شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (6) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,648 مشاهدة
292 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس مسألة من مقدمات علم أصول الفقه، وهي مسألة «أصل اللغات». والسؤال فيها: هل اللغة توقيف من الله تعالى علّمه آدم عليه السلام، أم هي اصطلاح وتواضع اتفق عليه الناس؟ وقد أفرد لها ابن حزم كلامًا مستقلًا في كتابه، لأن فهم الخطاب الشرعي يقوم على فهم اللغة التي نزل بها.

يعرض الشيخ في المجلس أقوال العلماء في المسألة، ويشرح ما اختاره ابن حزم من القول بالتوقيف وأدلته عليه من القرآن والسنة والنظر العقلي. ويضرب لذلك أمثلة من الواقع، منها اكتساب الأطفال للغة، واختلاف اللهجات بين البلدان، وتغيّر أسماء الأشياء عند الناس على مر الزمان.

ويخرج المشاهد من المجلس بفهم أوضح لأصل اللغة وموقعها من علم الأصول، ويعرف ما يُستدل به في هذه المسألة. ويقف كذلك على نعمة الكلام والبيان التي خصّ الله بها الإنسان، فيقوم بشكرها.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: افتتاح المجلس بخطبة الحاجة

بدأ الشيخ المجلس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يفتتح بها خطبه، على عادة أهل العلم في الاقتداء بالسنة. وفيها الأمر بتقوى الله، والتذكير بأن الناس خُلقوا من نفس واحدة، والحث على القول السديد، والتحذير من البدع ومحدثات الأمور.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

وفي الحديث: «وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: أصل اللغة بين التوقيف والاصطلاح

عرض الشيخ خلاف العلماء في أصل اللغة. فمن العلماء من قال إنها اصطلاح، أي أن الناس اتفقوا فيما بينهم على تسمية هذا الشيء بكذا وذاك بكذا. ومنهم من قال إنها توقيف من الله تعالى، ومنهم من توقف في المسألة. وبيّن أن الإمام ابن حزم رحمه الله اختار القول بالتوقيف، واستدل عليه بالقرآن والسنة وبالدليل العقلي.

وأقوى ما استدل به ابن حزم قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 31]. وتناول الشيخ أقوال المفسرين في معنى «الأسماء»: هل هي أسماء كل الأشياء، أم أسماء ما كان موجودًا في زمن آدم، أم الأسماء التي يحتاج إليها، أم الأسماء التي عُرضت على الملائكة. ونبّه على أن هذه المسألة من المسائل التي يكثر فيها الكلام وقليلًا ما يُبنى عليها عمل.

والدليل العقلي عند ابن حزم أن الاصطلاح نفسه لا يكون إلا بكلام سابق يتفاهم به المتواضعون. فلو لم تكن عندهم لغة متقدمة لما أمكنهم أن يتفقوا على تسمية الأشياء أصلًا، فلزم أن يكون أول الكلام تعليمًا من الله سبحانه.

المحور الثالث: اكتساب اللغة بالسليقة واختلاف اللهجات

استشهد الشيخ بحال الطفل، فهو يولد لا يعلم شيئًا، ثم يكتسب لغة المكان الذي ينشأ فيه بالسليقة والمخالطة. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]. فلا بد للإنسان من معلّم يكلّمه حتى يتكلم. وبهذا يتأيد القول بأن الإنسان الأول تلقى الكلام من خالقه سبحانه.

ثم ضرب الشيخ أمثلة على اختلاف اللهجات. فالطفل يأخذ لهجة أهل بلده وإن كان أبواه من بلد آخر، والناطقون بالإنجليزية عندهم لغة فصحى تُدرّس ولغة دارجة يتعاملون بها. وفي مصر تُنطق القاف همزة في المدن وجيمًا في الصعيد، وتُنطق الجيم جيمًا قاهرية في موضع وجيمًا معطّشة في آخر. وهذا كله داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22].

وذكر الشيخ كذلك أن أسماء الأشياء تتغير عند الناس مع الزمن، ومثّل لذلك بالفأس التي تُسمّى في بعض البيئات «بَلْطة»، وبشجرة النبق التي تسمى «السِّدْر»، ومنها سدرة المنتهى المذكورة في القرآن الكريم. ومقصوده أن البشر لا بد لهم من لغة يتخاطبون بها ويتفاهمون بها في طعامهم وشرابهم وسائر شؤونهم.

المحور الرابع: الرسل واللغة، وأن المكان لا يُحدث اللغة

من الأدلة التي ذكرها الشيخ في المسألة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]. فالرسول يُبعث بلغة قومه الموجودة قبل بعثته. وهذا يدل على أن اللغات كانت قائمة متداولة بين الناس قبل إرسال الرسل إليهم.

وعرض الشيخ ردّ ابن حزم على من زعم أن الأمكنة والبيئات هي التي تُحدث اللغات. فبيّن أن أهل الجبال وأهل السهول، وأهل المدن وأهل الأرياف، قد يتكلمون لغة واحدة. وما يقع بينهم من فروق في اللهجات سببه المخالطة والاكتساب، وليس سببه طبيعة الأرض نفسها.

المحور الخامس: الكلام نعمة إلهية وحدّ الكلام المفيد

بيّن الشيخ أن النطق والبيان من أعظم النعم التي امتنّ الله بها على الإنسان، فلا تقوم حياة الناس بالإشارة وحدها. وذكّر بأن الكلام صفة من صفات الله تعالى، فهو سبحانه يتكلم بما شاء متى شاء، ويجب على العبد أن يشكر نعمة البيان التي وهبه الله إياها.

ثم وقف الشيخ عند تعريف الكلام عند أهل اللغة، وهو «اللفظ المفيد فائدةً يحسن السكوت عليها». وفرّق بين الكلام المفيد وبين الأصوات المفردة أو الألفاظ المرصوصة التي لا معنى لها. وبيّن أن تأليف الكلمات بعضها إلى بعض على وجه يُفهم لا يكون إلا عن فهم لمواضعها، وهذا مما يؤيد أن أصل الكلام تعليم من الله.

النقاط الرئيسية

  • مسألة أصل اللغة من مقدمات علم أصول الفقه، وفيها ثلاثة أقوال: التوقيف، والاصطلاح، والتوقف.
  • اختار الإمام ابن حزم القول بالتوقيف، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
  • الاصطلاح نفسه يحتاج إلى لغة سابقة يُتفاهم بها، وهذا من أقوى أدلة القائلين بالتوقيف.
  • الطفل يولد لا يعلم شيئًا، ثم يكتسب لغة بيئته ولهجتها بالسليقة والمخالطة.
  • اختلاف الألسنة واللهجات آية من آيات الله، وأسماء الأشياء تتغير عند الناس مع الزمن.
  • الرسل يُبعثون بألسنة أقوامهم، فاللغات كانت موجودة قبل البعثة، والأمكنة لا تُحدث اللغات.
  • الكلام في اصطلاح أهل اللغة هو اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها، والنطق نعمة عظيمة تستوجب الشكر.

الفوائد والعبر

  • استحضار نعمة النطق والبيان وشكر الله عليها، باستعمال اللسان في الحق والقول السديد.
  • العناية بتعلم اللغة العربية الفصحى، لأنها مفتاح فهم نصوص الكتاب والسنة واستنباط الأحكام.
  • الحرص على تعليم الأطفال اللغة الفصيحة في سن مبكرة، لأنهم يكتسبون اللغة بالسليقة من بيئتهم.
  • التمييز بين المسائل التي ينبني عليها عمل والمسائل التي يقل نفعها، وتقديم الأهم في طلب العلم.
  • التأمل في اختلاف الألسنة والألوان بوصفه آية من آيات الله الدالة على عظيم قدرته وحكمته.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات