شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (41) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الحادي والأربعون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة المغرب من يوم الأحد التاسع من شهر الله المحرم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف، الموافق للثامن من شهر سبتمبر سنة تسع عشرة وألفين.
يتناول الدرس مسألة أصولية لها أثر كبير في الفقه والعمل، وهي: هل الأوامر الشرعية على الفور أم على التراخي؟ أي إذا ورد الأمر من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، فهل يجب على المكلف أن يبادر إلى امتثاله، أم يجوز له أن يؤخره ما شاء؟ ويبيّن الشيخ مذهب ابن حزم في المسألة وأدلته، ويعرض اعتراض المخالفين وجوابه عنه، ثم يفصّل أنواع الواجبات بحسب ارتباطها بالوقت.
ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم الفرق بين الواجب المضيّق والواجب الموسّع، وبين الواجب المؤقت بوقت محدود والواجب الذي يبقى دَينًا في الذمة إلى الموت. كما يوضح متى يُبطل ترك المبادرة أو التتابع العبادةَ، ومتى تصح العبادة مع إثم صاحبها بالتأخير. ويختم الشيخ بتطبيقات فقهية في الصيام والطهارة والزكاة والحج.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الأوامر على الفور أم على التراخي؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين. فقال قوم إن الأوامر على التراخي، فيجوز تأخير المأمور به. وقال آخرون إن فرض الأوامر هو البدار والمسارعة، إلا ما أباح النص أو الإجماع تأخيره. فالأصل عندهم المبادرة، ولا يُخرج عنه إلا بدليل.
واختار ابن حزم رحمه الله القول الثاني، وقال: «وهذا هو الذي لا يجوز غيره». واستدل بآيتين أمر الله فيهما بالمسارعة والمسابقة. وقد قرر من قبلُ أن أوامر الله تعالى على الوجوب، فإذا أمرنا بالاستباق إلى الخيرات والمسارعة إلى ما يوجب المغفرة، فقد ثبت وجوب البدار إلى المأمور به ساعة وروده، دون تأخير ولا تردد.
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148].
المحور الثاني: الرد على اعتراض المخالفين
اعترض بعض القائلين بالتراخي بأن الآية أمرت بالمسارعة إلى المغفرة، لا بالمسارعة إلى امتثال الأوامر. وردّ ابن حزم هذا الاعتراض وعدّه من عكس الحقائق، لأن المغفرة لا تُنال إلا بالعمل الصالح الذي وعد الله عليه بالرحمة والمغفرة. فيكون معنى الآية: سارعوا إلى الأعمال الموجبة للمغفرة من ربكم. وهذا من الحذف الذي دلّ عليه الحال.
واستدل ابن حزم على ذلك بوجهين:
- الوجه الأول: النص الوارد بأن أحدًا لا يُجزى بمغفرة ولا غيرها إلا بحسب عمله، قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 90].
- الوجه الثاني: أن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وليس في وسع أحد أن يسارع إلى المغفرة المجردة دون عمل صالح.
وبيّن الشيخ أن العمل الصالح هو سبب المغفرة، فالصلاة والصيام والحج والدعاء والاستغفار كلها أعمال صالحة تُطلب بها المغفرة.
المحور الثالث: أنواع الواجبات بحسب ارتباطها بالوقت
فصّل ابن حزم المأمورات بحسب صلتها بالوقت إلى أنواع:
- الواجب المرتبط بوقت محدد مضيّق: كصيام رمضان، جاء النص بإيجاب تأخيره إلى وقته، فإذا خرج الوقت سقط الأداء إلا أن يأتي نص بقضائه. وهذا الوقت لا يتسع لغيره من جنسه، فلا يصح أن يُصام فيه بنية الاثنين أو الخميس أو الأيام البيض.
- الواجب المرتبط بوقت موسّع: كأوقات الصلوات الخمس، يجب تأخيرها إلى دخول وقتها، ويباح أداؤها في أوله أو في آخره. فمن أداها في أول الوقت فقد أتى بالواجب، ولا يأثم من أخّرها ما دامت في وقتها. وهذا الوقت يتسع لغيرها، فيصلي العبد قبل الظهر وبعده ما شاء من النوافل.
- الواجب المرتبط بسبب غير محدود بوقت ينتهي: كقضاء رمضان للمريض والمسافر، والزكاة إذا حال عليها الحول، والحج على المستطيع. ففرض المبادرة إليها لازم من أول وقت القدرة، فإن بادر فقد أدى، وإن أخّر بغير عذر كان عاصيًا بالتأخير، ويبقى الأمر ثابتًا في ذمته إلى أن يلقى الله.
واستشهد الشيخ في باب الإبراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» [متفق عليه]. وذكر مما رآه في الخرطوم أن بعض الناس يرون أول وقت الظهر هو وقت الإبراد، فبيّن أن الإبراد تأخير عن أول الوقت عند اشتداد الحر. ونبّه كذلك إلى تقديم المحافظة على أول الوقت ومراعاة مصلحة المصلين، كألا يطيل الخطيب خطبته حتى يضيّع على الناس فضيلة أول الوقت.
وفي الحج قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. فهو فرض على كل مستطيع إلى أن يلقى الله، والمبادرة إليه واجبة.
المحور الرابع: الإثم بترك المبادرة لا يُبطل العبادة إلا بنص
أورد ابن حزم سؤالًا: لماذا أجزتم صيام كفارة اليمين وقضاء رمضان وصيام التمتع غير متتابعة؟ فأجاب بأن ذلك لا يخالف أصله. فالله أوجب في كفارة اليمين ثلاثة أيام، وكل يوم منها فرض قائم بنفسه، وكذلك المبادرة فرض آخر مستقل. فمن صام دون مبادرة فقد أطاع في أداء الصوم، وعصى في ترك المبادرة، ولا يبطل أحد الفرضين بترك الآخر.
وشبّه ذلك بمن صلّى ولم يزكِّ، فعليه معصية ترك الزكاة، وله أجر الصلاة. واستدل بقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].
وإنما يبطل أحدهما بترك الآخر إذا جاء نص يربط بينهما، كربط الصلاة بالطهارة، فمن صلى بغير وضوء ولا تيمم فصلاته باطلة. وكذلك ربط الله التتابع بالصيام في كفارة الظهار والقتل، فقال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]. فمن أفطر في أثناء الشهرين بغير عذر لم يأتِ بالصيام الذي أمر الله به. أما قضاء رمضان فقد قال فيه سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ولم يشترط التتابع.
ونبّه الشيخ إلى حال المرأة التي عليها صيام شهرين متتابعين، فإن الحيض لا يقطع تتابعها لأنه عذر شرعي. والفرق بينها وبين الرجل أنها تبتدئ بالأهلّة وتكمل العدة بعد طهرها.
المحور الخامس: الموالاة في الوضوء والغسل
ذكر ابن حزم لفتة دقيقة، وهي أن من غسل أعضاء الوضوء أو الغسل متفرقة دون أن يريد الصلاة، فلا حرج عليه في التفريق، لأنه غير مأمور بذلك إلا إذا قام إلى الصلاة. فإذا قام إلى الصلاة، فرضًا كانت أو تطوعًا، وجبت عليه المسارعة إلى إتمام وضوئه وغسله. ولا حرج عليه في تأخير التطوع، ولا في تأخير الفرض إلى أن يدركه مع الإمام أو إلى آخر وقته.
ومثّل الشيخ بمن أصابته جنابة في ليل الشتاء وقد صلى العشاء والوتر، فيجوز له أن يفرّق غسله ما لم يُرد به صلاة. أما إذا أراد أن يقوم لصلاة الليل أو حضرت الصلاة المفروضة، فقد وجبت عليه المبادرة والموالاة. وأشار إلى أن الأفضل في كل الأحوال هو الموالاة والإسراع، وإن لم تكن شرطًا في رفع الجنابة.
وذكر ابن حزم ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه طاف على نسائه، واستدل به على جواز تأخير الغسل ما لم يرد الصلاة. وأشار الشيخ إلى ما في بعض الروايات من الكلام في إسنادها.
النقاط الرئيسية
- مذهب ابن حزم أن الأوامر الشرعية على الفور، إلا ما أباح النص أو الإجماع تأخيره.
- دليله قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، والمقصود المسارعة إلى الأعمال الموجبة للمغفرة.
- المغفرة لا تُنال إلا بالعمل الصالح، ولا يُكلّف العبد إلا ما في وسعه.
- الواجب المضيّق كصيام رمضان لا يتسع لغيره من جنسه، والواجب الموسّع كالصلاة يجوز أداؤه في أول الوقت وآخره.
- الزكاة والحج وقضاء رمضان تجب المبادرة إليها، ومن أخّرها بلا عذر أثم، وتبقى دَينًا في ذمته إلى الموت.
- ترك المبادرة يوجب الإثم ولا يبطل العبادة، إلا إذا ربط النص بينهما كالتتابع في كفارة الظهار والقتل.
- الموالاة في الوضوء والغسل لا تجب إلا عند إرادة الصلاة.
الفوائد والعبر
- المبادرة إلى الطاعات علامة صدق الإيمان، فلا ينبغي للمسلم أن يسوّف في أداء ما أوجبه الله عليه.
- من حال عليه الحول في ماله فليبادر إلى إخراج زكاته، ومن استطاع الحج فليعجّل به، فالإنسان لا يدري متى يأتيه أجله.
- يحسن الحرص على الصلاة في أول وقتها، مع العمل بسنة الإبراد في الظهر عند اشتداد الحر.
- على من لزمه قضاء صيام أو كفارة أن يسارع إلى أدائها، وأن يحذر من تركها حتى تبقى دينًا عليه يلقى الله به.
- يتعلم طالب العلم من هذا الدرس أن يفرّق بين صحة العبادة والإثم بالتقصير فيها، فلا يحكم بالبطلان إلا بنص.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات