شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (51) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,931 مشاهدة
476 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي والخمسون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ في هذا الدرس باب «العموم»، وهو من أهم مباحث أصول الفقه، لأن كثيرًا من الأحكام الشرعية تتوقف على فهم دلالة الألفاظ العامة في الكتاب والسنة، وعلى الأصل المتبع فيها: هل يُحمل اللفظ على عمومه، أم على الخصوص، أم يجب التوقف حتى يرد دليل يبيّن المراد؟

يعرض الإمام ابن حزم في هذا الموضع البراهين على بطلان قول القائلين بالخصوص وقول الواقفية، ويثبت أن الأصل حمل الكلام على عمومه وظاهره حتى يقوم دليل صحيح على تخصيصه. ويبيّن أن المخالفين أنفسهم يحملون كثيرًا من النصوص على العموم بمجرد اللفظ، فيلزمهم ذلك في سائر النصوص.

ويهدف الدرس إلى أن يتعرّف طالب العلم على أقوال الأصوليين في دلالة العموم وأدلتهم، وأن يدرك أن الوحي مقدَّم على الرأي، وأن اللغة أداةٌ وضعها الله للتفاهم والبيان. كما يهدف إلى تعويده على منهج المطالبة بالدليل، ورفض الدعوى المجردة عن البرهان.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الأصل في الخطاب حملُه على العموم والظاهر

يقرر الإمام ابن حزم أن الكلام لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يُفهم المراد من لفظ الخطاب نفسه، وإما من معنى يُستخرج منه. فإن كان المراد مأخوذًا من اللفظ فهو المطلوب، وإن كان مأخوذًا من معنى مستنبط فلا يكون الاستنباط أقوى من النص الذي استُنبط منه. فالدليل الشرعي مقدّم، لأنه وحيٌ من الله تعالى، والوحي مقدّم على آراء البشر.

ويترتب على ذلك أن ترك ظاهر النص وعمومه بغير دليل يفضي إلى إبطال الخطاب الشرعي كله، ويجعل فهم النصوص تابعًا للأهواء والآراء. ولهذا كان الأصل عند ابن حزم إجراء الألفاظ على عمومها حتى يرد دليل التخصيص.

المحور الثاني: الرد على القائلين بالخصوص

يناقش الإمام القائلين بأن الأصل في اللفظ الخصوص، فيسألهم: إذا خصصتم قول الله تعالى:

﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]

ببعض المشركين دون بعض، فبأي شيء استحق هذا البعض الذي حملتم الآية عليه أن يكون هو المراد دون غيره؟ وما الفرق بينكم وبين من يعكس قولكم فيجعل المراد ما تركتموه؟ فإن ادعوا ذلك بغير دليل فهي دعوى مجردة، وكل دعوى بلا برهان ساقطة.

وإن قالوا: لا نخصص إلا بدليل، فقد رجعوا إلى قول القائلين بالعموم، لأن هؤلاء يقولون: الأصل العموم، فإذا ورد الدليل على التخصيص قلنا به. وبهذا ينهدم أصل قولهم من أساسه.

المحور الثالث: الرد على الواقفية

ثم يعرض الإمام قول من يرى التوقف في الألفاظ العامة حتى يرد دليل يبيّن المراد. ويسألهم عن مدة هذا التوقف: أيومًا، أم سنة، أم أكثر؟ فإن قالوا: نتوقف حتى ننظر في الكتاب والسنة، قيل لهم: فإن لم تجدوا مخصِّصًا لزمكم العمل بالعموم، وهذا هو قولنا.

وإن قالوا: نتوقف أبدًا ولا نعمل، فقد عطّلوا أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ، وزعموا أن الله لم يبيّن كتابه، وأن رسوله ﷺ لم يبيّن سنته. وهذا قول باطل يناقض وصف القرآن بالبيان، ويؤول إلى ترك الشريعة.

المحور الرابع: إلزام المخالفين بما عملوا به من العموم

يبيّن الإمام أن المخالفين أنفسهم يحملون نصوصًا كثيرة على العموم بمجرد اللفظ، دون دليل زائد، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]

﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22]

﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]

فقد حمل جمهور العلماء آية الاعتكاف على عموم المساجد، مع وجود حديث «لا اعتكافَ إلا في المساجدِ الثلاثة»، وحملوه على نفي الكمال لا على نفي الصحة، تقديمًا لعموم القرآن. وحملوا كذلك قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور: 6]

على عموم الأزواج. وحمل أبو حنيفة وغيره قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ على العموم في النكاح وملك اليمين، وحملوا قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] على العموم كذلك. فإذا كانوا يعملون بالعموم بمجرد اللفظ في هذه المواضع، لزمهم ذلك في سائر النصوص، وبطل قولهم إن الأصل الخصوص أو التوقف.

المحور الخامس: اللغة وسيلة البيان، والوحي كلٌّ واحد

يوضح الشيخ أن اللغة أداة التفاهم التي جعلها الله بين الناس، فلا يمكن أن تُفهم المعاني إلا بها. ولكل جنس ونوع وشخص اسمٌ يُعرف به، فالألفاظ وُضعت لعموم الأجناس وعموم الأنواع، ولآحاد الأشخاص. واستشهد الشيخ باختلاف الألسنة، وبما علّمه الله لسليمان عليه السلام:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: 16]

ثم يقرر الإمام ابن حزم أن القرآن والسنة كالشيء الواحد، يُضم بعضهما إلى بعض، فلا يُؤخذ بنصٍّ ويُترك آخر، ولا يكون بعضه أولى بالاتباع من بعض. فإذا ثبت النص عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ وجب اتباعه، ومن ادعى غير ذلك فقد تحكّم بلا برهان.

النقاط الرئيسية

  • الأصل في ألفاظ الكتاب والسنة حملها على عمومها وظاهرها حتى يقوم دليل صحيح على التخصيص.
  • المعنى المستنبط لا يكون أقوى من النص الذي استُنبط منه، والوحي مقدّم على الرأي.
  • القول بالخصوص بلا دليل تحكّم ودعوى مجردة، والدعوى بلا برهان ساقطة.
  • من قال: لا نخصص إلا بدليل، فقد وافق القائلين بالعموم.
  • التوقف المطلق في النصوص العامة يؤدي إلى تعطيل الشريعة وإنكار بيان القرآن والسنة.
  • المخالفون يحملون كثيرًا من النصوص على العموم بمجرد اللفظ، كآيات الأمانات والاعتكاف واللعان والجمع بين الأختين، فيلزمهم ذلك في غيرها.
  • القرآن والسنة وحدة واحدة يُضم بعضها إلى بعض، ولا يُقدَّم نص على نص بغير برهان.

الفوائد والعبر

  • تعظيم النصوص الشرعية والعمل بظاهرها، وعدم صرفها عن معانيها إلا بدليل معتبر.
  • التعوّد على المطالبة بالدليل في كل مسألة علمية، وعدم قبول الأقوال المجردة عن البرهان.
  • العناية بتعلّم اللغة العربية، فهي الوسيلة التي يُفهم بها كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.
  • جمع نصوص الكتاب والسنة في المسألة الواحدة قبل الحكم، دون الأخذ ببعضها وترك بعض.
  • التزام الإنصاف في المناظرة، بإلزام المخالف بما يقرّ به من أصول، وطرد القاعدة دون تناقض.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات