شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (12) لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني عشر من مجالس شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام العلامة أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويبدأ فيه الشيخ شرح الباب السابع: «في أصول الأحكام في الديانة، وأقسام المعارف، وهل على النافي دليل؟». وهو باب جليل يؤسس فيه ابن حزم لطرق المعرفة التي يُبنى عليها العلم كله، ثم يبيّن كيف قادت هذه الطرق إلى اليقين بوجود الله تعالى ووحدانيته، وبصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ووجوب الانقياد لما جاء به.
وتظهر أهمية هذا الدرس في أنه يرسم العلاقة بين العقل والنقل. فالعقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، بل هما نور على نور. ويحذّر الدرس من مسلكين: مسلك السفسطائيين الذين يبطلون الحقائق والبدهيات، ومسلك من يقع في الدور الفاسد في الاستدلال.
ويهدف الدرس إلى أن يتعرّف طالب العلم على طريقَي المعرفة عند ابن حزم، ويفهم معنى «مقام المنع» في المناظرة، ويدرك أنواع الدور كما فصّلها شيخ الإسلام ابن تيمية، ويستوعب الأدلة العقلية والقرآنية على التوحيد والنبوة، ويقف على أمر القرآن باستعمال السمع والبصر والعقل في الوصول إلى الحق.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: طرق المعرفة ومسألة «هل على النافي دليل؟»
افتتح الشيخ الباب بتوضيح المسألة التي في عنوانه: إذا نفيتَ حكمًا، هل يلزمك أن تأتي بدليل على النفي؟ وبيّن أن النافي في باب المناظرة يقوم في «مقام المنع». فهو يمنع الحكم حتى يأتي المثبت بدليل عليه، ويقول له: أثبت هذا الحكم الذي تدعو إليه.
ثم ذكر قول ابن حزم إنه لا طريق إلى العلم أصلًا إلا من وجهين:
- الأول: ما أوجبته بديهة العقل وأوائل الحس.
- الثاني: مقدمات راجعة إلى بديهة العقل وأوائل الحس.
ومثّل الشيخ لبديهة العقل بأن الكل أكبر من الجزء. ومثّل لأوائل الحس بإدراك الحار والبارد، وبمعرفة أننا في الليل أو في النهار. فهذه أمور لا تحتاج إلى دليل، ومن جادل فيها فهو سفسطائي لا يُناقَش. ومن زعم أن النار لا تحرق قيل له: ادخل التنور ثم أخبرنا!
وذكر الشيخ أيضًا حال بعض المتفلسفين الملاحدة. يقول أحدهم «لا إله والطبيعة»، فإذا نزل به الضيق والمرض لجأ إلى الله وطلب الدعاء. وهذا شاهد على أن الفطرة والبديهة أقوى من كل جدل.
المحور الثاني: الاستدلال العقلي على وجود الله ووحدانيته
بيّن الشيخ أن المقدمات الضرورية الصحيحة تقود إلى العلم بصحة التوحيد. فما من مصنوع إلا وله صانع، وما من مخلوق إلا وله خالق. والقرآن مليء بالجدل الحق الذي يقيم الحجة، بخلاف جدل السفسطة الذي يبطل الحقائق. قال تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36]
وذكر الشيخ حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه في الصحيحين، لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بسورة الطور وهو يومئذ مشرك. قال: «فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾... كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ». وبيّن الشيخ أن الآية جاءت على طريقة «السبر والتقسيم» المعروفة في أصول الفقه والمنطق. فهي تحصر الاحتمالات ثم تبطل الباطل منها:
- إما أن يكونوا خُلقوا من غير شيء، وهذا باطل.
- وإما أن يكونوا خلقوا أنفسهم، وهذا باطل.
- فلم يبق إلا أن لهم خالقًا هو الله سبحانه.
وعلى الوحدانية استدل الشيخ بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. فلو وُجد إلهان لعلا أحدهما على الآخر، فلا بد أن يكون الإله واحدًا.
المحور الثالث: من لوازم التوحيد الإيمانُ بالرسالة، وأدلة صدق النبوة
قرّر الشيخ أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالرسالة. فالله لم يخلق الخلق عبثًا، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]، وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]. وذكر قصة ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن نصب الجبال؟ ثم قال: «آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟».
ومن حكمة الله أن يكون الرسول بشرًا من قومه، معروف النسب والصدق، وقد لُقّب قبل البعثة بالصادق الأمين. قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: 9].
والفارق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب هو المعجزة. ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم:
- المعجزات المعنوية، وأعظمها القرآن الكريم الذي أحيا الله به القلوب. ومن شواهد ذلك قلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان شديدًا على المسلمين ثم أسلم وصار من أعظمهم.
- المعجزات الحسية، كنبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع، وشكوى البعير.
وقارن الشيخ بين ذلك وبين حال مسيلمة الكذاب. فقد حاول معارضة سورة الكوثر ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ فجاء بكلام سخيف يضحك منه العقلاء.
ومن أدلة صدقه أيضًا ثبات أتباعه على دينهم مع شدة الابتلاء. وقد سأل هرقلُ أبا سفيان: «فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟» قال: لا. فقال هرقل: «وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ».
ومن الأدلة كذلك إخباره، وهو النبي الأمي، بأمور لم يكتشفها البشر إلا بعد قرون. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: 19-20]، ولم يركب صلى الله عليه وسلم البحر قط. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، ولم يكن له علم بالطب. فالذي أخبره بذلك هو الحكيم الخبير سبحانه.
المحور الرابع: وجوب الانقياد والتدبر، والتحذير من الدور الفاسد
لمّا ثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن ربه من الأمر والنهي والوعد بالنعيم والوعيد بالعذاب، لزمنا الانقياد لما أمرنا به. فالمؤمن لا يتبع الناس في المعاصي، لأنه يوقن بالحساب والرجوع إلى الله. ووجب علينا كذلك تدبر القرآن والأخذ بما فيه، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82].
ونبّه ابن حزم إلى أننا لا نصحح مدارك العقل والحس بالقرآن، لأن ذلك يؤدي إلى الدور. فإذا قيل لنا: بماذا عرفتم أن القرآن حق؟ قلنا: بمقدمات صحاح يشهد لها العقل والحس. فإن قيل: وبماذا عرفتم صحة العقل والحس؟ لم يصح أن نقول: بالقرآن، فهذا استدلال فاسد مبطل للحقائق. وإنما في القرآن تنبيه لأهل الغفلة، وحسم لشغب أهل العناد الذين يبطلون العقول.
وعرّف الشيخ الدور بأنه توقف الشيء على ما يتوقف عليه، كمسألة البيضة والدجاجة. ثم نقل تقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية للدور:
- الدور القبلي، وهو ممتنع.
- الدور المعِيّ، وهو ممكن، كتلازم الأبوة والبنوة.
- الدور الحكمي الذي يذكره الفقهاء كما في المسألة السريجية، وهو باطل عقلًا وشرعًا.
- الدور الحسابي الذي يُحل بالجبر والمقابلة.
وقرّر أن معرفة الشريعة غير موقوفة على شيء يُتعلَّم من غير المسلمين. وأصّل كذلك أن العلم أصله في القرآن، وأن السنة تفصّله، كما قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]. فالقرآن كتاب تشريع وهداية، وفيه أصول العلوم.
المحور الخامس: أمر القرآن باستعمال السمع والبصر والعقل
من الأدلة على أن الله أمر باستعمال دلائل العقل والحواس قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: 23]. قال ابن حزم: وصدق الله تعالى، ما شكره من أبطل دلائل سمعه وبصره وعقله. وشكرها يكون باستعمالها فيما يقرّب إلى الله، وبفهم ما جاء عن رب العالمين وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10]. وذمّ الله من عطّل هذه النعم فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]. فهم يبصرون الطرق ولا يبصرون الحقائق، ويسمعون الكلام ولا يسمعون الحق.
ويوم القيامة يعترف أهل النار بتقصيرهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]. لقد كانوا يتكلمون ويعملون ويجمعون الدنيا، لكنهم لم يسمعوا الحق ولم يعقلوه عن ربهم.
النقاط الرئيسية
- النافي يقوم في المناظرة في «مقام المنع»، ويُطالَب المثبت بالدليل على ما يدّعيه.
- لا طريق إلى العلم عند ابن حزم إلا ببديهة العقل وأوائل الحس، أو بمقدمات راجعة إليهما.
- بالمقدمات الضرورية الصحيحة عُلم وجود الله ووحدانيته، وآية الطور مثال قرآني على «السبر والتقسيم».
- الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالرسول، لأن الله لم يخلق الخلق عبثًا ولم يتركهم سدى.
- صدق النبوة ثابت بالمعجزات الحسية والمعنوية، وأعظمها القرآن، وبثبات أتباعه رغم البلاء، وبإخباره بالغيب وهو أمي.
- لا يصح تصحيح العقل والحس بالقرآن، لأن ذلك دور فاسد، والعقل الصريح موافق للنقل الصحيح.
- أمر القرآن باستعمال السمع والبصر والعقل، وذمّ من عطّلها عن إدراك الحق.
الفوائد والعبر
- اليقين المبني على الدليل: إيمان المسلم قائم على براهين العقل والفطرة والوحي، وهذا يمنحه ثباتًا أمام شبهات الإلحاد والسفسطة.
- شكر نعمة العقل والحواس: يكون باستعمالها في تدبر كتاب الله وفهم السنة، لا في اللهو والجدل الباطل.
- الانقياد للشرع: مَن أيقن بصدق الرسول وبالحساب لم يتبع الناس في المعاصي، بل التزم الأمر والنهي.
- الثبات في البلاء: ثبات الصحابة ومن بعدهم مع شدة الأذى درس عملي في التمسك بالدين إذا خالطت بشاشة الإيمان القلوب.
- منهجية الحوار: يتعلم طالب العلم أدب المناظرة، ومعرفة مقام المنع، واجتناب الاستدلالات الدائرية الفاسدة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات