شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (45) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس والأربعون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم شكر من سبقه إلى التعريف بهذا الكتاب والتنويه به عملًا بقول النبي ﷺ: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ». بعد ذلك شرع في مسألة أصولية دقيقة عنوانها: هل الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده؟ وهل النهي عن الشيء أمرٌ بضده؟
ترجع أهمية هذه المسألة إلى أنها ليست خلافًا لفظيًا فقط. فهي متفرعة عن مسألة عقدية كبرى هي صفة الكلام لله عز وجل، ولذلك اختلفت فيها الفرق تبعًا لاختلافها في تلك الصفة. وقد نبّه الشيخ إلى أن كثيرًا من مباحث أصول الفقه دخلها علم الكلام والمنطق، فلا بد لطالب العلم من معرفة أصل الخلاف حتى يميز الصواب من الخطأ.
ويتعلم المشاهد من هذا الدرس ما يلي: الأقوال في علاقة الأمر بالنهي عن الضد، والفرق بين الضد الأخص والضد الأعم، والفرق بين اجتماع التروك واجتماع الأفعال، ومعنى «أو» في سياق الأمر وفي سياق النهي، وأنواع الدلالات الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وصلة المسألة بصفة الكلام
مثّل الشيخ للمسألة بالأمثلة الآتية: إذا أمر الله بالصلاة، فهل ذلك نهيٌ عن الأكل والشرب واللعب في أثنائها؟ وإذا أُمر المرء بالقيام، فهل ذلك نهي عن الجلوس؟ ثم بيّن أن أهل القبلة اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال، وأن سبب الخلاف هو الاختلاف في صفة الكلام.
القول الأول للأشاعرة، وهو مبني على قولهم بالكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت. فهم يرون أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، لأن المعنى القائم بالنفس واحد عندهم ولا صيغة له. القول الثاني للمعتزلة، وهم ينفون صفة الكلام ويقولون إنه مخلوق. فعندهم أن الأمر بالشيء ليس هو النهي عن ضده ولا يستلزمه.
القول الثالث قول أهل السنة والجماعة، وهو أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت متى شاء، وأن للأمر صيغة وللنهي صيغة. فصيغة «أقيموا الصلاة» غير صيغة «ولا تقربوا الزنا». وعلى هذا فالأمر بالشيء ليس هو عين النهي عن ضده، لكنه يستلزمه. فالأمر بالقيام يلزم منه النهي عن القعود، وليس هو نفسه.
وقرّر الشيخ عقيدة أهل السنة في القرآن بقولهم: «الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ». فإذا استمعنا إلى القرّاء المتقنين في مصر وخارجها، فالصوت صوتهم، والمسموع كلام رب العالمين. ونبّه إلى أن الإمام ابن قدامة رحمه الله، مع جلالته وإمامته في السنة، قال في «روضة الناظر» إن الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى. ورأى الشيخ أن في هذه العبارة أثرًا من مذهب الأشاعرة، وأن ابن حزم كان أدق منه في هذا الموضع.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]
المحور الثاني: الضد الأخص والضد الأعم عند ابن حزم
قال أبو محمد إن النهي موافق لمعنى الأمر، لأن النهي في حقيقته أمرٌ بالترك، وترك الشيء فعلٌ. لكنه فرّق بين الضد الأخص والضد الأعم. وشرح الشيخ هذين المصطلحين من خلال الجنس والنوع في علم المنطق، ومثّل له بتعريف الإنسان بأنه «حيوان ناطق»: فالحيوان جنس، والناطق فصلٌ يخصّص النوع.
والضد الأخص هو الضد الذي لا واسطة بينه وبين ضده، فمن خرج من أحدهما دخل في الآخر. ومثاله أن تقول لإنسان: «لا تتحرك»، فيلزمه السكون ضرورةً. أما الضد الأعم فهو ما بينه وبين ضده وسائط. ومثاله أن تقول له: «لا تقم»، فهذا ليس أمرًا بالجلوس على التعيين، لأن بين القيام والجلوس وسائط كالاتكاء والركوع والاضطجاع. وكذلك من قيل له: «لا تلبس السواد»، فلبس الأحمر أو الأخضر، فإنه لا يكون عاصيًا، بل هو ممتثلٌ بترك السواد.
ونبّه الشيخ إلى أن ابن حزم تأثر كثيرًا بعلم المنطق، وقد ألّف فيه كتاب «التقريب لحد المنطق»، وهو مطبوع ضمن رسائله بتحقيق الدكتور إحسان عباس. وذكر أن هذا التأثر كان من أسباب انحرافه في بعض مسائل العقيدة، كما نبّه على ذلك الإمام الذهبي رحمه الله.
المحور الثالث: التروك تجتمع والأفعال لا تجتمع
قرّر ابن حزم أن الأمر بالشيء نهيٌ عن كل ما خالفه. فإذا أمرته بالقيام فقد نهيته عن القعود والاضطجاع والركوع والسجود وكل هيئة تخالف القيام. وعلّة ذلك أن ترك الأفعال الكثيرة المختلفة في وقت واحد ممكن وواجب، أما الإتيان بأفعال كثيرة متنافية في وقت واحد فمحال.
وضرب الشيخ لذلك أمثلة. فالمصلي يترك في وقت واحد الأكل والشرب والكلام واللعب ومجالسة الإخوان، لكنه لا يستطيع أن يكون قائمًا وراكعًا وساجدًا ومتشهدًا في اللحظة نفسها. فالأفعال واحدة، والتروك كثيرة. وكذلك المسافر يمشي إلى جهة واحدة، وهو في الوقت نفسه تاركٌ لكل الجهات الأخرى. فمن سلك طريق المنصورة مثلًا لا يمكنه أن يسلك طريق الإسكندرية في الوقت ذاته.
المحور الرابع: «أو» بين التخيير في الأمر والجمع في النهي
بيّن ابن حزم أن حرف «أو» إذا جاء في الأمر أفاد التخيير، فيكفي فعل واحد من المذكورات. ومن ذلك كفارة اليمين، فهي على التخيير بين الإطعام والكسوة والعتق. وأشار الشيخ إلى أن الأولى أن يختار المكفِّر ما هو أنفع للفقراء وأشد زجرًا لنفسه.
﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]
أما إذا جاءت «أو» في النهي، فإنها تقتضي اجتناب الجميع. فقوله تعالى ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ نهيٌ عن طاعة الآثم وعن طاعة الكفور كليهما. وكذلك قولك: «لا تقتل زيدًا أو عمرًا أو خالدًا» نهيٌ عن قتلهم جميعًا. أما قولك: «كل خبزًا أو تمرًا أو لحمًا» فهو تخيير في واحد منها.
﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 24]
ثم ذكر ابن حزم أن النهي يقتضي اجتناب المنهي عنه، كما أن الأمر يقتضي الإتيان بالمأمور به. ومن أمثلة النهي قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: 32] وقوله تعالى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: 43]. وردّ ابن حزم على من اعترض بأنه لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن تركه لكان النهي عنه أمرًا بضده، وبيّن أن هذا الاعتراض تشبيهٌ بين أشياء غير متشابهة. ثم علّق الشيخ على كلمة ابن حزم: «من لم يعدّ كلامه من عمله كثر خطؤه»، فدعا إلى ضبط اللسان والحياء من الكلام بغير علم.
المحور الخامس: أمر الإباحة ونهي الكراهة، والدلالات الثلاث
ذكر ابن حزم قول من قال إن هناك أمرًا ليس فيه معنى النهي أصلًا، وهو أمر الإباحة، ونهيًا ليس فيه معنى الأمر، وهو نهي الكراهة أو ما يُسمّى «نهي اختيار الترك». وبيّن أن الإباحة هي استواء الطرفين، فلا يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها. ومن أمثلتها قوله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وهو أمرٌ ورد بعد حظر فرجع الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر، وهو الإباحة.
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]
ثم ختم الشيخ بتقرير أنواع الدلالات الثلاث، لأنها مفتاح فهم المسألة:
- دلالة المطابقة: دلالة اللفظ على تمام معناه، مثل دلالة لفظ «المسجد» على المسجد كاملًا.
- دلالة التضمن: دلالة اللفظ على جزء معناه، مثل دلالة «المسجد» على سقفه.
- دلالة الالتزام: دلالة اللفظ على أمر خارج عن معناه لكنه لازم له. فوجود السقف يستلزم وجود الجدران، والجدار ليس هو السقف ولا جزءًا منه. ووجود اليد يستلزم وجود الكتف.
وطبّق الشيخ ذلك على أسماء الله الحسنى. فاسم «الرحمن» يدل على الذات وصفة الرحمة معًا بالمطابقة، وعلى أحدهما بالتضمن، ويدل على صفات أخرى كالعلم والقدرة بالالتزام. وانتهى إلى أن دلالة الأمر على النهي عن الضد دلالةُ التزام، لا دلالة مطابقة ولا تضمن.
النقاط الرئيسية
- مسألة «الأمر بالشيء نهي عن ضده» متفرعة عن الخلاف في صفة الكلام لله تعالى، وفيها ثلاثة أقوال.
- مذهب أهل السنة أن للأمر صيغة وللنهي صيغة، وأن الأمر بالشيء ليس هو عين النهي عن ضده، لكنه يستلزمه.
- عقيدة أهل السنة في القرآن: الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ.
- الضد الأخص لا واسطة بينه وبين ضده، فالنهي عنه أمرٌ بضده. أما الضد الأعم فبينه وبين ضده وسائط، فلا يتعين ضدٌّ بعينه.
- التروك الكثيرة يمكن اجتماعها في وقت واحد، أما الأفعال المتنافية فلا تجتمع.
- «أو» في الأمر تفيد التخيير، وفي النهي تقتضي اجتناب الجميع.
- الدلالات ثلاث: مطابقة وتضمن والتزام، ودلالة الأمر على النهي عن الضد من قبيل الالتزام.
الفوائد والعبر
- على طالب العلم أن يعرف الأصول العقدية التي تُبنى عليها المسائل الأصولية، حتى لا يتأثر بمذاهب أهل الكلام من غير أن يشعر.
- زلة العالم الكبير لا تُسقط قدره ولا تُتّبع، كما في التنبيه على عبارة ابن قدامة وعلى تأثر ابن حزم بالمنطق.
- المصلي مأمور بالخشوع وترك كل ما يشغله عن صلاته، لأن الأمر بالصلاة يستلزم ترك ما ينافيها.
- من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه وقلّ خطؤه، فينبغي ضبط اللسان والحياء من القول بلا علم.
- من شكر الله أن يشكر المرء من أحسن إليه وأعانه على الخير، اقتداءً بهدي النبي ﷺ.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات