شرح كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم" (28) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,052 مشاهدة
241 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن والعشرون من شرح كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول قاعدةً من أهم قواعد باب البدع، وهي التفريق بين البدعة المذمومة والمصلحة المرسلة. فكثيرٌ من المحدثات في الدين إنما دخلت على الناس لأنهم ظنوها مصالح نافعة، فاستحسنوها بعقولهم دون أن يزنوها بميزان الشرع.

ويقرر الشيخ في هذا الدرس قاعدةً جليلة: كل أمرٍ وُجد المقتضي لفعله في عهد النبي ﷺ وانتفى المانع منه، ثم لم يفعله، فإن تركه له سنة، وفعله بعده بدعة. ويضرب لذلك أمثلةً واقعية، كالأذان لصلاة العيدين، وتقديم الخطبة على صلاة العيد، والذكر المبتدع، والطواف بالأضرحة. ثم يبيّن أثر البدع على القلوب، وكيف تزاحم السنن حتى تطردها.

ويهدف الدرس إلى أن يتعلّم طالب العلم ضبط معنى المصلحة المعتبرة شرعًا، وأن يدرك أن الاتباع هو طريق الهداية والبركة. كما يبيّن الفساد الذي تشتمل عليه المواسم والأعياد المحدثة، كصلاة الرغائب وتخصيص أول خميس من رجب بالصيام.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة

المصلحة المرسلة مصلحةٌ محققة للأمة لم يأتِ الشرع بإلغائها ولا بالأمر بها نصًّا. ومن الأمثلة التي تُذكر لها جمع المصحف وكتابة السنة. وقد بيّن شيخ الإسلام أن هذه الأمور ونحوها لها أصلٌ في الشريعة، وأنها مما جاء به الشرع في الجملة، فليست إحداثًا في الدين.

والفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة دقيق، والمسألة تحتاج إلى تحرير شديد. فمن الناس من يظن في أمرٍ مصلحةً وهو في الحقيقة مفسدةٌ خالصة أو راجحة. ومنهم من يفرّط في اعتبار المصالح الحقيقية. ولذلك تفاوتت مسالك العلماء في إثبات الأحكام: فمنهم من لا يُثبت الحكم إلا بلفظ الشارع من قوله أو فعله أو تقريره، ومنهم من يُثبته بلفظ الشارع أو بمعناه، ومنهم من يُلحق به القياس على العلّة الجامعة بين الأصل والفرع.

ومن أسباب الضلال أن كثيرًا من الناس لا يفرّق بين المصلحة الشرعية والبدعة، فيرى البدعة مصلحةً فيقع فيها. وقد يدخل في ذلك بعض العلماء والعبّاد من باب الزلّة والاجتهاد، كما رُوي عن النبي ﷺ وعن غير واحد من الصحابة في التحذير من زلّة العالم:

«إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ: زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ».

المحور الثاني: قاعدة وجود المقتضي وانتفاء المانع

هذه القاعدة هي جوهر الدرس. فما كان المقتضي لفعله موجودًا في زمن النبي ﷺ، ولو كان مصلحةً لفعله، ثم لم يشرعه، فإن وضعه تغييرٌ لدين الله. ومثال ذلك الأذان لصلاة العيدين: قد يقال إن فيه ذكرًا لله ودعاءً إلى عبادته، فيدخل في عموم قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: 33].

ومع ذلك فقد ترك النبي ﷺ الأذان للعيدين مع وجود المقتضي وزوال المانع، فكان تركه سنةً خاصة مقدَّمةً على كل عموم وكل قياس. ولو كان خيرًا لسبقنا إليه السلف. وقد بيّن الشيخ أن الاستدلال على البدعة بترك النبي ﷺ لها أقوى من الاستدلال على كراهتها بمجرد الرأي.

ونبّه الشيخ إلى مثالٍ يوضح أثر زوال المانع: كان النبي ﷺ يُسرّ القراءة في مكة خشية أذى المشركين، فلما هاجر إلى المدينة وزال المانع جهر بالقراءة في الصلوات الجهرية. وهذا يبيّن أن الحكم يدور مع وجود المقتضي وانتفاء المانع.

المحور الثالث: أمثلة على البدع المستحسنة بدعوى المصلحة

من هذه الأمثلة الزيادة في العبادات المحدّدة. فلا يجوز لأحد أن يزيد في عدد الصلوات، ولا في عدد الركعات، ولا في صيام الشهر، ولا في أشواط الحج. فلو صلى أحدٌ الفجر خمس ركعات وقال إنها زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك.

ومن ذلك أن يُنصب مكانٌ يُقصد لدعاء الله وذكره على هيئة لم يشرعها الله، كالطواف حول الأضرحة والمقامات تشبيهًا لها بالكعبة المشرّفة. ومثّل الشيخ لذلك بما يفعل عند مشاهد الحسين والسيدة والبدوي، وقال إن هذا عين البدعة والضلالة. وكذلك الذكر بالهيئات المبتدعة التي يفعلها بعض المتصوفة. وإذا قال قائل: «هذه بدعة حسنة»، قيل له: قد قال النبي ﷺ:

«وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».

ومن الأمثلة كذلك ما أحدثه بعض الأمراء من تقديم الخطبة على صلاة العيدين، بحجة أن الناس ينصرفون بعد الصلاة ولا يجلسون لسماع الخطبة. فأنكر ذلك المسلمون لأنه بدعة. وقد كان الناس في عهد النبي ﷺ ينصرفون، فمنهم من يجلس ومنهم من ينصرف، ولم يغيّر النبي ﷺ ترتيب الصلاة والخطبة.

وبيّن شيخ الإسلام أن سبب انصراف الناس كان من تفريط الأمراء أنفسهم. فالنبي ﷺ كان يخطب خطبةً يقصد بها نفع الناس وتذكيرهم وهدايتهم. ولو خطبهم الأمراء كذلك لجلس أكثرهم. فالمعصية التي وقعت منهم لا تبيح لهم إحداث معصية أخرى، والطريق الصحيح أن يتوبوا إلى الله ويتبعوا السنة.

المحور الرابع: أثر البدع في القلوب ومزاحمتها للسنن

قرّر شيخ الإسلام أن الشرائع غذاء القلوب. فمن اغتذى قلبه بالبدع لم يبقَ فيه فضلٌ للسنن، كمن امتلأ بطنه بالطعام الخبيث فلم يعد فيه مكان للطعام الطيب. ولهذا تجد أهل البدع، من المتصوفة والروافض وغيرهم، يستثقلون السنن ويعرضون عنها لانشغالهم بما ابتدعوه. وقد رُوي:

«مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ السُّنَّةِ مِثْلَهَا».

ثم بيّن أن هذا المعنى يجري في أبواب أخرى. فبعض الولاة أحدثوا أنواعًا من السياسات الجائرة والعقوبات والمكوس، لأنهم فرّطوا في المشروع من إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو أقاموا الحدود على الشريف والوضيع، وأخذوا الأموال من حقّها ووضعوها في حقّها، لاستغنوا عن الظلم. وطبّق الشيخ هذا المعنى على واقع الناس اليوم، وبيّن أن صلاحه يكون بإحياء الإيمان في القلوب وتذكيرهم بالله واليوم الآخر، قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]

وكذلك العلماء: إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البيّنات والهدى، وجدوا فيه من العلوم النافعة ما يغنيهم عن الطرق الكلامية والفلسفية المبتدعة. ومن صحّ منها فأصله موجود في الكتاب والسنة. وبذلك تتحقق الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، قال تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]

وكذلك العبّاد: إذا تعبّدوا بالمشروع من الأقوال والأعمال، وجدوا فيه من الأحوال الزكية والمقامات العلية ما يغنيهم عن السماعات المبتدعة كالتغبير والطبول، وعن الأوراد والأذكار المخترعة. ثم نبّه الشيخ إلى أن من أحدث شيئًا من ذلك من العلماء أو العبّاد مجتهدًا طالبًا للحق قد يكون معذورًا بل مأجورًا، فليس من شرط الصدّيق أن يكون علمه كله صحيحًا. أما من اتبع هواه وصدّ عن سبيل الله فليس بمعذور.

المحور الخامس: فساد المواسم والأعياد المحدثة

بيّن شيخ الإسلام أن النصوص الدالة على ذم البدع يجب العمل بها، وأن المواسم والأعياد المحدثة تشتمل على فسادٍ في الدين. وليس كل الناس يدرك هذا الفساد، خاصةً إذا كانت البدعة من جنس العبادات المشروعة، وإنما يدركه أولو الألباب. والواجب على الخلق اتباع الكتاب والسنة وإن لم يدركوا ما في ذلك من المصلحة والمفسدة.

ومثّل لذلك بمن أحدث صوم أول خميس من رجب، والصلاة في ليلة أول جمعة منه المسماة «صلاة الرغائب»، وما يتبعها من صنع الأطعمة والزينة والتوسعة في النفقة. فهذا العمل لا بد أن يتبعه اعتقادٌ في القلب بأن هذا اليوم أفضل من أمثاله، وأن صومه مستحبٌّ استحبابًا زائدًا، وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من ليالي الجمع. وهذا تشريعٌ لم يأذن به الله.

النقاط الرئيسية

  • المصلحة المرسلة غير البدعة، فالمصلحة المعتبرة لها أصلٌ في الشريعة كجمع المصحف وكتابة السنة.
  • ما وُجد مقتضيه في عهد النبي ﷺ وانتفى مانعه ولم يفعله، فتركه سنة وفعله بدعة.
  • ترك النبي ﷺ للأذان في العيدين سنةٌ خاصة مقدَّمة على كل عموم وقياس.
  • لا تجوز الزيادة في العبادات المحدّدة، ولا تخصيص أماكن أو هيئات للذكر والدعاء لم يشرعها الله، كالطواف بالأضرحة.
  • معالجة التقصير لا تكون بإحداث البدع، بل بالتوبة والرجوع إلى السنة، كما في مسألة تقديم خطبة العيد.
  • القلوب تتغذى بالشرائع، فإذا امتلأت بالبدع لم يبقَ فيها مكان للسنن.
  • المواسم المحدثة كصلاة الرغائب تتضمن اعتقاد فضيلةٍ لم يشرعها الله، وهذا من أعظم مفاسدها.

الفوائد والعبر

  • أن يزن المسلم كل عبادة يستحسنها بميزان الكتاب والسنة وفعل السلف، لا بمجرد ما يراه من مصلحة.
  • أن يحرص على السنن الثابتة ويستكثر منها، فهي الغذاء الطيب الذي يحفظ القلب من الانشغال بالبدع.
  • أن يدرك أن صلاح الأفراد والمجتمعات وحلول البركة والأمن إنما يكون بالإيمان والتقوى وإقامة شرع الله.
  • أن يجتنب المواسم والعبادات المحدثة كتخصيص أيام أو ليالٍ بعبادات لم يرد بها دليل، كصلاة الرغائب.
  • أن ينصف العلماء المجتهدين الذين أخطؤوا طلبًا للحق فيعذرهم، مع التحذير من الخطأ نفسه وعدم اتباعهم فيه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات