شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (40) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الأربعون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد الدرس ليلة الأحد الثاني من شهر الله المحرم سنة 1441هـ، الموافق للأول من سبتمبر 2019م. وموضوعه فصل مهم من مباحث الأمر والنهي، وهو فصل «كيف ترد الأوامر». ويجيب هذا الفصل عن سؤال أساسي: كيف نعرف أن الكلام أمرٌ من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه وسلم؟
يحتاج هذا الباب كل من يريد أن يفهم نصوص الكتاب والسنة على وجهها، لأن الأحكام الشرعية لا تأتي دائمًا بصيغة «افعل» و«لا تفعل». فكثير منها يأتي في صورة خبر، مثل «كُتب عليكم» و«حُرّمت عليكم»، أو في صورة جملة من مبتدأ وخبر. ومن لم يعرف هذه الصيغ فقد يفوته فهم كثير من الأحكام.
والدرس يهدف إلى أن يتعلم طالب العلم ما يلي:
- الصيغ التي يأتي بها الأمر.
- أن الأمر يُحمل على الفرض والوجوب ما لم يصرفه نص أو إجماع.
- الصيغ التي تدل على الندب، والصيغ التي تدل على الإباحة.
- تطبيق هذه القواعد على أمثلة فقهية، منها حرمة البيت الحرام وغسل الجمعة وأحكام الحج.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الوجهان اللذان يرد عليهما الأمر الواجب
قرر الإمام ابن حزم أن الأوامر الواجبة ترد على وجهين:
- الوجه الأول: لفظ «افعل» أو «لا تفعل».
- الوجه الثاني: لفظ الخبر، ويأتي في صورتين:
- جملة فعلية، ومنها ما لم يُسمَّ فاعله، مثل «كُتب» و«حُرّم».
- جملة اسمية من مبتدأ وخبر.
من أمثلة صيغة «افعل» قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.
ومن أمثلة الخبر بالجملة الفعلية:
- ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
- ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾
- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾
- ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾
- ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾
وقد جاء كثير من هذه الأوامر بصيغة ما لم يُسمَّ فاعله. لكن الله تعالى قال عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فعلمنا يقينًا أن الآمر والناهي في الشريعة هو الله عز وجل وحده، سواء ذُكر اسمه في النص أو لم يُذكر.
ومن أمثلة الخبر بالجملة الاسمية:
- ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾
- ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾
- ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾
- ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾
كل هذه الآيات أخبار يُراد بها الأمر والإلزام.
المحور الثاني: الفرق بين الأمر والخبر المحض
بيّن ابن حزم أن صيغة «افعل» و«لا تفعل» صيغة خاصة بالأمر والنهي، ولا يشاركها فيها الخبر المحض. أما الخبر المحض فهو مجرد إخبار، كقولك: «محمد قائم» أو «عامر غائب». فهذا لا أمر فيه.
وأما الأخبار التي وردت في نصوص الشرع وحملها العلماء على الأمر، فلم يُصرف معناها إلى الأمر بالهوى، وإنما صُرف بالبرهان. وطالب العلم يحتاج إلى معرفة هذا الفرق حتى لا يحمل الخبر على الأمر بغير دليل، ولا يترك الأمر الذي جاء في صورة خبر.
المحور الثالث: مثال تطبيقي على حرمة البيت الحرام
ضرب ابن حزم مثالًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وقرر أنه خبر بمعنى الأمر، أي: أمِّنوا من دخله. واستدل لذلك ببرهانين ضروريين:
- البرهان الأول من القرآن: أمرنا الله بقتال من قاتلنا في الحرم، فلا يمكن أن يكون المقصود خبرًا بأن كل من دخله آمن.
- البرهان الثاني من المشاهدة: وقع القتل في الحرم مرة بعد مرة، كما حدث على يد الحجاج بن يوسف والقرامطة وغيرهم. والله تعالى لا يقول إلا حقًا، فدل ذلك على أن الآية أمر بتأمين من دخل الحرم، وليست خبرًا عن واقع.
وبنى ابن حزم على ذلك أنه لا يحل أن يُقام في الحرم حد ولا قصاص ولا تعزير ولا سجن، ويُستثنى من ذلك من قاتلنا فيه فقط، كما نص القرآن. واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ».
وقال ابن حزم إن هذا الحديث خبر على التحقيق وأمر على التأكيد، ولا يجوز أن يدخله نسخ أبدًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن هذه الحرمة باقية إلى يوم القيامة. فمن أجاز نسخه فقد أجاز تكذيب الخبر الصادق.
ونقل الشيخ عن ابن عمر رضي الله عنهما وغيره من السلف ما يدل على تعظيمهم لحرمة الحرم، حتى إن الرجل منهم لو لقي فيه قاتل أبيه لم يتعرض له.
المحور الرابع: الأمر للفرض حتى يرد صارف، وصيغ الندب
قرر ابن حزم أن كل ما ورد من الأوامر والنواهي على الصفتين السابقتين فهو على الفرض والوجوب، ما لم يأتِ نص أو إجماع يدل على أنه ندب أو منسوخ أو أن بعضه خارج عن الحكم.
وأما الندب فيُعرف من وجهين:
- أن يأتي بلفظ صريح يدل على الندب.
- أن يأتي في صورة مدح للفاعل أو بيان لفضل الفعل، دون إلزام به.
ومن أمثلة المدح قول الله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، فهذا حث على الاستنجاء بالماء. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ»، فهذا ترغيب وليس فرضًا. وأشار الشيخ أيضًا إلى حديث الطائفتين من المسلمين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن أولاهما بالحق هي التي تقاتل المارقين. واستُفيد منه أن ترك القتال بين المسلمين المتأولين مستحب.
ثم ذكر غسل الجمعة، وأوجبه ابن حزم لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»، وحديث: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». وعلّق الشيخ بأن الحديث صريح في الوجوب، فلو قاله إمام من الأئمة لما استطاع أحد أن يصرفه عن ظاهره، فكيف وهو من قول المشرّع صلى الله عليه وسلم؟ وبيّن أنه واجب على من يشهد الجمعة، وليس واجبًا على المسافر ولا على المرأة في بيتها ما لم تحضر الجمعة.
المحور الخامس: صيغ الإباحة
تُعرف الإباحة بضرورة اللغة ومراتبها، ولها صيغتان:
- التخيير بلفظ «أو»: ومنه قول الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ». وتعجب ابن حزم ممن حمل كفارة الجماع في رمضان على التخيير، مع أنه صح الحديث بالترتيب، ثم حمل الوقوف بعرفة ليلًا أو نهارًا على إيجاب الوقوف بالليل.
- نفي الحرج أو الإثم أو الجناح: ومنه قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾، وقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر لمن قدّم شيئًا على شيء من رمي أو حلق أو نحر: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
وأشار ابن حزم إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وبيّن أن المراد بها تحديد وقت الإحلال، وأنها توافق النصوص الأخرى التي نفت الحرج عمن قدّم بعض أعمال يوم النحر على بعض.
النقاط الرئيسية
- الأمر الواجب يرد على وجهين: لفظ «افعل» و«لا تفعل»، ولفظ الخبر بجملة فعلية أو اسمية تفيد الأمر.
- الآمر والناهي في الشريعة هو الله تعالى وحده، سواء ذُكر اسمه أو جاء الفعل بصيغة ما لم يُسمَّ فاعله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى.
- الأصل في الأوامر الفرض والوجوب، ولا تُصرف إلى الندب أو غيره إلا بنص أو إجماع.
- قول الله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ خبر بمعنى الأمر بتأمين من دخل الحرم، ودليل ذلك القرآن والمشاهدة.
- لا يُقام في الحرم حد ولا قصاص ولا تعزير، إلا على من قاتلنا فيه، وحرمته باقية إلى يوم القيامة ولا يدخلها النسخ.
- يُعرف الندب بالمدح والترغيب، وتُعرف الإباحة بالتخيير بلفظ «أو» أو بنفي الحرج والإثم والجناح.
- غسل الجمعة واجب على من يشهدها، لصراحة حديث «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».
الفوائد والعبر
- ينبغي لقارئ القرآن والسنة أن ينتبه إلى الأوامر التي تأتي بصيغة الخبر، مثل «كُتب عليكم» و«حُرّمت عليكم»، فهي تكاليف ملزمة وليست مجرد إخبار.
- من التسليم لله ورسوله أن يُحمل الأمر على ظاهره من الوجوب، وألا يُصرف عنه إلا ببرهان صحيح، ولا يُترك قول النبي صلى الله عليه وسلم الصريح لقول أحد.
- على المسلم أن يعظّم حرمة البيت الحرام، فيأمن فيه الناس، ويتجنب فيه كل أذى واعتداء.
- من التيسير في الشريعة أنها رفعت الحرج في مواضع كثيرة، مثل تقديم أعمال يوم النحر بعضها على بعض. وهذا يدعو المسلم إلى أن يأخذ برخص الله، ولا يشدد على نفسه وعلى الناس بغير دليل.
- ينبغي للمسلم أن يحرص على المندوبات التي مدحها الشرع ورغّب فيها، مثل التطهر والإكثار من قول «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فهي من أسباب رفع الدرجات.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات