شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (14) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

1,770 مشاهدة
27 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع عشر من مجالس شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله. يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري، وقد أُلقي بعد صلاة العشاء ليلة الأحد السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 1440هـ، الموافق للخامس والعشرين من نوفمبر 2018م. يتناول الشيخ في هذا المجلس «الباب الثامن: في البيان ومعناه»، وهو من أهم أبواب أصول الفقه. فبالبيان يُفهم مراد الله تعالى ومراد رسوله ﷺ، وتُفسَّر المجملات، وتُخصَّص العمومات.

بيّن الشيخ أن البيان هو الإيضاح، وأن من أجلّ من كتب فيه الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه «الرسالة». وأشار إلى أن ابن حزم استفاد منه استفادة عظيمة. ونبّه أيضًا إلى كتاب «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» للعلامة الشنقيطي رحمه الله لمن أراد التوسع في هذا الباب.

أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد حقيقة البيان وأنواعه من تفسير واستثناء وتخصيص، وأن يفرّق بين التخصيص والنسخ. ويتعلم كذلك مصادر البيان: القرآن بالقرآن، والسنة بالقرآن، والقرآن بالسنة، والإجماع. ويقف على أمثلة تطبيقية من أبواب الزكاة والصلاة والبيوع والنكاح.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حقيقة البيان وأن السنة تفسّر مجمل القرآن

قرّر ابن حزم أن التخصيص والاستثناء نوعان من أنواع البيان. وقد يكون بيان الجملة تفسيرًا لكيفياتها وكمياتها دون أن يخرج منها شيء مما تقتضيه في اللغة. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فهذا أمر مجمل بيّنه النبي ﷺ. فبيّن أنواع الزكاة: زكاة الفطر، وزكاة المال، وزكاة الإبل والبقر والغنم، وزكاة الزروع، وزكاة عروض التجارة. وبيّن أن الزكاة لا تجب إلا في النصاب، وهو عشرون دينارًا من الذهب ومئتا درهم من الفضة.

وكذلك الصلاة: النبي ﷺ هو الذي بيّن أنها خمس صلوات. وبيّن أن الجهر يكون في الصبح والمغرب والعشاء، وأن الإسرار يكون في الظهر والعصر. وبيّن عدد الركعات، والأذكار في الركوع والسجود وبين السجدتين والتشهد. وفصّل كذلك صفة الحج، وأحال أمته على فعله فقال:

«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (رواه البخاري)
«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»

وأشار الشيخ إلى كتاب «صفة صلاة النبي ﷺ» للعلامة الألباني رحمه الله، وأنه بيّن الصلاة من التكبير إلى التسليم. ثم نبّه على خطأ بعض الأئمة الذين يطيلون القراءة إطالة تشقّ على المأمومين. وأوضح أنه إذا اتفق المصلّون جميعًا على الإطالة ولم يكن فيهم ضعيف ولا مريض ولا ذو حاجة فلا حرج في ذلك أحيانًا. واستدل بأن النبي ﷺ قرأ في المغرب بسورة الأعراف مرات قليلة.

وجعل الشيخ أعظم ما يُفسَّر به القرآن هو القرآن نفسه، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم أقوال الصحابة، ثم اللغة، ثم تفسير التابعين.

المحور الثاني: البيان بالاستثناء، ومثاله بيع العرايا

قد يكون البيان بالاستثناء، ومثاله نهي النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر. ففي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ سُئل عن شراء التمر بالرطب فقال: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟» قالوا: نعم، فنهى عن ذلك. فالأصل أن هذا البيع ربا لا يجوز، كأن يشتري صاعًا من الرطب بصاع من التمر في السوق.

ثم استثنى النبي ﷺ «العرايا» فيما دون خمسة أوسق. وصورتها أن يكون الرجل فقيرًا في بلاد النخيل لا يملك نخلًا ولا دراهم، وعنده تمر، فيشتري به رطب نخلة أو نخلتين ليأكل منه هو وأولاده. ونبّه الشيخ إلى أن العرايا تكون في النخيل لا في الأسواق.

وربط الشيخ ذلك بالقاعدة الفقهية الكبرى: «المشقة تجلب التيسير»، وهي إحدى القواعد الخمس الكبرى في الفقه، وتنبني عليها مئات الأدلة. فما وُجدت مشقة إلا وجاءت الشريعة بالتيسير والرحمة بالخلق.

وذكر أن الاستثناء يكون بألفاظه المعروفة: إلّا، وخلا، وحاشا، وما لم، ونحوها. ومثّل له بقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ فبيّن الاستثناء أن نوحًا عليه السلام لبث في قومه تسعمئة وخمسين عامًا.

المحور الثالث: البيان بالتخصيص، ومثاله نكاح الكتابيات

قد يأتي حكم بلفظ الأمر أو الخبر مستثنًى من جملة، وهذا هو التخصيص. ومثاله أن الله تعالى حرّم نكاح المشركات عمومًا في قوله:

﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: 221]

ثم خصّ من هذا العموم نساء أهل الكتاب فأباح نكاحهن بقوله:

﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: 5]

وبيّن الشيخ أن الإحصان في القرآن يأتي بثلاثة معانٍ: الإسلام، والزواج، والعفة. والمراد هنا العفة. فلا يجوز الزواج من الكتابية إلا إذا عُلم أنها عفيفة، أما الفاجرة فلا تحل ولو أعجب الرجلَ حسنُها. ونبّه أيضًا إلى أن الأولى في هذا الزمان تقديم الزواج من المسلمات، لكثرة العوانس منهن.

المحور الرابع: الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء

النسخ هو رفع الحكم كله أو بعضه بعد ثبوته. ومثاله التوجه إلى بيت المقدس، فقد عمل به الصحابة مدة ثم رُفع. أما التخصيص والاستثناء فيدلّان على أن الله تعالى لم يُرد قط إلزامنا بالجملة على عمومها. فالله لم يُرد قط بتحريم المشركات تحريم الكتابيات العفيفات.

ولهذا شدّد ابن حزم على أن طاعة الله ورسوله ﷺ واجبة، وأنه لا يجوز لأحد أن يدّعي نسخ شيء من الشريعة إلا ببيان جليّ لا شك فيه. فادعاء النسخ إقرار بأن الحكم كان لازمًا ثم سقط، وهذا لا يحل قوله إلا بيقين. والقول في دين الله بالشك حرام.

ومثّل الشيخ لذلك بفرض خمسين صلاة ليلة المعراج ثم نسخها إلى خمس. فهذا نسخ ثابت بيقين، ولا يُقبل مثله إلا بنص صريح.

المحور الخامس: مصادر البيان والرد على من حصره في السنة

يكون البيان بالقرآن للقرآن، وبالحديث للقرآن، وبالإجماع المنقول، وقد يُبيَّن الحديث بالقرآن. ومن تخصيص القرآن بالقرآن قوله تعالى:

﴿إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ۝ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 6-7]

فاستثنى الله الأزواج وملك اليمين من عموم حفظ الفروج. ثم خصّ من ذلك المحرماتِ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ...﴾ [النساء: 23]. وحرّم الجمع بين الأختين، ونكاح المشركة.

وجاءت السنة ببيان المحرمات بالرضاع في قوله ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ». وثبت تحريم الذكور والبهائم بالإجماع المأخوذ من النصوص، وبالقاعدة المقررة: «الأصل في الفروج التحريم».

ثم ردّ ابن حزم على من زعم أن القرآن لا يُبيَّن إلا بالسنة، محتجًّا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. فأجاب بأن الآية ليس فيها أن النبي ﷺ لا يبيّن إلا بوحي غير القرآن. فإذا تلا النبي ﷺ القرآن فقد بيّنه، والبيان كله من عند الله، سواء كان وحيًا متلوًّا وهو القرآن، أو وحيًا غير متلوّ وهو السنة المطهرة. ودليل ذلك قوله تعالى:

﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ۝ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۝ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 17-19]
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]

فصحّ بذلك أن الآية قد تكون بيانًا لآية أخرى. ومثاله أن الطلاق ذُكر مجملًا، ثم بيّنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، وكذلك فصّلته سورة الطلاق.

النقاط الرئيسية

  • البيان هو الإيضاح. ومن أجلّ ما كُتب فيه «الرسالة» للإمام الشافعي و«أضواء البيان» للشنقيطي.
  • أنواع البيان ثلاثة: التفسير، والاستثناء، والتخصيص. وعدّ ابن حزم التخصيص والاستثناء من البيان.
  • السنة النبوية فصّلت مجملات القرآن في الصلاة والزكاة والحج وغيرها.
  • العرايا مستثناة من تحريم بيع الرطب بالتمر، رحمةً بالفقراء وتطبيقًا لقاعدة «المشقة تجلب التيسير».
  • نكاح الكتابيات العفيفات مخصوص من عموم تحريم نكاح المشركات.
  • النسخ رفع لحكم ثابت، والتخصيص بيان أن العموم لم يُرَد أصلًا. ولا يجوز ادعاء النسخ إلا بيقين.
  • القرآن يبيّن القرآن، والسنة تبيّن القرآن، والإجماع كذلك. والبيان كله وحي متلوّ أو غير متلوّ.

الفوائد والعبر

  • لا غنى عن السنة لفهم القرآن: من أراد أن يعبد الله كما أمر فعليه بالسنة المبيّنة لكتاب الله، كما قال ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
  • الحذر من القول على الله بغير علم: لا يجوز إسقاط حكم شرعي أو ادعاء نسخه إلا بيقين ودليل جليّ.
  • مراعاة أحوال الناس في العبادة: على الإمام أن يراعي الضعيف والمريض وذا الحاجة، ولا يطيل القراءة بما يشق على المأمومين.
  • الشريعة مبنية على الرحمة والتيسير: كما يظهر في رخصة العرايا. وهذا يزيد المسلم ثقة بكمال دينه وعدله.
  • التثبت في أحكام النكاح: اختيار الزوجة يكون على أساس العفة والدين، وحفظ الفروج أصل عظيم لا يُستباح إلا بما أحل الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات