شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (19) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,620 مشاهدة
34 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس التاسع عشر من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول فيه مسألةً أصوليةً كبرى طال فيها النقاش بين أهل العلم، وهي: هل يوجب خبر الواحد العدل العلمَ والعملَ معًا، أم يوجب العملَ دون العلم؟ أي: هل هو قطعيّ الثبوت يفيد اليقين، أم ظنيّ الثبوت يفيد غلبة الظن مع وجوب العمل به؟

وتكمن أهمية هذه المسألة في أنها تتصل اتصالًا مباشرًا بحجية السنة النبوية، إذ إن أكثر السنة إنما نُقل بطريق الآحاد لا بطريق التواتر. وقد عرض الشيخ أقوال العلماء في المسألة، ثم بيّن ردّ ابن حزم على المخالفين، ومنهم أبو بكر بن كيسان الأصم، وشرع في بيان أدلة ابن حزم على أن خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة يوجب العلم.

ويهدف هذا المجلس إلى تعريف طالب العلم بمعنى خبر الآحاد ومنزلته، وبمذاهب الأصوليين فيه، وبوجه استدلال ابن حزم بحفظ الله تعالى للوحي كتابًا وسنة، مع بيان ما يرد على بعض الأقوال من مؤاخذات، وتوضيح جهود المحدّثين في تمييز الصحيح من السقيم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تعريف خبر الآحاد وأقوال العلماء في إفادته العلم

بيّن الشيخ أن خبر الواحد هو كل خبر لم يبلغ حدّ التواتر، سواء رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة. والسؤال المطروح: هل هو قطعيّ الثبوت يوجب اليقين بأن النبي ﷺ قاله، أم هو ظنيّ الثبوت يجب العمل به دون القطع بصحة نسبته؟

ونقل ابن حزم عن أبي سليمان داود بن علي الأصبهاني إمام أهل الظاهر، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهم: أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معًا، وبهذا قال ابن حزم. وذكر أحمد بن إسحاق المعروف بابن خويز منداد هذا القول عن الإمام مالك بن أنس.

أما الحنفية والشافعية وجمهور المالكية وجميع المعتزلة والخوارج فقالوا: إن خبر الواحد لا يوجب العلم وإنما يوجب العمل، لأن الراوي مهما بلغ من الثقة والإتقان يجوز عليه الخطأ والوهم، فيفيد خبره غلبة الظن لا اليقين.

المحور الثاني: الحديث المرسل وموقف العلماء منه

ذكر ابن حزم أن بعض العلماء سوّى بين المسند والمرسل، وبعضهم فرّق بينهما. وعرّف الشيخ المسند بأنه المتصل إلى رسول الله ﷺ أو إلى من دونه، والمرسل بأنه ما قال فيه التابعي: قال رسول الله ﷺ.

ونبّه الشيخ إلى مؤاخذة على من عرّف المرسل بأنه ما سقط منه الصحابي، لأننا لو علمنا أن الساقط هو الصحابي لما ضرّ ذلك، إذ إن جهالة الصحابي لا تقدح لثبوت عدالة الصحابة جميعًا. وإنما الإشكال في احتمال أن يكون التابعي قد روى عن تابعي آخر لا يُعرف حاله.

وقال بعضهم: المرسل لا يوجب علمًا ولا عملًا وإن أمكن أن يكون حقًا، وذهبت المعتزلة والخوارج إلى ترك العمل به، بحجة أن ما جاز أن يكون كذبًا أو خطأ فلا يجوز أن يُنسب إلى دين الله عز وجل.

المحور الثالث: الردّ على قول ابن كيسان الأصم

نقل ابن حزم قول أبي بكر بن كيسان الأصم من المعتزلة: إنه لو وردت مئة خبر ثبت أنها كلها صحيحة إلا واحدًا لا يُعرف بعينه، لوجب التوقف عن جميعها، لأنه لا يُقطع بأن أحدها حق، ولا يُؤمن فيه الكذب والنسخ والوهم.

وردّ ابن حزم هذا القول بأنه دعوى بلا دليل، وأن الواجب هو البحث عن الخبر الباطل أو المنسوخ حتى يتبيّن، فإن لم يتبيّن وجب العمل بالجميع، لأن الأصل وجوب العمل بالسنة الصحيحة، والأصل البراءة من النسخ والكذب والوهم حتى يثبت خلاف ذلك. واستدل بقوله تعالى:

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 3]

وألزمه بالقرآن الكريم، ففيه آيات منسوخة بلا شك لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]، وقد اختلف العلماء في بعض الآيات أهي منسوخة أم محكمة، ولم يقل أحد بوجوب التوقف عن العمل بالقرآن كله خوفًا من العمل بمنسوخ، بل الواجب العمل بكل آية حتى يصح نسخها. وبيّن أن قول ابن كيسان يوجب ترك الحق يقينًا خوفًا من الوقوع في خطأ غير متيقَّن، ولا فرق بين ترك العمل بالحق يقينًا وبين العمل بالباطل يقينًا.

وأشار الشيخ إلى جهود أهل الحديث في غربلة الأحاديث، مستشهدًا بقول عبد الله بن المبارك حين قيل له عن الأحاديث الموضوعة: «تعيش لها الجهابذة»، وبما رُوي عن الزنديق الذي ادّعى وضع آلاف الأحاديث، فكان من جواب أهل العلم أن ابن المبارك وأبا إسحاق الفزاري ينخلانها، فلا يزال أهل الحديث ينفون عن حديث النبي ﷺ تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

المحور الرابع: كلام النبي ﷺ في الدين وحيٌ محفوظ

شرع ابن حزم في إيراد البراهين على أن خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة يوجب العلم، وبنى ذلك على مقدمات: أولها أن كلام النبي ﷺ في الدين وحي من عند الله، والثانية أن الوحي محفوظ بحفظ الله، والثالثة أنه يستحيل أن يضيع شيء مما قاله ﷺ في الدين أو أن يختلط بالباطل الموضوع اختلاطًا لا يتميّز عند أحد من أهل العلم. واستدل بقوله تعالى:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: 50]
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

ونبّه الشيخ إلى عبارة ابن حزم: إن ما تكفّل الله بحفظه فمضمون ألّا يضيع منه شيء، وألّا يُحرَّف منه شيء أبدًا تحريفًا لا يأتي البيان ببطلانه، ولو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبًا وضمانه خائسًا، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل. ولذلك لا تزال طائفة من أمة النبي ﷺ ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها ولا من خالفها. وبيّن أن هذا الدين محفوظ ومبلَّغ إلى كل من طلبه إلى انقضاء الدنيا، كما قال تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19].

المحور الخامس: الذِّكر يشمل القرآن والسنة، والسنة بيان القرآن

أورد ابن حزم اعتراض من قال: إن المقصود بالذكر المحفوظ هو القرآن وحده دون سائر الوحي الذي ليس قرآنًا، وردّه بأن هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]، فمن لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها.

وبيّن أن اسم الذكر واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن أو سنة يُبيَّن بها القرآن، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]، فالنبي ﷺ مأمور ببيان القرآن، وإنما يكون البيان بسنته.

ومثّل الشيخ لذلك بالصلاة والزكاة والحج والصيام، فهي في القرآن مجملة، وبيانها التفصيلي من عدد الركعات وما يُقرأ فيها والركوع والسجود والجلوس إنما جاء في السنة. فلو كان هذا البيان غير محفوظ ولا مضمونة سلامته لبطل الانتفاع بنص القرآن، ولتعطّلت الشرائع المفترضة. ثم ختم ابن حزم بإلزام المخالفين: هل يجوز عندكم أن تكون شريعة فرض أو تحريم جاء بها رسول الله ﷺ باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة، ثم لا يعلمها يقينًا أحد من الأمة أبدًا؟ وبيّن الشيخ في تعقيبه أن الكلام إنما ينصبّ على الأحاديث الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول وعمل بها الفقهاء، وأن القرائن كالإخراج في الصحيحين وعمل العلماء من أسباب إفادة الخبر العلم.

النقاط الرئيسية

  • خبر الآحاد هو كل خبر لم يبلغ حدّ التواتر، والخلاف فيه دائر حول إفادته العلم واليقين، مع اتفاق الجمهور على وجوب العمل به.
  • ذهب ابن حزم وأهل الظاهر والكرابيسي والمحاسبي، ونُقل عن مالك، إلى أن خبر الواحد العدل المتصل يوجب العلم والعمل معًا.
  • ذهب الحنفية والشافعية وجمهور المالكية إلى أنه يوجب العمل ويفيد غلبة الظن، لجواز الخطأ والوهم على الراوي.
  • قول ابن كيسان الأصم بالتوقف عن مئة خبر لوجود خبر واحد باطل لا يُعرف بعينه قولٌ باطل، والواجب البحث ثم العمل بالأصل.
  • كلام النبي ﷺ في الدين وحي من عند الله، والوحي محفوظ بحفظ الله، فيستحيل أن يضيع منه شيء أو يختلط بالباطل اختلاطًا لا يتميز.
  • الذكر المحفوظ يشمل القرآن والسنة، لأن السنة هي البيان الذي تتوقف عليه معرفة مراد الله في المجمل من القرآن.
  • أهل الحديث هم حراس السنة، ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

الفوائد والعبر

  • تعظيم السنة النبوية والثقة بها، واليقين بأن الله تكفّل بحفظ دينه كتابًا وسنة إلى قيام الساعة، فلا يُلتفت إلى المشككين فيها.
  • الأصل العمل بالنصوص الثابتة وعدم تركها لمجرد الاحتمال، فالاحتمال المجرد لا يرفع اليقين، ومن ترك الحق خوفًا من خطأ موهوم فقد وقع في الباطل.
  • ضرورة التثبت من الأحاديث قبل نشرها، والرجوع إلى أهل الاختصاص في الحكم عليها، والحذر مما يتداوله الناس من أحاديث مكذوبة لا أصل لها في كتب السنة.
  • إدراك أن فهم القرآن والعمل به متوقف على السنة، فلا يمكن أداء الصلاة والزكاة والصيام والحج على وجهها إلا ببيان النبي ﷺ.
  • التأدب مع المخالف في المسائل الأصولية، وأن تكون المناقشة بالبرهان والدليل، عملًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات