شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (9) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم واصل الشرح من حيث توقف في المجلس السابق، وهو باب الحدود والمصطلحات الأصولية، وأهمها تعريف «القياس» عند ابن حزم.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية كبيرة، لأن القياس من أكثر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين المذهب الظاهري وجمهور الأمة. فابن حزم يعرّفه بأنه الحكم في شيء بحكم لم يأتِ به نصّ لشبهه بشيء آخر ورد فيه ذلك الحكم، ثم يحكم ببطلانه كله. والشيخ يعرض قوله ويناقشه بإنصاف، مستعيناً بتقريرات الإمام ابن القيم في «إعلام الموقعين» والعلامة الشنقيطي في «مذكرة أصول الفقه».
ويهدف الدرس إلى أن يتعرّف الطالب على حقيقة القياس وموقف ابن حزم منه، وأن يدرك ما أصاب فيه الظاهرية وما أخطؤوا فيه. كما يعرض مسألة تعليل الأحكام وحِكَم الشريعة، ويبيّن الفروق بين مصطلحات: السبب والعلة والعلامة والشرط. والغاية من ذلك كله تربية الطالب على الإنصاف في الحكم على المذاهب والأئمة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف القياس عند ابن حزم وموقفه منه
يعرّف ابن حزم القياس بقوله: «القياس عند القائلين به أن يُحكم في شيء ما بحكم لم يأتِ به نص، لشبهه بشيء آخر ورد فيه ذلك الحكم»، ثم يقول: «وهو باطل كله». ويبيّن الشيخ أن هذا الإطلاق غير مسلَّم. فالقياس منه صحيح ومنه فاسد، والحكم على جميعه بالبطلان فيه تعميم في غير موضعه.
ويقرّر الشيخ أن القياس الصحيح من الميزان الذي أنزله الله تعالى مع الكتاب. ومن ردّه فقد ردّ جزءاً من هذا الميزان، ولذلك احتاج الظاهرية إلى توسيع دلالة الظاهر وتوسيع الاستصحاب، حتى يسدّوا الفراغ الذي تركه ردّ القياس.
ومن الأمثلة التي ذكرها الشيخ: تحريم الحشيشة. فهو ثابت بعموم النص في قوله ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (رواه مسلم)، ويثبت أيضاً بالقياس على الخمر بجامع الإسكار. فالدليلان يتعاضدان في هذه المسألة.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: 17]
المحور الثاني: تعليل الأحكام والحكمة في الشريعة
نقل الشيخ كلام ابن القيم في أن أهل السنة وسط في باب الحكمة والتعليل بين طرفين:
- المعتزلة القدرية الذين غلوا في التعليل.
- الجهمية الجبرية الذين نفوا الحكمة والتعليل أصلاً.
أما أهل السنة فيثبتون لله تعالى الحِكَم والغايات المحمودة في خلقه وأمره، ويثبتون لام التعليل وباء السببية في القضاء والشرع.
ونقل الشيخ عن العلامة الشنقيطي أن المحققين على أن الله تعالى شرع الأحكام لحِكَم ومصالح، وأن الأحكام الشرعية معلّلة. لكن منها ما تُعلم حكمته، ومنها ما لا تُعلم حكمته. ومثال الثاني: تفاصيل الأنصبة في المواريث، وأعداد الركعات في الصلوات. فالله عز وجل غني عن خلقه، والمصلحة في تشريعه عائدة إلى العباد الفقراء إليه.
ومن الأمثلة التي استدل بها الشيخ على مراعاة العلة: نهي القاضي عن الحكم وهو غضبان. فالعلة هي تشوّش الفكر، فيُلحق بالغضب كل ما في معناه مما يشوّش الذهن، كشدة الجوع والمرض الشديد.
قال رسول الله ﷺ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (متفق عليه)
المحور الثالث: أخطاء الظاهرية الأربعة كما بيّنها ابن القيم
ذكر الشيخ أن ابن القيم أنصف الظاهرية، فأثنى عليهم بأنهم أحسنوا في أمور ثلاثة:
- الاعتناء بالنصوص والمحافظة عليها.
- عدم تقديم الرأي والقياس والتقليد على النصوص.
- ردّ الأقيسة الباطلة وبيان تناقض أهلها فيها.
ثم بيّن ابن القيم أنهم أخطؤوا من أربعة أوجه:
- الأول: ردّ القياس الصحيح، ولا سيما القياس المنصوص على علّته.
- الثاني: التقصير في فهم النصوص، فلم يعتبروا دلالة التنبيه والإيماء والإشارة وفحوى الخطاب. ومن الأمثلة عليه: قوله تعالى ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]، فقد اقتصروا فيه على اللفظ، والمعنى المفهوم منه أن ما فوق التأفيف من الأذى أولى بالتحريم.
- الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، فانتقلوا من مبالغة بعض الحنفية في القياس إلى مبالغة في الاستصحاب.
- الرابع: اعتقادهم أن الأصل في العقود والشروط البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فأبطلوا كثيراً من معاملات الناس.
ومن الأمثلة على التقصير في فهم النصوص: قول ابن حزم في حديث النهي عن البول في الماء الراكد. فقد قصر الحكم على البول فيه مباشرة، ولم يُدخل فيه من بال في إناء ثم صبّه في الماء، مع أن المعنى واحد.
قال رسول الله ﷺ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (رواه البخاري)
المحور الرابع: قاعدة «عدم العلم ليس علماً بالعدم» والأصل في المعاملات
نبّه الشيخ على قاعدة مهمة، وهي أن عدم علم المجتهد بالدليل الناقل لا يعني العلم بعدم وجوده. فقد تخفى السنة على بعض كبار العلماء، بل على كبار الصحابة، كما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض المسائل.
ورجّح الشيخ ما قرّره ابن القيم من أن الأصل في العقود والشروط الصحة، إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه. وهذا بخلاف الأصل في العبادات، فإنه المنع والتوقيف حتى يقوم الدليل. وذكر من أمثلة ذلك إقرار النبي ﷺ أنكحة من أسلموا دون أن يسألهم عن كيفية عقودها.
كما ذكر الشيخ تجربة له في مجلس علمي، نوقشت فيه مسألة تقسيم المياه. وبيّن أن الاستثناء الوارد في حديث «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» بلفظ «إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» زيادة ضعيفة، وأن العمدة في هذا الحكم هو الإجماع.
المحور الخامس: حدود ابن حزم للسبب والعلة والعلامة والشرط والنسخ
شرح الشيخ تعريفات ابن حزم لعدد من المصطلحات، مع أمثلتها:
- السبب: أمر وقع فاختار الفاعل أن يوقع فعلاً آخر من أجله، ولو شاء لم يوقعه. ومثاله: الذنوب سبب للعقوبة.
- العلامة: أمر يُصطلح عليه بين اثنين، أو يضعه المرء لنفسه ليتذكر به شيئاً.
- الشرط: ما لا يصح الشيء إلا به. ومثاله: الطهارة شرط لصحة الصلاة.
ثم تناول الشيخ تعريف النسخ بأنه ورود أمر بخلاف أمر كان قبله، فيرفع حكم الأول. ومثّل له بقوله ﷺ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» (رواه مسلم).
كما فرّق الشيخ بين النسخ والتخصيص والاستثناء. ومثّل للاستثناء بقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14]، وبيّن أن الاستثناء ليس نسخاً، لأن المستثنى لم يدخل في الحكم أصلاً.
النقاط الرئيسية
- القياس عند ابن حزم هو إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص لشبه بينهما، وهو يبطله كله، والصواب أن منه الصحيح ومنه الفاسد.
- القياس الصحيح من الميزان الذي أنزله الله مع الكتاب، وردّه يُلجئ إلى التوسع في الظاهر والاستصحاب.
- أهل السنة وسط في إثبات الحكمة والتعليل، بين المعتزلة القدرية والجهمية الجبرية.
- أحكام الشريعة معلّلة بحِكَم ومصالح، منها ما نعلمه ومنها ما يخفى علينا.
- أخطأ الظاهرية في أربعة أمور: ردّ القياس الصحيح، والتقصير في فهم النصوص، والتوسع في الاستصحاب، والقول بأن الأصل في العقود البطلان.
- عدم العلم بالدليل لا يعني العلم بعدم وجوده.
- الأصل في العبادات التوقيف، والأصل في المعاملات والعقود والشروط الصحة إلا ما نهى عنه الشارع.
الفوائد والعبر
- الإنصاف مع المخالف منهج العلماء الراسخين، فابن القيم أثنى على صواب الظاهرية قبل أن يبيّن خطأهم، وهذا ما نحتاجه اليوم في تعاملنا مع المذاهب والأقوال.
- على طالب العلم أن يتجنب التعميم في الأحكام، فيفرّق بين الصحيح والفاسد في كل باب، ولا يردّ الأصل كله لوجود خطأ في بعض صوره.
- فهم مقاصد النصوص ودلالاتها بالتنبيه والإيماء والفحوى ضروري لحسن الاستنباط، ولا يكفي الوقوف عند ظاهر اللفظ.
- التسليم لأحكام الله واجب سواء عَلِمنا حكمتها أم لم نعلمها، مع اليقين بأنها كلها حكمة ورحمة بالعباد.
- معرفة أن الأصل في المعاملات الصحة تيسّر على الناس شؤونهم، وتحمي من إبطال العقود بغير دليل شرعي.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات