النقل، ولذلك قرر أهل العلم أن خبر الواحد يوجب العمل ويفيد غلبة الظن. فإذا احتفت به القرائن أفاد العلم، وأعظم ذلك ما في الصحيحين مما تلقته الأمة بالقبول، إلا أحرفًا يسيرة تكلم فيها النقاد. والاقتراب من صحيحي البخاري ومسلم بالطعن دليل على دَخَن في القلب.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» [متفق عليه، واللفظ لمسلم]
المحور الثالث: التصدي للطاعنين في السنة والثقة بوعد الله
حذّر الشيخ من الذين يقسّمون الدين إلى آحاد ومتواتر، وقطعي الثبوت وظنيه، وقطعي الدلالة وظنيها، لا لتحرير مسائل العلم بل للطعن في الثوابت. وهؤلاء يلبّسون على الناس دينهم خطوة بعد خطوة، فيبدؤون بالتشكيك في أحاديث الصحيحين وينتهون إلى الطعن في الدين كله. وأشار الشيخ إلى ضرورة أن يتصدى العلماء الراسخون في الأصول والحديث لمناظرة هؤلاء وكشف شبهاتهم، حتى لا يتزعزع العامة أمامها.
وطمأن الشيخ القلوب بأمرين. الأول وعد رب العالمين بأن كيد الصادّين عن سبيل الله سيكون عليهم حسرة ثم يُغلبون. والثاني أن طلبة العلم يبذلون أنفسهم في سبيل هذا الدين، ولن يسمحوا ما داموا أحياء بالصدّ عن سبيل الله. وأكد أن يقيننا بنصر دين الله أعظم من يقيننا بأن الشمس في النهار والقمر في الليل، وأن هذا الدين سيسود بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل. ونحن خدّام لهذا الدين، والخادم لا يتصرف إلا بإذن سيده.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36]
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83]
المحور الرابع: منزلة أقوال الصحابة والتابعين وأدب طالب العلم مع الأئمة
قرر ابن حزم أن كل ما صح عن صحابي أو تابعي، من قراءة أو فتيا لم تُسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يحل قبوله على أنه دين. فالحجة في الوحي وحده. وفضلهم العظيم لا يعني العصمة، لكنه يوجب حبهم وتعظيمهم، ويرفع عنهم الإثم فيما أخطؤوا فيه باجتهادهم.
واستدل ابن حزم بإجماع الصحابة والتابعين على أن من نزلت به نازلة سأل العالم منهم، لا عن رأيه المجرد، بل عمّا أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى في تلك المسألة.
وعقّب الشيخ بأن كلام ابن حزم يحتاج إلى تفصيل. فالمسألة التي لا يوجد فيها إلا قول الصحابي يختلف حكمها، والعلامة ابن القيم كان أدق في هذا الباب. فقد ذكر في كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين» خمسة أسباب لتقديم أقوال الصحابة على أقوال غيرهم. وقرر الشيخ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أفضل الخلق بعد الأنبياء، يجوز عليه الخطأ، أما النبي صلى الله عليه وسلم فهو المعصوم في البلاغ.
ونبّه الشيخ إلى خطورة الغرور العلمي، كمن يظن أنه أفهم لعلم المصطلح من الحافظ ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث، الذي حرّر هذا العلم وعرّف الصحابي بأنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على الإسلام. وأثنى على العلامة الألباني رحمه الله. وفرّق بين الغرور المذموم والثقة المحمودة، وهي ثبات المرء على دينه ثباتًا لا يهتز. وأكد أن من تواضع لله رفعه، وأن الكِبْر كالدخان يعلو ثم يتلاشى.
المحور الخامس: الصدق مع الله سرّ نهضة الأمة
بيّن الشيخ أن الأمة إذا تعلّمت ارتقت، وإذا جهلت ضاعت. وأن أخطر ما تتعرض له هو الغزو الفكري الذي يغيّر العقائد والمناهج، وهو أشد من غزو السلاح. فيتحول الدين عند بعض المسلمين إلى مجرد شعائر، فتراه محافظًا على الصلاة والصيام لكنه بعيد عن الصدق والمبادئ. ودعا الشيخ إلى محاسبة النفس: هل نصدق مع الله في كل شيء؟ وهل ظاهرنا كباطننا؟
وضرب مثلًا بالعرب قبل الإسلام، فقد كان أحدهم يصنع صنمه من التمر فإذا جاع أكله، ويعبد الحجارة. فلما أسلموا وصدقوا مع الله سادوا الدنيا وملؤوها عدلًا. واستشهد بحديث الأعرابي الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام. فكان الرجل يُسلم يريد الدنيا، فما يلبث إلا يسيرًا حتى يذوق حلاوة الإيمان فيصير الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: «أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ». قال أنس: «إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» [رواه مسلم]
النقاط الرئيسية
- أوجب الله على الطائفة المتفقهة إنذار قومها، وأوجب على قومها قبول نذارتهم، والطائفة تقع في اللغة على الواحد فما فوقه.
- تقوم الحجة بخبر الواحد الثقة، ودليل ذلك إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الآحاد إلى الآفاق والملوك ليعلّموا الناس التوحيد والشرائع.
- خبر الواحد يوجب العمل، وإذا احتفت به القرائن كأحاديث الصحيحين أفاد العلم، والطعن في الصحيحين علامة دَخَن في القلب.
- تقسيمات القطعي والظني يُتخذ بعضها اليوم ذريعة للطعن في السنة والثوابت، ويجب على العلماء الراسخين التصدي لهذه الشبهات.
- لا حجة في قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بدليل، وفضل الصحابة يوجب حبهم وتعظيمهم ولا يعني عصمتهم، ولأقوالهم مزيّة على أقوال غيرهم كما فصّل ابن القيم.
- الغرور العلمي خطر عظيم، ومن الأدب معرفة قدر الأئمة كالحافظ ابن حجر في علم المصطلح.
- الصدق مع الله ومطابقة الظاهر للباطن سرّ عزّة الأمة، والغزو الفكري أخطر عليها من غزو السلاح.
الفوائد والعبر
- على طالب العلم أن يحمل همّ البلاغ، فيرجع إلى أهله وحيّه ومسجده معلّمًا ومذكّرًا، طالبًا رضا الله لا رضا المخلوقين.
- ينبغي للمسلم أن يعظّم السنة الصحيحة ويثق بدواوينها المعتمدة، وألا تهزّه شبهات المشككين، بل يردّها إلى أهل العلم الراسخين.
- من الأدب مع الله اليقين بوعده بنصر دينه، فلا يتسرّب اليأس إلى القلب مهما اشتد كيد الصادّين عن سبيل الله.
- على طالب العلم أن يجمع بين محبة السلف وتعظيمهم وبين ربط الأحكام بالدليل، وأن يتحلى بالتواضع ويتجنب الكِبْر والغرور العلمي.
- كل عام ينقضي نقص من العمر، فليحاسب المرء نفسه، وليجعل ظاهره كباطنه، وليصدق مع الله في عبادته ومعاملته وأخلاقه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات