شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (54) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,593 مشاهدة
40 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الرابع والخمسون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس مسألة من أهم مسائل باب العموم والخصوص، وهي: إذا دخل التخصيصُ اللفظَ العام، فهل يبقى عامًّا فيما لم يُخَصَّ منه، ويُحتَجّ به فيما بقي؟ أم يسقط الاحتجاج بعمومه؟

وتظهر أهمية هذه المسألة في أن أكثر نصوص الكتاب والسنة العامة قد دخلها شيء من التخصيص. فلو قلنا إن العام إذا خُصَّ بطل الاحتجاج به، لتعطّل العمل بكثير من النصوص. ولهذا عرض الإمام ابن حزم أقوال العلماء فيها، ثم بيّن القول الذي يراه صحيحًا، وفرّق بين النص العام الذي يُفهم معناه بنفسه، والنص المجمل الذي لا يُفهم المراد منه إلا ببيان من نص آخر أو إجماع.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم الخلاف في حجية العام بعد تخصيصه، وأن يميّز بين العام والمجمل، وأن يفهم حاجة المجمل إلى البيان من نصوص الوحي، كما يقرر قاعدة رفع التكليف بما لا يُطاق، وأنها من رحمة الله تعالى بعباده وفضله عليهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: هل يبقى العام المخصوص عامًّا فيما بقي؟

يبدأ الإمام ابن حزم بسؤال: إذا دخل النصَّ العامَّ تخصيصٌ، فهل يبقى عامًّا فيما لم يُخَصَّ، أم يخرج عن العموم؟ ثم ذكر أن للعلماء في ذلك أقوالًا.

القول الأول أن العام يبقى على عمومه فيما عدا الصورة المخصوصة. ومعنى ذلك أن التخصيص يُخرج من الحكم ما دلّ الدليل على إخراجه فقط، ويبقى النص حجة فيما سواه. وقال آخرون إنه لا يبقى على عمومه.

ونقل ابن حزم عن عيسى بن أبان من الحنفية أن العام إذا خُصَّ لم يُعمَل منه إلا بما اتُّفق عليه. وقد بيّن الشيخ أن قول من يرى أن النص إذا دخله التخصيص بطل العمل به يؤدي إلى تعطيل كثير من النصوص الشرعية.

المحور الثاني: القول الذي صححه ابن حزم والتفريق بين العام والمجمل

القول الثالث هو الذي صححه ابن حزم، وفيه تفصيل. فإذا كان النص لو تُرك وظاهرَه لم يُفهم منه المراد، فلا يُعمل منه إلا بما بيّنه نص آخر أو إجماع. أما النص الذي يُفهم معناه من لفظه، فيُعمل بعمومه فيما لم يأتِ دليل بتخصيصه.

فالفرق إذن بين العام الذي يدل لفظه على أفراده ويُفهم بنفسه، والمجمل الذي لا يُعرف المقصود منه بمجرد لفظه، بل يحتاج إلى بيان من خارجه.

المحور الثالث: أمثلة المجمل: الصلاة والزكاة

مثّل ابن حزم للمجمل بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. فالصلاة والزكاة جاءتا معرّفتين بالألف واللام، وهما تعودان على أمر معهود عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يُعرف من ظاهر الآية وحدها كيفية الصلاة، ولا عدد الصلوات في اليوم والليلة، ولا عدد ركعات كل صلاة، ولا ما يُقال في كل ركعة، ولا ما يُجهر فيه وما يُسَرّ.

وكذلك الزكاة، فهي أنواع: زكاة الذهب والفضة، وزكاة بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، وزكاة الزروع والثمار. ولكل نوع نصابه ومقداره وشروطه. وهذا كله لا يُعرف من مجرد قوله تعالى: «وآتوا الزكاة»، فوجب أن يؤخذ بيانه من نصوص أخرى من القرآن والسنة النبوية، أو من الإجماع.

وأشار الشيخ إلى أننا نعتقد فرضية الصلاة من الآية، أما صفتها فقد بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وقوله، ومن ذلك قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».

المحور الرابع: التكليف بقدر الوسع ورفع ما لا يُطاق

استدل ابن حزم بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فليس في وسعنا أن نعرف مراد الله في المجمل بغير بيان، فلا بد من نص يوضحه. ومن أمثلة ذلك استقبال القبلة، وقد جاء فيه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.

ثم تكلم ابن حزم في مسألة التكليف بما لا يُطاق. فذكر أنه لا يمتنع في العقل أن يكلف الله عباده ما شاء، كأن يكلفهم نزح ماء البحر مرة واحدة. لكنه سبحانه لم يفعل ذلك رحمةً بعباده وتفضلًا منه. فالشرع قد رفع التكليف بما لا يُطاق، وإن كان العقل لا يحيله.

وبيّن الشيخ أن الشريعة جاءت لمصلحة البشر، فلم تأمرهم إلا بما يقدرون عليه. وهذا من كرم الله ولطفه، ومن دلائل كمال شريعته.

المحور الخامس: التأمل في عظمة الخالق وإحكام الشريعة

ذكر الشيخ في أثناء الدرس استطرادًا في التأمل في إحكام خلق الله تعالى وعجائب مخلوقاته، وكيف تسير وفق نظام دقيق يدل على علم الخالق وحكمته. ثم ربط ذلك بإحكام الشريعة، فالذي أتقن الخلق هو الذي أحكم الشرع، ولم يكلف عباده إلا بما فيه صلاحهم وفي وسعهم.

النقاط الرئيسية

  • اختلف العلماء في العام إذا دخله التخصيص: هل يبقى حجة فيما بقي بعد التخصيص أم لا؟
  • نقل ابن حزم عن عيسى بن أبان من الحنفية أن العام المخصوص لا يُعمل منه إلا بما اتُّفق عليه.
  • صحح ابن حزم التفريق بين النص الذي يُفهم بنفسه فيُعمل بعمومه، والنص المجمل الذي لا يُعمل منه إلا بما بيّنه نص آخر أو إجماع.
  • قوله تعالى: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» مثال للمجمل، فصفة الصلاة ومقادير الزكاة لا تُعرف إلا من السنة.
  • الألف واللام في «الصلاة» و«الزكاة» للعهد، أي العبادة المعهودة التي بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم.
  • لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولذلك وجب أن يأتي البيان لكل مجمل يُطالَب العبد بالعمل به.
  • التكليف بما لا يُطاق ليس ممتنعًا عقلًا عند ابن حزم، لكن الله رفعه شرعًا رحمةً وتفضلًا.

الفوائد والعبر

  • السنة النبوية ضرورية لفهم القرآن، فلا تُعرف أركان الإسلام العملية على وجهها إلا ببيانها.
  • على طالب العلم أن يتأنى قبل أن يحكم بعموم نص أو إسقاطه، وأن يجمع نصوص الباب كلها ثم يستنبط الحكم.
  • رفع الحرج عن العباد وتكليفهم بقدر وسعهم من رحمة الله تعالى، وهذا يورث المسلم محبة ربه وشكره.
  • الشريعة الإسلامية كاملة ومحكمة، ولا يُتصوَّر أن يأتي البشر بشريعة تبلغ مبلغها في تحقيق مصالحهم.
  • التأمل في إحكام الخلق يزيد الإيمان بحكمة الخالق في شرعه، فيقوي ذلك يقين المسلم وانقياده للوحي.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات